
فمن أهم المقدمات ضبط الرياضة القالبية بجهاد العوائق الأربعة العادية بتقليل ما أمكن من كل منها قهراً للنفس رغماً عنها .
أولها : ترك الفضول من مخالطة الناس :
فيجتنبهم ما أمكن حتي تألف النفس الوحدة وتتوطن عليها بحيث تألفها كما ألفت قبلها الخلطة وتكرهها كما كانت تكره قبل ذلك الوحدة .
ثانيها : ترك الفضول من الكلام :
حتي تألف الصمت إلا بذكر الله وما والاه مما لا شوب حظ للنفس فيه .
ثالثها : ترك الفضول من المنام :
إلا القدر الذي تحصل به الراحة والنشاط للعبادة وهو الذي يكون عن غلبة مع فراغ الباطن بالضابط الآتي. رابعها : ترك الفضول من الطعام :
حتي تتمرن نفسه علي الجوع بلا تشويش في باطنه ولا وهن في ظاهره بحيث يكون ذلك دأباً لها و تتأدى معه العبادة المطلوبة منه إذ ذاك .
فينبغي له أن يمرن نفسه علي جهاد تلك القواطع الأربعة مدة مديدة و أياماً عديدة . وهو مع أهله باد لأهل محله لا يشعرون له بشيء من ذلك , ولا يطلعون له علي حال ما مما هنالك , مورياً عما يوهم انكشاف حاله لهم بأصناف المعاريض و تعميات التغاميض مما فيه مندوحة عن الكذب .
والحاصل من جهاد القواطع الأربعة كلها التحلي بالأوصاف الحميدة السنية , والتخلي عن الأوصاف الذميمة الردية لا سيما الشهوة البهيمية ولا سيما شهوة الطعام والشراب التي هي رأسها و أم الخبائث وأساسها , ولذلك إعتنا القوم بها واستنبطوا لرياضتها وجوها منها : أن يأكل المتريض أول يوم أكله المعتاد ويشبع شبعه المعتاد عادا كم لقمة أكل سحوراً وفطوراً لاستحباب الصوم له إذ ذاك أو غداء وعشاء إن لم يتيسر له الصوم .
ثم يأكل في اليوم الثاني مثل ذلك إلا إنه يترك لقمة من عدد هذا و أخر من عدد هذا وفي اليوم الثالث كذلك و هلم جرا فلا يزال يترك كل يوم لقمة من غذائه و أخرى من عشائه حتي ينتهي إلي القدر الذي تمكنه معه العبادة المطلوبة منه دون وهن في ظاهرة أو تشويش في باطنه .
ومنها أن يدرك نقص الطعام بالوزن من آكله المعتاد مع الشبع المعتاد وزناً معلوماً درهما أو أقل أو اكثر كل يوم من فطوره وسحوره أو غذائه وعشائه علي الوصف السابق ابتداء وانتهاء .
ومنها وهو أولاها أن يأخذ عوداً رطباً من رمان أو تين أو غيرها ويزنه بالقدر المشبع الشبع المعتاد من مألوف طعامه ويضعه في الظل , ولا يزال كل يوم يزن به فطوره وسحوره حتي إذا جف ويبس ذلك العود وزنه بآخر رطباً من جنسه , ثم يزن بالثاني حتي يبس , ويزن بالثالث كذلك حتي ينتهي إلي قدر يمكن معه أداء العبادة المطلوبة منه إذ ذاك بحيث لا يخل بالجسم ولا يثقله برطبات عن العبادة ولا يشعر بالجوع لمكان التدريج المذكور فإن الضابط عن العبادة ولا يشعر بالجوع لمكان التدريج المذكور فإن الضابط في جميع وجوه التداريج المذكورة وغيرها عدم شعور النفس بتقليل الطعام والشراب و استئلافها إياه لتطمئن به فيتمكن من الطاعات منها وانقيادها لها .
والحاصل أنه إما أن يفعل وجهاً مما ذكر أو يخفف من طعامه و شرابه ما أمكن . و المطلوب التوسط في جميع أموره لحديث :" خير الأمور أوسطها "
قالوا : وتقليل الشراب آكد من تقليل الطعام حتي قال بعضهم :" كل ما شئت ولا تشرب " وسر ذلك أن ترك الشراب يستلزم تقليل الطعام , ولذا قالوا أبو يزيد البسطامي لنفسه لما تكاسلت عن ورده ليلة من الليالي :" والله لا أسقينك الماء سنة لاستلزامه تقليل الطعام المستلزم الخفة والنشاط للعبادة "
من مقدماتها أيضاً اجتناب جميع ما يخرج منه من ودك ولبن وسمن , فإنها تكسب آكلها ثوران الشهوة البشرية لمن كان في عنفوان الشباب أو قوياً من الكهول والمشايخ , إلا العسل فلا يجتنبه فإنه يكسب آكله شفاء من الأمراض الباطنية إن تناوله بتلك النية وأنواراً ومعارف بالخاصية لسر الإيحاء الدال عليه قوله تعالي : " وأوحي ربك إلي النحل أن أتخذي " .. إلي " شفاء للناس " (1) إلا أن بعضهم لا يجتنب ما ذكر إلا حال الشروع في الخلوة , والخطب في ذلك سهل وإن كان الحال الأول أكمل .
ومن مقدماتها أيضاُ إتقان الرياضات القلبية , وهي آكد من القالبية وإن كانتا مطلوبتين , وذلك بتحلية باطنة بأنواع المراقبات الخفية بتمرين قلبه علي استحضار شهود عظمة ربه في جميع أو غالب ما يحاوله من لوازمه الدينية و آكد شئونه البدنية بعد تخليته بتفريغه عن الشواغل الفكرية بحسم مادة الجولان في الأغراض النفسية , ودفع هواجم الخواطر الردية , وقمع هواجس الخطرات الدينية , مقبلاً علي الله مؤدباً جوارحه في طاعة مولاه باستعمال كل منها فيما خلق لأجله متبرياً في كل ذلك من حوله وقوته :
فإذا ثبتت علي تلك المقدمات حالته وقويت فيها عارضته حق له إذ ذاك الاختلاء وقرع باب الاجتلاء وله بعد ذلك حالتان :
إحداهما : أن يستديم علي تلك الحالة مواظباً علي نفسه بالأوراد الآتية في الحالة الثانية (1) مع كونه بادياً للناس في بعض أحيانه علي الوصف السابق وتسمي تلك الحالة بالخلوة البرانية (2) ويحصل بها خير كثير وترقيات ومدد غزير .
وقد ذكر الإمام الجنيد شوطاً ثمانية استوفي فيها غالب لوازم مطلق العكفات فمنها :
دوام الطاهرتين كبري وصغري : فإن للوضوء نوراً ساطعاً يستنير منه باطن صاحبه وينشرح صدره لما يراه عليه من تجليات الأنوار ومواهب نفحات الأسرار .
ومنها استدامة الاستخلاء : بمكان لائق بجعله محل اعتكافه إما دائماً أو في غالب أحيانه , فإذا أراد أن يدخلها فيدخل فيها كما يدخل المسجد مبسملاً ومستمداً من أرواح مشايخه , جاعلاً لها كأنها قبره يدخل فيها ذاهباً إلي الله تاركاً ما سواه , بحيث لا يدع للخطرات السوائية في قلبه موضعاً ويقعد متربعاً أو كما يقعد للتشهد أو محتبياً حسبما يستريح قلبه دون تألم الأعصاب المشوشة للقلب متوجهاً إلي القبلة , غير مستند إلي جدار دون ضرورة ولا متكئاً كذلك مطرقاً لله تعالي , مغمضاً عينيه , ملاحظاً قوله تعالي في الحديث القدسي : " أنا جليس من ذكرني " يجعل خيال شيخة بين عينية . ثم يشتغل بمعني الذكر علي قدر مقامة , مراعياً معني الإحسان في هذه الحالة , ثم يتبع اللسان القلب يقول : " لا إله " يطاطى رأسه ماداً " لا إله " إلي المنكب الأيمن ناظراً بقلبه إلي كبرياء الله وعظمته لتصغير نفسه ويميل رأسه إلي الجانب الأيسر ويضرب بـ " إلا الله " بالشد القوي علي اللحم الصنوبري الشكل ويلاحظ بقلبه لا موجود إلا الله ولا مقصود ولا معبود .
ومنها الدوام علي الذكر : والعكوف عليه بالوصف السابق إلي ما يستطيعه من الملازمة فإن كلت النفس وسئمت ذكر علي ما أمكنه ولا يقطعه رأسا . فإن كل اللسان أيضاً فبالقلب مادام مستيقظاً .
ومنها دوام الصوم : إلا عن ضرورة . ومنها دوام السكوت عن الكلام الخارجي : غير الذكر .
ومنها دوام نفي الخواطر : خيراً كان أو شراً ولا يمكن نفسه من الاشتغال بالتمييز بينها لئلا تسرح ميادين الفكر في الكون بل ولا في معني آية أو حدث أو غيرهما إلا إذا ورد عليه معني من التشبيهات الإلهية والواردات الحقيقية من غير التدنس بالأفكار البشرية فيبقيها ويشتغل بالذكر , وإن خاف الفوات بالنسيان لنفاستها يكتبها سريعاً ويرجع إلي الذكر .
ومنها دوام ربط القلب بالشيخ .
ومنها حسم مادة الاعتراض : علي الله تعالي وعلي الشيخ , ودوام الرضا بقضاء الله تعالي علي ما قدر من السر والفتح والقبض والبسط والصحة والمرض ملاحظاً قوله تعالي : " وعسي ظان تكروه شيئاً وهو خير لكم " وعسي أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون "
ولهذا مزيد وبيان وتحرير وإتقان بيناه في السلسبيل فليطالعه مريده .
هذا ما يتعلق بالحالة الأولي .
وثانيهما : أن يريد الانقطاع الكلي إلي الله تعالي علي الوصف الآتي وهو المسمي بالخلوة الجوانية المتعاف أمرها عند القوم فيتأكد عليه إذن أمور أخر زيادة علي ما مر : منها أن يوطن نفسه علي طول المكث فيها بل علي أنه غير خارج منها وإنها قبره الذي هو أول منزل من منازل الآخرة , ولذلك طلب فيها أن تكون علي شكل اللحد في طولها وعرضها وسمكها بحيث لا فضاء فيها غير محتاج إليه بل ما فيها إلا قدر جلوسه ووقوفه واضطجاعه وما يلزمه من بعض ضرورياته . ومنها أنه يتأكد عليه إخفاء مكان اختلائه ما أمكن بحيث لا يشعر به ولو خادمه الذي يخدمه فيها إما لكونه أعجمياً أو مغفلاً غفلة لا يمكن معها التنبه لمثل ذلك أو يوري له بوجوه يفهم منها خلاف ما هو عليه ككونه له مدين يطلبه أو ذو سطوة يندبه أو يريد التداوي بآكل نحو العشبة المعروفة أو غير ذلك من أنواع المعاريض التي يحصل بها الإبهام والتعمية علي الخادم وغيره , وغن كان الخادم الزوجة لا بأس مع التعريض و التعميات السابقة من غير أن يقربها أيام الخلوة المدخولة عليها من أربعين أو غيرها ولا حرج عليه في مناولتها إياه ولا وقوع النظر عليها ولا يتكلم معها أو خادم أخر غيرها إلا فيما لابد منه ان كان لا يفهم الكتابة وإلا فما لا يفهم إلا بالنطق والكلام يليق به إذ ذاك .
ومنها أنه يتأكد عليه استعداد ما يحصن به نفسه مما تيسر من الآي القرآنية والأذكار النبوية في مسائه وصباحه وعند نومه وانتباهه كسورة الأنعام عند النوم أو يس أو الملك أو الإخلاص والمعوذتين علي الوصف المعروف في الحديث , وكقوله " أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق " ( ثلاثاً ) وقوله : " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم " ( ثلاثاً ) ولا مثل لقراءة الحزب السيفي في ذلك مع كون قراءته مرة بعبادة سنة بصيامها وقيامها .
وأما مقاصدها فكما مر .
وأما الخلوة الجوانية فلها أقوال وأفعال .
فأول أقوالها عند الدخول فيها بع" وليس لها ذكر مخصوص بها د التعوذ والبسملة : " رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيراً " وليس لها ذكر مخصوص بها بل أي ذكر أو صلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم أو قرآن أراد الدخول به اشتغل وسيأتي تمام الكيفية والورد المختار فيها .
أفعال الخلوة الداخلية
وأول أفعالها الاغتسال قبل الشروع فيها , وإن أمكن كل يوم كان اكمل قائلاً قبل اغتسالاته كلها وحينها إلي الفراغ منها : " اللهم طهرني من كل جنابة ومن كل حدث , ومن كل علة ومن كل مرض , ومن كل ذنب ومن كل معصية , ومن كل ومن كل غفلة ومن كل ظلمة , ومن كل حجاب ومن كل قطيعة , ومن كل سوء طهرت منه نبيك سيدنا محمداً صلي الله عليه وعلي آله وسلم ظاهراً وباطناً يارب العالمين "
فإذا فرغ من الغسل ولبس ثيابه طيب نفسه وخلوته بأي نوع من أنواع الطيب أمكنه لتقوية روحانياته وترضية حاضريه من الملائكة وصالح المؤمنين فإن الخلوة مشهودة , وإن أمكنه ذلك كل يوم أي وقت كان اكمل .
ثم يفتتح أعماله بصلاة ركعتين وإن صلاهما خلف شيخه أو نائبه كان أتم لاستحضاره صورة شيخه علي تلك الهيئة في ذلك المكان فإنه الرابطة بينه وبين الرسول صلي الله عليه وعلي آله و سلم الواسطة في جلب الإمداد إليه ثم يصلي صلاة التسابيح المعروفة , فإذا فرغ منها شرع في الأساس إن لم يكن فعله حال الرياضة القلبية و القالبية إذ الأولي تقديمه قبل الدخول .
فإذا فرغ من ذلك تعوذ وقال : " رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق " الآية سبع مرات أو ثلاثاً أو ما أمكن .
ثم يواظب مستحضراً عظمة الله وجلاله وجماله وكماله علي ذكر " لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله " في أوقاتها كلها ما خلا فعل الفارئض ورواتبها أربعة وعشرون ألفاً فاكثر عدد الأنفاس المشار إليه بقول تعالي :" واذكر ربك في نفسك " إلي قوله : " من الغافلين مجتهداً في ذلك بتوجه شديد وإقبال أكيد لتطوى به المسافات البعيدة والأزمنة المديدة . فإن مراتب الذكر ثلاثة : توجه صادق , وبعده نور طارق , وبعده حال خارق ثم بعد ذلك يلج المقامات السلوكية علي حسب ما قسم له منها . ويكون جلوسه حال الذكر علي أكمل ما يستطيعه من الهيئات الكاملة كالتربع القرفصاء علي ما هو معهود عند الأئمة الشاذلية , وسبق قريباً عن الإمام الجنيد , و حاصلة أن يجلس علي أليتيه ناصباً ساقيه , و يحتبي بيديه جاعلاً رأسه بين ركبتيه مغمضاً عينيه ويصعد بـ " لا إله : إلي الكتف الأيمن ملاحظاً نفي السوي ويضرب بـ " إلا الله " علي القلب الصنوبري تحت الثدي الأيسر لتمكين الذكر فيه ويسري منه إلي جميع الأعضاء , ويسمي هذا الذكر بهذه الصفة " ذكر اللف والنشر " لأن الذاكر ببداءته بالنفي من القلب كأنه ينزع لباس الغفلة و الأغيار وبنبذة خلف الكتف الأيمن ثم يضرب منه علي القلب بالإثبات كأنه يلف القلب بلباس التقوى وهو إثبات الوحدانية لله دون ما سواه حيث كان السوي عدماً أي لذاته حتي لا يصل إلي القلب برودة الوهم المانعة له عن القيام بحق المجاهدة في العبادة العندية .
وينبغي للمريد أن يدأب علي هذا الذكر مدة مديدة حتي يصير هواه و ديدنه وعادته وتبدو
سواطع
أنواره في تزايد وينتظم شمل العالم عنده في نطاق واحد وذلك نتيجة الاسم الأول , فإن
السالك لا ينتقل من اسم إلي الذي بعده إلا بعد ظهور نتيجته , وهذا أول كشوفات
الأنوار المستكنة في اللطائف السبعة القالبية ثم النفسية ثم القلبية ثم الروحية ثم
السرية ثم الخفية ثم الأخفوية كما هو مبين في كتابنا السلسبيل بما لا مزيد عليه
فليطالع .
فإذا ظهرت نتيجة الاسم الأول فينتقل إلي الاسم الثاني الاسم المفرد وهو " الله , الله , الله " ويداوم عليه سرمداً و أبداً علي ما تيسر له . وحالة المد أتم ومددها أعم مع تمام الحضور مستغرقاً في عظمة المذكور ملاحظاً بالحروف الأربعة معني الأولية و الآخرية والظهور والبطون فإن كل اللسان فيلاحظ بجريان النفس معني الطرفين أولية و آخرية اتصالاً دورياً علي ما يليق بجلاله وجماله وكماله . ويدأب علي هذا الاسم حتي تفيض عليه أنواره العلية وتنتشر عليه أسراره المواهبية مما هو متعارف في السلوك العلمي .
ثم ينتقل إلي الاسم " هو " ويدأب عليه كذلك ولا يزال ينتقل من اسم بعد ظهور نتيجته إلي ما بعده إلي تمام الأسماء السبعة وهو الأبلغ عند الكمل , أو لتمام الأربعة , اكتفاء بها عند جماهير أئمة الطرق : كالشاذلية والقادرية و الجنيدية وفروعهم و أحزابهم .
ثم إن الذاكر في الاسم الأول أعني كلمة " لا إله إلا الله " أن اقتصر عليها كفي كما مر , وإن استكملها كلها أعني محمداً رسول الله ... ألخ فكذلك إلا أنه ينبغي استحضار عظمة الحضرة النبوية عند قوله : محمد رسول الله .. الخ كأنه مشاهد له أمامه علي ما هو معروف في شمائله الظاهرة والباطنة , وعلي حسب ما يستطيع الذاكر من استحضار ذلك من أوصاف الشريفة , وهي الطريق الأقرب و الأنور , و بطي المسافات أجدر , ولكنها لابد لها من تمرين اللسان بها حتي يتشرب البدن منها حتي يقوي علي الإكثار لأنه ذكر قوي لا تحتمله إلا ذوات الأقوياء ثابتي القدم معتدلي المزاج .
وإن كان الذاكر ضعيفاً فيؤخذ بالرفق ويجعل له ورداً معلوماً حتي تأخذ عليه نفسه وتسري فيه القوة شيئاً فشيئاً عند ذلك يكثر منه كما مر مع شيء من الصلاة علي النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم فإنها كالماء يقوي النفوس ويقوي الطباع ويزيل البؤس كما سيأتي .
وإن شاء ذكر الصلاة العظيمية وهي : " اللهم إني أسألك بنور وجه الله العظيم " إلخ أقلها ألفان .
وينبغي لمن أراد الدخول بهذين الوردين الاشتغال بهما قبل الشروع فيهما حتي ينطلق لسانه بهما و يتعدي القدر المذكور فيهما مع أداء الواجبات وما معها من رواتب نوافل الخيرات فلا يدخل الخلوة إلا وقد تشرب جسده من الذكر و تجوهر باطنه بالاستعداد وتهيأ لقبول الإمداد .
ولا يزال بعد مدمناً علي ذكر العظيمية متخيلاً شمائله صلي الله عليه وعلي آله وسلم وحليته التي لقي الله عليها علي ما عند أئمة المحدثين كالإمام الترمذي وغيره في جميع أوقاته الذكرية حتي ينخرق له الحجاب ويشاهده صلي الله عليه وعلي آله وسلم بعين بصريتة علي حسب قوة استعداده و صقالة مرآته ثم بعين بصريته شهوداً روحانياً وهي اغلب أحوال السالكين من أهل مقام عين اليقين ثم شهوداً عيانياً ذاتياً وهي أعز أحوال الكمل من أهل مقام حق اليقين وهذا سبيل أرباب الطريقة المحمدية .
قال إمام الحرمين أبو طالب المكي ما نصه :
" ومبني الطريقة المحمدية علي استغراق باطن صاحبها وشهود ذاته صلي الله عليه وعلي آله وسلم وعمارة وظاهره بمتابعته قولاً وفعلاً وشغل لسانه بالصلاة عليه وعكوفه عليها في غالب أوقاته في خلواته و جلواته إلي أن تستولي علي قلبه محبته , ويخامر سره تعظيمه , وتقلقه أشواقه بحيث يهتز عند سماع ذكره , وتغلب علي قلبه مشاهدته , وتصير صورته بين عيني بصيرته , فيسبغ الله تعالي عليه نعمه ظاهرة وباطنة , فتكثر رؤياه إياه في غالب أحيانه في منامه أولاً , ثم في وقائعه , ثم في سنة غفلته , ثم في حالة يقظته , هي درجات لا تدرك إلا بالذوق لمن من الله بها عليه من خواص عباده فيسترشده إذ ذاك فيما يهمه من غالب أمره , واقفاً عند أمره ونهيه فلا تبقي لمخلوق عليه منة إلا للنبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم , ويسمي صاحب هذه الرتبة " محمدياً " لذلك وإن كانت الطرق كلها منه صلي الله عليه وعلي آله وسلم فقد قال بعضهم إنها لا يدخلها رياء وبعضهم إنها مقبولة مطلقاً فهي علي هذا من الغنائم الباردة المبذولة لسالكي طريق المجاهدة , وكان الشيخ أبو العباس أحمد بن عقبة الحضرمي يقول : إنها سلم ومعراج وينبغي للذاكر بها أن يكون ممتلئ القلب بمحبته صلي الله عليه وعلي آله وسلم متجمع السر عليه حتي تكون منزلته صلي الله عليه وعلي آله وسلم عنده منزلة المشايخ من قلوب الفقراء ألا تراهم إذا ذكر شيخ أحدهم يهتز ويطرب لما خامر فؤاده من تعظيمه وتخلل في مجاري روحه من خالص محبته .
فاجعل أنت نبيك صلي الله عليه وعلي آله و سلم في قلبك كذلك بحيث تملك محبته حبة قلبك وتصير صورته بين عيني بصيرتك دائماً .
وأنت بهذه الأوصاف فقد اسبغ الله تعالي عليك المنة , ولم يجعل لمخلوق عليك سوي نبيه منة , فينجلي قلبك ويصفي سرك , ويعتدل من انحراف إخلاص افمكان لبك , ويصير سواد بصيرتك عرشاً للتجليات ,البهية عليه , وبساطاً للخلافة المحمدية فيما بدا ويعود عليك , وينكشف لك كنزك المطلسم فتنفق منه علي قوابل المقبلين , تكون في ذلك كله علي ما يرضي به شيخك الأكرم سيد المرسلين , وتحشر إن شاء الله تحت لوائه إذا حشر الناس تحت رايات مشايخهم فتلحق بالسابقين الأولين .
وقد نال هذه الأسرار وجري علي طريقتها وسلكها ولاحت له شوارق هذه الأنور وأخذ بأزمة الخلافة المحمدية وملكها جماعة من سلاطين العلماء , وجهابذة من سلاطين الحكماء , منهم الشيخ نور الدين الشوني , والشيخ احمد زروق , والشيخ علي الخواص , والشيخ محمد المنزلاوى , وغيرهم فكانوا يشتغلون بالصلاة علي النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم حتي صاروا يأخذون عليه , ويسترشدونه , ويستضيئون بأنوار مشكاته في متابعة وسكونه وحركاته حيث تشرفوا برؤيته يقظة ومناماً وصار يربيهم بلا واسطة صلي الله عليه وعلي آله وسلم .
وقال : وممن أدركنه بحمد الله من أهل هذا المشهد شيخنا الإمام الأوحد أبو العباس أحمد التيجاني , فإنه أخبرني أنه قرأ القرآن علي النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم مناماً ويقظة , وكان له مزيد متابعة لسنته في جميع حركاته فيما نعلم , وقد شرفني برواية القرآن عنه بهذا السند بعد أن قرأته عليه من أوله وسمعت منه من سورة الرحمن , و أجازني بسنده وبغيره إجازة عامة رضي الله تعالي عنه .
هذا وقد ذهب جماعة إلي أن من منح هذه المنقبة الجسيمة والدرجة الرفيعة العظيمة محكوم له بحكم الصحبة بل عده بعضهم صحابياً حقيقياً منهم الشيخ محيي الدين بن العرب حسبما ذكره في الفتوحات المكية في الباب .
والمعتاد من مدة إقامة المختلي في خلوته أربعون يوماً وإن زيد عليها فلا بأس أن بقي النشاط وقوة العزم واستئناس الثبات علي ذلك والأمر في ذلك كله موكول إلي مرشده بحسب ما يري له في ذلك .
ويتأكد علي المختلي بل علي كل مريد الإخبار بكل ما يرد عليه حال اعتكافه إذ إخبار الشيخ بذلك هو قرع باب الإمداد وفتح مواهب الازدياد وإلا وقف في سيره وعكس خيره بشره فليحذر المريد الكتمان ما أمكن ومتي كان مخبراً بكل ما يرد عليه فالغالب استقامة سيره وانتفاء ضميره .
وليس للفتح أمد معروف بل قد يكون بعد تمام الأربعين , وقد يكون قبلها , وقد يكون في الثلاثة الأيام أو الخمسة أو السبعة أو أقل أو اكثر علي حسب علو همة المريد وتوجهه وصفاء مرآته وإخلاصه وليحذر المختلي أيضاً انتظار الفتح فإنه حجابه وبه يسد عليه بابه وسيأتي لهذين الشرطين مزيد بيان .
متممات الخلوة الداخلية
وأما متمماتها فهي آداب كثيرة فمنها – وهو آكدها – أنه إذا خرج من خلوته بعد استيفاء ميقاته يدرج نفسه بعده مثل تدريجه إياها قبل دخوله في طعامه وكلامه ومنامه واجتماعه بغيره ليكون دأباً له في سائر أزمانه وما بقي من عمره لئلا ينهمك بإرسالها في شهواتها من الأربعة السابقة وغيرها فتنتقض عراه وينهدم ما بناه , فليحترس من ذلك كله إلا ما لابد منه مما تحصل به الراحة ليعود لمثلها .
ومنها أن لا يظهر للناس إلا علي الوصف الذي كان عليه قبل الدخول حال الرياضة القالبية من التزام
التوريات ستراً لما هو عليه من صالح الطويات متربصاً حتي يذهب ما عليه من آثار الاعتكاف من الصفرة اللونية , والضعف الحاصل علي الحركات البدنية بحيث لا يطلع علي ما سلف منه لئلا ينجر إليه ما يفسده.
ومنها أن لا يبدي شيئاً من وارداته الواقعة له حال الخلوة أو بعدها لعير شيخة أو نائبه .
ومنها أن لا يرتاح لتلك الواردات منبسطاً لها متكاسلاً عن وظائفه المتقدمة اطمئناناً لها وأنه نال الوصال وبلغ الكمال فيحرم ازديادها إن لم يعاقب بفقدها بل الواجب عليه فيها القيام بشكرها وتشمير ساع الجد في ذلك " ففي الحكم " " إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه وارداً , ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة : إن الذي تطلب أمامك , ولا تبرجت بواهر المكونات بزينتها إلا ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر " فتلك للسالك مزلة أقدام إن لم يؤيد بعناية الملك العلام .
والحاصل أن المطلوب من المختلي بعد خروجه إبقاء الحالة التي كان عليها قبله من تحلية ظاهره بأنواع المجاهدات مع التزام وظائف نوافل الخيرات , وتعمير باطنه بأنواع المشاهدات , والسبح في لج أمواج التجليات بحيث تكون جميع جلواته خلوات , حاضراً مع الله بسره في جميع الأوقات ومع الخلق بظواهر الذات فيحظي بسلوك الطريقة المحمدية مظفراً بالسعادة الأبدية .
ومما يناسب ذلك ويخطر به سر تلك المسالك بل هو الأمر الجامع لكل سالك في كل ما يدين به العلي المالك ما هو من إملائه الزاهرة ونصائحه الباهرة ما نصه :