
القاعدة الأولي
أما بعد .. فالأمر الجامع , والقول السامع , والسيف القاطع في طريق الله عز وجل أن العاقل الذي يريد نجاة نفسه من جميع المهالك , ويحب أن يدخله الله تعالي في سلك المقربين في جميع المسالك إذ أراد أن يدخل في أمر من أموره قولاً أو فعلاً فليعلم أن الله سبحانه وتعالي لا بد أن يوقفه بين يديه تعالي ويسأل عن ذلك الأمر فليعد الجواب لسؤال الحق تعالي قبل أن يدخل في ذلك الأمر فإن رأي الجواب صواباً أو سداداً يرتضيه الحق تعالي ويقبله منه فليدخل في ذلك الأمر فعاقبته محمودة دنيا وأخري . وإن رأي ذلك الجواب لا يقبله الحق تعالي منه ولا يرتضيه فليرشد من ذلك الأمر أي أمر كان فإنه وبال عليه إن دخل فيه .
وهذه القاعدة هس أساس الأعمال كلها والأقوال , فمن تحقق بها ورسخ فيها كانت أحواله كلها مبنية علي السداد ظاهراً وباطناً لا يدخلها خلل بوجه من الوجوه . وهذا معني قول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم : " حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا وزنوها قبل أن توزن عليكم " .
القاعدة الثانية
أن لا يفعل فعلاً ولا يقول قولاً حتي يقصد به وجه الله تعالي فإن صح القصد فيه لوجه الله تعالي وغسل قلبه من كل شائبة لغير الله ورسخ في هذه القاعدة قلبه صار لا يتكلم ولا يفعل فعلاً إلا عن تثبت وتأن , وصارت أعماله كلها خالصه إلا مخالطة فيها بوجه من الوجوه .
وهذا معني قول خالقنا جل وعلا لرسوله الأعظم وحبيبه الأكرم صلي الله عليه وعلي آله وسلم : " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه " أي لا غيره في جميع أمورهم وقال عز وجل : " ما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضي "
القاعدة الثالثة
أن يوطن قلبه علي الرحمة لجميع المسلمين كبيرهم وصغيرهم ويعطيهم حق الإسلام من التعظيم والتوقير , فإن رسخ في هذه القاعدة واستقام فيها قلبه أفاض الله سبحانه وتعالي علي سائر جسده أنوار الرحمة الإلهية و أذاقه حلاوتها فنال من الأرث النبوي حظاً وافراً عظيماً من القول الله عز وجل : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين "وهذا معني قول رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم : " إن لله عز وجل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله عليه أمر دينه ودنياه , ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله له شيئاً حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي " وف ي هذا المعني قول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله تعالي عنه : " لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير"
القاعدة الرابعة
مكارم الأخلاق التي بعث رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم لتمامها وهو قوله صلي الله عليه وعلي آله وسلم : " إنما بعثت لإتمام مكارم الأخلاق " وهذه القاعدة هي زبد الدين .
وحقيقتها أن يكون العبد هيناً ليناً مع أهل بيته وعبده ومع جميع المسلمين . قال رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم : " أهل الجنة كل هين لين سهل قريب . وأهل النار كل شديد علي الصاحب , والشديد علي العشيرة " وقال مولانا العظيم " وقولوا للناس حسناً " أي لا قبحاً وقال عز وجل : " وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن " والأحسن هو الذي جمع الحسني وزيادة .
وبالجملة الذي تحب أن يواجهك الناس به من الكلام الطيب والقول الحسن والفعل الجميل فاعله مع خلق الله وما تكره أن يعاملك العباد به من الكلام الخبيث والقول القبيح والفعل الكريه فاتركه , فإن الله تعالي يعامل العبد بوصفه وخلقه الذي يعامل الخلق به فإن المجازة علي الوصف وبالوصف :"سيجزيهم وصفهم " , " جزاء وافقاً " فمن كان للخلق جنة ورحمة وظلاً ظليلاً يستريحون فيه كان الله له كذلك , فمن اكرم عبداً لمراعاة سيده فإنما أكرم السيد وكذلك جاء في الحديث عن الله عز وجل : " إنه يقول للعبد يوم القيامة : جعت فلم تعطيني , واستسقيتك فلم تسقني , ومرضت فلم تعدني , فيقول العبد كيف تجوع وأنت رب العالمين ؟ وكيف تمرض وأنت رب العالمين ؟ وكيف تستسقي وأنت رب العالمين ؟ فيقول له سبحانه مفسراً لذلك : أما إنه مرض عبدي فلان فلو عدته فوجدتني عنده , واستسقاك عبد ي فلان أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي , وجاع عبد فلان فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي " مفسراً نفسه سبحانه في قوله : " جعت ومرضت واستسقيت " بقوله : جاع عبدي فلان , ومرض عبدي فلان , واستسقاك عبدي قلان فمعاملة العبد لملاحظة سيده هي معاملة السيد بلا شك .
فمن رسخ قدمه في هذا المقام صارت معاملته مع الحق جل جلاله في كل شيء فلا يراقب غير الله تعالي . ومجمع مكارم الأخلاق مع الله تعالي وع عباده قول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم : " أكرموا الله ان يرا منكم ما نهاكم عنه " . وهو أن لا يراك سبحانه حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك .
والأمر الذي يبعث العبد علي الحياء من الله تعالي هو أن يعلم علم حضور أن الله عز وجل علي كل شيء رقيب وعلي كل شيء شهيد وهو قول الله تعالي : " واعلموا أن الله يرا ما في أنفسكم فإحذروه " فإذا شغل العبد قلبه بهذه المراقبة واستعملها حتي إعتادها والفها لزمه الحياء من الله تعالي أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً لا يرضاه الله ولا يليق بجلاله وهو حاضر القلب " وهو معكم أين ما كنتم " فإن الله تعالي معه وناظر إليه فإن العبد إذا أراد أن يزني مثلاً أو يسرق والناس ناظرون إليه وهو عالم انهم ينظرون لا يقدر أن يقدم علي ذلك مع علمه بنظر الناس إليه فإنه يستقبح ذلك من نفسه ويستخبثه . فإذا كلن الحال هكذا مع المخلوق الذي لا يملك ضراً ولا نفعاً والحامل له علي ذلك كله مخافة أن يسقط من أعين الناس ويحط قدره عندهم فلاشك انه إذا كان حاضر القلب عند الشروع في الفعل الذي لا يرضاه الله تعالي ترك ذلك الفعل قطعاً , وهذا معني قول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم في الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " فمن كان بهذه الحالة في عبادته وهو حاضر القلب بها أن الله تعالي ناظر إليه لزمه ان يحسن تلك العبادة ويتقنها علي قدر قوة علمه أن الله تعالي ناظر إليه فيها .
والله الموفق عليه التكلان . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .