وقال رضي الله عنه : الجملة المعترضة التي في أثناء هذه الآيات ، وهي قوله تعالى : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) أي مقبلين على الله تعالى بجميعكم وبقلوبكم ، لا أنكم تقومون أشباحاً وقلوبكم مشغولة بغيره (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً) أي لا تغفلوا عن الله تعالى ، ولا تشتغلوا بغيره ، ولو في حالخوفكم (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) وهو ما علمكم بكتابه وبسنة رسوله لا غير . ثم رجع إلى حكم الزوجة المتوفى عنها بقوله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً) لحكمة في توسط جملة الصلاة أي لا تشتغلوا بغيرنا ولا تشغلوا أوقاتكم في الأحكام الدنيوية ، بل أدوا لها حقها الذي لابد منه ، ثم عودوا إلينا فتكون صفتكم كصفة ترتيب القرآن ، فإنا لم نستتم حكم المتوفي عنها حتى دعوناكم إلينا ثم عدنا لتمامه ، فانظر إلى الحكمة في الترتيب . لا إله إلا الله ما أبلغ كلامه ، وما أحكمه سبحانه وتعالى
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) وكذلك ما تحرك ولكن أتى بما سكن لأنه الأولى بالذكر ، لأنه بمعنى الذي سكن لله ، وهو الذي لا يتحرك إلى سبب من الأسباب ، بل هو ساكن لا يميل ولا يتحرك إلا لله ، فهو مثل قوله تعالى : (ألا لله الدين الخالص) فالساكن من بني أدم : هو الذي سماه النبي r : المسكين فقال : " اللهم أحيني مسكيناً وأمتنى مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" وهم القانتون الذين أمرهم بالقنوت الحق تبارك وتعالى حيث قال : (وقوموا لله قانتين) ساكنين لله ، وقال تعالى لمريم عليها السلام : (يا مريم اقنتي لربك واسجدي وراكعي مع الراكعين) فقال اقنتي اسكني فإنها كانت تقع عليها الطيور وهي قائمة لسكونها فيه حتى لا تتحرك ن فتظن الطيور أنها جماد ، فمن لم يدبر له أمراً بل أسقط التدبير فقد سكن إلى الله وصار لله
وهذا المقام هو الذي أوصى به لقمان ولده حيث قال : (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) أي مثقال حبة من رزقك لأن التدبير والاهتمام إنما يكونان في الغالب من الرزق ، فحرضه على ترك التدبير في الرزق بقوله : (إن تك مثقال حبة من خردل) أي من رزقك فتكن في صخرة والصخرة لا يتوصل إلى إخراج ما في جوفها بتدبير ولا بحيلة ، أو في السماوات كذلك فلا يعرج إليها بسلم ولا بغيره من الحيل ، أو في الأرض أي في جملة الأرض فكيف يمكن أن تلقى حبة خردل بعينها مخبوأة في جملة الأرض ، وأما باطنها فلا سبيل لك إليه ، وهي إذا كانت كذلك وقد قسمت من رزقك أتى بها الله ، فهل بقى لتدبيرك فائدة أو ثرمة ؟ إنما أنت تشغل نفسك في صلاتك بشئ لا فائدة فيه ابداً ، بل هو الخسران العظيم ، وهو أنك تضيع صلاتك بشئ لا منفعة فيه ولا فائدة ، ولذا قال الله تعالى على لسان الحكيم لقمان في وصيته لولده ، بعد تحريضه على إسقاط التدبير : (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف) والمعروف : هو الله سبحانه وتعالى فأمر به له ، وانه عن المنكر ، والمنكر : هو ما سوى الله تعالى . ألا كل شئ ما خلا الله باطل
وطالب غير الله في الكون كله كطالب ماء من سراب بقيعة
ثم قال : (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) وذلك لأن من كانت هذه صفته لابد أن يؤذي ، قال الله تعالى : (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) فهذه وصية لقمان لولده وهي مثل قوله تعالى : (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) وقوله تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) هذا حصر ، ثم قال تعالى : (ما أريد منهم من رزق) أي لأنفسهم ، وما أريد أن يطعمون بل الله يطعم ولا يطعم ، ثم قال تعالى : إن الله ، هذا تأكيد ، وأتى بالجلالة الحاوية لجميع الأسماء ، ثم أتى بالضمير المنفصل الذي هو للفصل للتأكيد ، ثم قال الرزاق فأتى بصيغة المبالغة ، ذو القوة أي ليست القوة إلا له ، المتين ، فهذا تحريض على إسقاط التدبير وأتى بهذه الصفات وهذه التأكيدات لتتوغل في ذهن السامع ، فيفر من تدبيره كفراره من الأسد ، ويعظم عليه فيتوب منه ، فهو مثل قوله تعالى خطابا لامرأتي رسول الله r حفصة وعائشة رضي الله عنهما : (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) وذلك ليكون تحذيراً وتهديداً لهما ، فلا يعودان إلى مثل ما جرى منهما ، وفي هذا إشارة إلى ما أقر الله سبحانه من قول العزيز ، حيث قال حاكياً عنه : (إن كيدكن عظيم)
ثم قال رضي الله عنه : فاستسلم لمولاك ، واعلم أن ما قد قسمه لك لابد يأتيك حتى لو أردت أن تمنعه عنك لما قدرت ، وأد ما أمرك سبحانه وتعالى به على الوجه الذي يرضيه ، ودع عنك جميع ما سواه ، واشتغل بمولاك ، فإنك إذا اشتغلت به كفاك ، وإياك أن تركن إلى سواه ، فكم وقع في شباك الردى من ركن إلى غير الله ، والحمد لله رب العالمين
وقال رضي الله عنه : سيدنا محمد r أخذ من كل شئ سنامه ، فمن ذلك أنه قال r : " لكل نبي حرفة وحرفتي الفقر والجهاد" فالجهاد أعظم الحرف وأغلاها ، ورأس المعالي وذروة الكمال ، ثم إنه خير r بين أن يكون نبياً ملكاً ، أو نبياً عبداً ، فاختار أن يكون نبياً عبداً ، وذلك أنه إذا كان نبياً عبداً في الظاهر فهو في الباطن نبي ملك ، لأنه ليس لشئ عليه سلطان سوى الله سبحانه وتعالى ، ومن كان ملكاً في الظاهر فهو في الباطن عبد ، ، لأن كل شئ يملكه يصير له عليه حق ، ولصاحب الحق مقال . كما قال r . ثم حين خيره جبريل بين شرب القدح الخمر ، والقدح اللبن ، فاختار اللبن ، فقال له جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة فالرسول r ما اختار من كل شئ إلا أحسنه ، وذلك بقدر ما أعطاه الله من العقل فسبحان المانح
وقال رضي الله عنه : يبشر الله عباده المؤمنين تارة بواسطة الرسول r ، كقوله r في أهل بدر : " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم " وهو لأهل بدر ومن شاء من أوليائه ، قال تعالى : (أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) وذلك أن العبد إذا قوي إيمانه حتى بلغ إلى محبة الله ، وإذا أحبه صار سمعه الذي يسمع به إلى آخر الحديث ، فقد صارت تصرفاته لله ، فيعمل ما شاء ، لأن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ولذا يقول الله تعالى لأهل الجنة في الجنة : " أنا أفعل ما شاء وأحكم ما أريد ، وأنتم الآن افعلوا ما شئتم " وأولياء الله هم في الدنيا مع الله كما يكونون في الآخرة ، وتارة يبشرهم الله بواسطة ملك كقوله : (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم) وتارة يبشرهم الله تعالى بلا واسطة كقوله تعالى : (يا عابد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون)
فمن أحبه الله سبحانه وتعالى صار سمعه الذي يسمع به ، فهو على هذه الحالات والبشارات من الدنيا لأنه قد انمحت ظلمة بشريته بنور الله تعالى ، وانمحقت ذاته تحت ذات الله فلا يبصر إلا بالله ، ولا يسمع إلا بالله ، ولا يمشي إلا بالله ولا يبطش إلا بالله ، وبين مقام الربوبية والعبودية برزخ كبرزخ البحرين قال الله : (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) وهذا كله فضل من الله تعالى ، فإن الله قادر على كل شئ ، وعطاؤه لا يقاس بمقياس ، ولا يدخل تحت ضبط ، فإن الملك لم يصر ملكاً إلا بفضل الله وكرمه ، أرأيته هل جعل نفسه ملكاً ؟ ولو عبد الله من قبل كل شئ إلى بعد كل شئ لما نال مقام الملائكة
كذلك النبي لم ينل مقام النبوة إلا فضلاً من الله وكرماً ، فإن النبي والملك قبل وجودهما لم يختارا هذين المقامين ، وبعد وجودهما لو لم يخلقهما كذلك ويؤهلهما لذلك لما خطر على قلبهما أن يصير أحدهما ملكا والآخر نبياً ، بل فضل الله – سبحانه وتعالى – واسع لا ينحصر ولا ينضبط ، كذلك أولياء الله يمنحهم مالا يخطر على قلوبهم ، ولا يسلك في مجال عقولهم ، ولا يتصور الشئ الذي صاروا إليه إلا بعد حصوله ، فإن أحمد ابن هارون المكني بالسبتي ، رآه بعض الصالحين في المطاف وإذا هو يمشي بين الرجلين ولا يفرقهما فرصده حتى أمسكه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا أحمد السبتي ، فقال له : من كان قطب وقتك ؟ قال له : أنا ، قال : كذا أخبرت ، قال : صدق من أخبرك . وبعضهم ربما جاء بروحه ملك وهو في صورته فيحضر في موقف بينه وبينه سنة أو أكثر ، ولا يعرف أنه ملك إلا إذا مشى في الشمس أو في القمر ، فليس له ظل ، وعلى الجملة فإن للقوم عجائب وخرق عادات لا تضبطها الأقلام ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ولا يسع العبد إلا الإيمان لأن من لم يصدق فقد دخل بسعة فضل الله وخيره وقدره ، وفي الحديث عن الرسول r : " من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدق بها لم ينلها"
وسئل :
رضي الله عنه عن : علم الكلام ؟
فأجاب :
فقال : هؤلاء قوم آمنوا بالله على ما فهموا ، وأهل الله قوم آمنوا بالله كما يعلمه لنفسه ، وفرقان بين الفريقين فإن من آمن بالله كما يعلمه الله لنفسه يجعل عقله وراء إيمانه ، فيؤمن سواء قبله عقله أو لم يقبله ، فمن آمن هذا الإيمان عرفه الله ما لم يعرفه بنقل ولا بعقل ، وأما من لم يؤمن إلا بما فهمه هذا وقوف عند الحروف ، وبسببه وضعوا علم الكلام الذي لم يرشد إليه كتاب ولا سنة ، ولم يسلكه صحابي ، فألفوا تأليفات ، وحصروا الصفات ، تعالى علواً كبيراً . وهذا هو الذي نزه الله تعالى نفسه عنه بقوله : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) لأنهم وصفوا الله بما لم يصف به نفسه ، فهذه من أعظم المهالك ، وأخطر المعاطب ، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، ويظنون أنه علم ، وإن العلماء به داخلون في أن " العلماء ورثة الأنبياء " فهم أعظم خطرا من الذين يفعلون المعاصي ، عارفين ومقرين بأنها معاص . رأى بعض الصالحين رسول الله r ، فسأله عن ابن سينا ، وعن الفخر الرازي ، فقال له : أما ابن سينا فأراد أن يأتينا من غير بابنا فرددناه ، وأما الفخر الرازي فإنه رجل معاتب مع أن الفخر الرازي رجع عن هذا المسلك وتاب منه بقوله :
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من علمنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وفي بعض الأيام كان جالسا بين أصحابه فبكى طويلاً ، فسألوه عن بكائه ، فقال : دليل كنت أعتقده في الله تبارك وتعالى منذ زمان ، فظهر لي بطلانه مثل الشمس ، وما يدريني لعلي في جميع اعتقاداتي كلها هكذا ، فإذا آمن الإنسان بالله تعالى إيمانا صادقا عرفه ، وإذا عرفه خافه وخشيه ، قال تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ألا ترى إلى الصحابة – رضي الله عنهم – لما آمنوا بالله تعالى إيمانا صادقاً ، وآمنوا برسوله r لم يتكلوا على عقولهم في شئ ، بل آمنوا بما جاء به رسول الله r قبلته عقولهم ولم تقبله ، فإن القبلة كانت في صدر الإسلام إلى بيت المقدس بقوله r لهم وفعلوه ، ثم لما تحولت تحول r وتحولوا معه ، ولم يستنكروا ولم يشكو مع أنه قد ثبت عندهم أن بيت المقدس قبلة الانبياء من قبل ، وإن رضا الله تعالى في استقباله وعدم رضاه في استقبال الكعبة ، فانعكس الأمر ، وصار رضاه تعالى في استقبال بيت المقدس ، فآمنوا وصدقوا ولم يبق للعقول مجال ولا رأي ، فسعدوا السعادة الأبدية ، وتبينت لهم من بعد حين : نتائج السعادة ومصلحة استقبالهم الكعبة ، فعلى الجملة : إن من آمن بالله وصفاته وأفعاله ، وكلامه وقدرته كما يعلمها لنفسه جملة وتفصيلاً إنما علمه الله ، ولم يتوصل إلى معرفته بعقله ولا بفهمه ، قال الله تعالى : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وأي جهاد أعظم من درء الشكوك التي ليست إلا من الشيطان ، وقال الله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) وأي تقوى أعظم وأحسن من إيمان العبد بربه ؟ كما يريده ويرتضيه ويعلمه لنفسه ، اللهم اجعلنا من الذين جاهدوا فيك ، فهديتهم سبيلك يا أرحم الراحمين
وقال رضي الله عنه : الحازم اللبيب من إذا ظفره الله بشيخ يعرفه بالله تعالى عض عليه بالنواجذ فإن أهل الله قليلون ، ولا يظفر بأحدهم إلا من وفقه الله واعتنى به ، ثم اقتدى به وصدقه في جميع أفعاله وأقواله ، ولو لم يقبله عقله في ظاهر الأمر ، فإن للقوم ابتلاء ، ألا ترى إلى قصة الخضر مع موسى عليهما السلام ، فإن فيها عبرة لمن اعتبر ، فإن موسى عليه الصلاة والسلام ، لو صبر على الخضر عليه السلام لرأى عجباً ، ولكنه رأى ذلك مخالفاً في الظاهر لشريعته فلم يصبر ، وفي ذلك حكمة من الله تعالى ، وتكريم لنبيه موسى عليه الصلاة والسلام ليذوق مرارة تعليم المخلوق له ، فيعرف قدر حلاوة تعليم الخالق له ، ثم الخضر عليه السلام صدق الله قوله : (إنك لن تستطيع معي صبرا) وموسى عليه الصلاة والسلام صدق الله قوله : (ولا أعصي لك أمرا) لأنه لم يأمره بأمر حتى يعصيه فيه ، وإنما نهاه بقوله : (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ)
ومن هنا تبين أنه ليس من ائتمر فقد انتهى ، ولا من انتهى فقد ائتمر ، بل مصادر النهي غير مصادر الأمر ، فلما لم يصبر عليه الصلاة والسلام فإنه العلم الذي جاء لتعلمه من الخضر ، مع أنه قد جرت له عليه الصلاة والسلام أمور كالأمور التي أنكرها على الخضر ، فإنه في قوله في السفينة (أخرقتها لتغرق أهلها) قد جرى له ما هو أعظم من ذلك ، وهو اتخاذ الحوت في البحر سربا حتى وصل إلى قعره ، فالذي قدر على إمساك ذلك قادر على إمساك الماء عن دخول السفينة ، ثم إمساك البحر له لما ضربه بعصاه ، فعبره هو وبنو إسرائيل ، وكان فرق كالطود العظيم ، ثم قتل النفس قد سبق منه قتل القبطي ، ثم عدم اتخاذ الأجر على الجدار قد استقى لابنتي شعيب ، ولم يطلب منهما أجره ، مع أنه كان في شدة الجوع ، فإن قوله : (إني لما أنزلت إلى من خير فقير) لم يرد به إلا سد رمقه من الجوع ، وهنا استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ، لكن طلبهما للطعام ليس بسؤال ، وإنما هو طلب حق ، فإن الضيافة واجبة فما استطعماهم إلا ليحطوا عنهم الواجب الذي عليهم ، فالمصلحة عائدة عليهم ، لا أنهما يسألانهم مسألة افتقار إليهم ، استغفر الله العظيم ، فإذا علمت بعائدة نفع الامتثال للشيخ في أوامره ونواهيه ، فما أرى لك إلا أن تكون بين يديه كما قال عبد الكريم الجيلي رحمه الله :
وكن عنده كالميت عند مغسل يقلبه ما شاء وهو مطاوع
ولا تعترض فيما جهلت من أمره عليه فإن الاعتراض تنازع
وسلم له فيما تراه ولو يكن على غير مشروع فثم مخادع
وفي قصة الخضر الكريم كفاية بقتل غلام والكليم يدافع
فلما أبان الصبح عن ليل سره وسر حسام للمحاجج قاطع
أقام له العذر الكليم وإنه كذلك علم القوم فيه بدائع
وسئل :
رضي الله عنه : عن الاستثناء في قوله تعالى : (خالدين فيها إلا ما شاء ربك) في حق أهل النار وأهل الجنة ؟
فأجاب
فقال : معناه الاستثناء في حق أهل الجنة للذين يدخلون النار بذنوبهم ، ثم يخرجون منها ، فيكون مستثنى من الذين سعدوا وتكون ما بمعنى من شاء ربك ، وأما السماوات والأرض فهي غير ، فقد بدلت (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) ويذلك على أن هذا المراد بالاستثناء قوله آخر الآية (عطاء غير مجذوذ) ويكون الاستثناء في حق أهل النار يعود – ايضا – على هؤلاء الذين أدخلوها بذنوبهم ، ثم أخرجوا منها برحمة الله تعالى على تفاوت مراتبهم ، وعلى هذا فالاستثناء من الخالدين ، ومع ذلك فهو متناول للخلود فأطلق عليهم لفظ الشقاء باعتبار أول الأمر ، وأطلق عليهم لفظ السعادة باعتبار آخر الأمر ، والاستثناء من مدة خلودهم في الجنة عائد إلى القبلية ، والاستثناء من مدة خلودهم في النار عائد إلى البعدية
وقال رضي الله عنه : في الدعاء وقد تقدم الكلام عليه : إن الدعاء إنما هو تشريف وتكريم لباب المناجاة والكرم ، وإلا فهو سبحانه وتعالى أعطاك يا ابن آدم كل ما أنت مفتقر إليه بسؤال حالاً لا مقالاً ، بأن جعل لك جميع ما في السماوات والأرض ، وخلق فيك ما تنتفع به من الأعضاء والجوارح ، ثم هو – أيضاً – يعلم حاجتك التي تسأله قبل أن يخلقك ، وقبل أن يخلق السماوات والأرض ، والنكتة في أمره بالدعاء : إظهار سر كرمه تعالى ، وأنه يجازي على كل شئ من جنسه جزاء وفاقاً ، وذلك أنه أمرنا سبحانه وتعالى باجتناب ما نهانا عنه ، والائتمار بما أمرنا به ، وجازانا على ذلك بأن ائتمر لأوامرنا ، وانتهى عن نواهينا ، فإنك تقول في الدعاء : اللهم اغفر لي ، فيأتمر لك بأن يغفر لك ، وتقول : اللهم لا تخزني ، فينتهي عن نهيك بأن لا يخزيك ، ولذا قال تعالى شأنه : (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) أي فليستجيبوا لي بالائتمار بما أمرتهم به ، والانتهاء عما نهيتهم عنه ، فإذا كانوا كذلك فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ، فأتمر لأمره ، وأنتهي عن نهيه ، سبحانه وتعالى ما أكرمه ، ومع هذا فإن المصلحة في ائتمار العبد لما أمر به ، وانتهائه عما نهى عنه عائدة عليه ، واستجابة دعائه عائدة عليه ، والله سبحانه وتعالى غني عنه في الجميع ، فانظر إلى هذا الكرم . سبحان الكريم لا إله إلا هو
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى – حاكياً عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام : (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) يريد – هنا – معرفة الكيفية ، قال : أو لم تؤمن أي أو لم تتخلق باسمي المؤمن ؟ (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي أنا معتقد اعتقادا صحيحاً ، أي متخلق باسمك المؤمن ، لكني أريد أن أنظره عياناً (قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) أي على جميع جبال الدنيا من قاف إلى قاف ، فكم كل جزء من أجزاء هذه الأربعة الطيور بعدد جبال الدنيا قد لا يكون كالخردلة ، فقال له قائل : ومن وضع تلك الأجزاء على جميع جبال الدنيا ؟ فقال : هو في لحظة . فالذي أقدر آصف بن برخيا أن يأتي بعرش بلقيس الذي وصفه الله – على لسان الهدهد – بالعظم . قيل : كان يجلس عليه اثنا عشر ألفً في أقل من ارتداد الطرف ، هذا القدر الذي لا يتصور أقل منه ، فإن الطرف مفتوح ، فكم مقدار ارتداده ؟ ثم هو أقل منه ، فهذا القدر لا يتسع للكاف من كن ، والحال أنه ولى من أولياء أمة سليمان عليه الصلاة والسلام ، ثم هو كان بالشام وبلقيس باليمن فكيف الولي من خير أمة أخرجت للناس ؟ فمن هذه قدرته قادر أن يجمع جميع جبال الدنيا بين يدي إبراهيم قبل ارتداد الطرف ، فيضع في كل جبل جزءا كما يضع الإنسان التمر في الطبق ، ثم يفرقها عنه في ذلك المقدار ، قال تعالى : (ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) أي أنه سبحانه وتعالى عزيز أن يتجلى بكنه جلاله وكبريائه ، فإنه تجلى باسم القادر لإبراهيم في القصة بقدر لا يعلمه إلا الله تعالى .
وأما تجليه سبحانه وتعالى للجبل حين (جعله دكاً وخر موسى صعقاً) فقد قدره رسول الله r بمقدار ثلث الخنصر ، ثم قوله : (حكيم) أي سبحانه وتعالى لا ينظر لعبده إلا الصلاح ؛ فإنه سبحانه وتعالى قال لموسى حين كلمه وأقوى من ذلك ، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تكن شيئا ، هذا معنى قوله تعالى : (حكيم) في قصة إبراهيم أي أنه ما تجلى له باسمه القادر إلا بمقدار يمكنه الطاقة له ، سبحانه وتعالى ما أعظم شأنه
ثم قال رضي الله عنه : وأعظم من هذا كله : أن رسول الله r أسرى به أولاً من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر ، ثم إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة ، لأن غلظ كل سماء خمسمائة عام ، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام ، ثم من فوق السماوات السبع مالاً يعلمه إلا الله من الهواء الذي جميع الجنان في طيه ، ومسافة الكرسي ، ثم مسافة السماوات سبعة آلاف سنة بطيران الملك الذي (يعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف نسمة) ثم رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى موسى في السماء السادسة ، وصعوده خمس مرات ، وهذا كله في ليلة ، وما أصبح إلا بمكة ، سبحان القادر المقتدر لا إله إلا هو
وقال رضي الله عنى : قال عزير عليه الصلاة والسلام حين مر بقرية خاوية على عروشها : (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) هو – هنا – ما طلب إلا الكيفية ، كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : (رب أرني كيف تحيى الموتى) إلا أنه نبي ، والمؤمن من سائر الناس ، يعلم علماً يقيناً أن الله قادر على إحيائها فرضاً ، أما نبي الله فما طلب إلا الكيفية ، لكن فيها شم من استبعاد بلفظة (أني) فأراه الله إلا حياء في نفسه ، بأن أماته مائة عام ثم بعثه ، وفي هذه المدة جميعها فاته الترقي ، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام أراه إلا حياء في غيره ، لأنه ما طلب إلا الكيفية من غير شمة من الاستبعاد ثم قال سبحانه وتعالى : (كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام) ثم لبس سبحانه وتعالى عليه بأن جعل قرينة طعامه كأن لم يلبث إلا (يوماً او بعض يوم) وقرينة حماره أنه لبث مائة عام ، لأنه رأى عظامه تلوح مفرقة ، ثم أحياه الله وهو ينظر ، فقال : (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير)
وقال رضي الله عنه : قال تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام : (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا) الآية فقال : بإذني لأن كل نبي وكل ولي لا يفعل شيئاً إلا بإذن الله تعالى ؛ لأنه لا يتصور أن نبياً أو لياً كاملاً يفعل شيئاً من ذات نفسه وإن أقدره الله عليه ، لأنه إن فعل شيئاً بغير إذن بقي لهواء فيه مدخل ، وربما تقبل العبادة إذا كان فيها شائبة هوى في الغالب ، ولا تكون العبادة إلى عكس الهوى النفساني ، لكن قد تتفق نادراً
وقال رضي الله عنه : يستفيد التلميذ من شيخه بقدر تصديقه له ومحبته له ، وبره به ، قال الشاعر :
أقدم أستاذي على بر والدي وإن كان لي من والدي البر واللطف
فهذا مربي الروح والروح جوهر وهذا مربى الجسم وهو لها صدف
لأن التصديق كالغناء فإن كان الإناء متسعاً أخذ بقدره ، وإن كان ضيقاً أخذ بقدره ، كذلك التصديق والمحبة يأخذ التلميذ بقدر كبرهما وصغرهما ، ففي الحديث : أن النبي r قال : " بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها ، فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، إنما خلقنا للحرث ، فقال الناس : سبحان الله ! بقرة تتكلم ؟ فقال رسول الله r : فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر " وهما غائبان ، وإنما أخبر عنهما r لعلمه بمبلغ تصديقهما إلى النهاية ، وهذا ثمرة قوة التصديق ، فإذا عرفت فأعلم أن لا محال على الله
وللقوم حالات مختلفة ، وطريق كل واحد منهم غير طريقة الآخر ، وطرقهم إلى الله بعدد أنفاس الخلق ، فإياك أن تشك فيما صدر منهم ، بل اغتنم تغنم ، أو سلم تسلم ، أتراهم يتورعون ويزهدون عن الدنيا التي فتنت أهلها ؟ فمنهم من يتنحى عن الملك ويغترب عن أهله ووطنه ، ومنهم من يطلق دمعه ويطلق لذة وسنة ، ومنهم من يسيح في الأرض غرباً وشرقاً ، ويقنع من العيش بم به تقوم روحه عن التلاف توقاً ، ثم يكذبون على الله ، كلا والله ، لا يقول ذلك من يؤمن بالله ، بل والله لقد شمروا للسباق في حلبة المعالي فأحرزوا قصباته ، فكم جلى منهم مصل ، وقطع أعناق العلائق بصوارم عزماته ، وكم ماجد رضع طفل فؤاده من ثدي الحقيقة ألبان الأسرار ، وكشفت له عن وجوه المعارف براقع الأستار ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، ليس سوى الله تعالى في جميع الحالات أنيسهم .
ثم ذكر رضي الله عنه قصصا تكشف عن اختلاف أحوالهم : فمن جملتها أن واحداً منهم كان يلبس الملابس الفائقة من الثياب ، فقال له بعض الناس : يا سيدي ، ما هذه الثياب التي تلبس أنت أحق بأن تزهد فيها ؟ فقال : خذ هذا الثوب ثم بعه وائتني بثمنه ، فأخرجه السوق فاشتراه منه رجل ، ثم لما اشتراه قال : ما أحق هذا الثوب بسيدي فلان يعني : ذلك الولي صاحب الثوب ، فعسى به إليه وأهداه له فلبسه ، ثم لما وصل ذلك الرجل الذي باع الثوب رأى ذلك الثوب الذي باعه على ذلك الولي ، فبقى ينظر إلى الثوب نظرة ، وإلى ثمنه الذي في يده أخرى ، فقال له : أبعت الثوب ؟ فبقي ينظر إلى الثوب نظرة ، وإلى ثمنه الذي في يده أخرى ، فقال له : أبعت الثوب ؟ قال : نعم يا سيدي ، إنما أنا أنظره هذا الذي عليك قال : نعم ، إذاً تعرف أني لم البس غير ما ألبسني الله تعالى .ثم أخر : كان لا يمشي إلا راكباً على الخيل ، فجاءه يوماً رجل وقال له : يا سيدي ، إنما أنا أنظره هذا الذي عليك قال : نعم ، إذا تعرف أني لم ألبس غير ما البسني الله تعالى . ثم آخر : كان لا يمشي إلا راكباً على الخيل ، فجاءه يوما رجل وقال له : يا سيدي ، أريد أن أمشي أنا وأنت لزيارة الإمام الشافعي – وهما حينئذ بمصر – قال : بسم الله نمشي ، فقال له : لكن أريد أن نمشي مترجلين على هيئة التواضع ، لأي شئ لا تمشي في كل حالة إلا على ظهور الخيل ؟ فقال : كذلك . ثم مشياً فلما شرعا في السير رآه رجل راكب على فرس فترجل ، ثم قال له : يا سيدي ، تمشي راجلاً والله لا كان ذلك أبداً ، وتطلق زوجتي ثلاثاً إن لم تركب على فرسي ، فالتفت إلى ذلك الرجل ثم قال له : عرفت أي لم أكن أركب لهوى نفساني وإنما ذلك من الله سبحانه وتعالى ، ثم ركباً . فمن كان منهم بهذه الصفة لم يكن ملتفتاً إلى النعم ، بل وجودها – عنده – وعدمها على حد سواء ، بل هو مشغول عنها بالمنعم ، وإذا أعطى شيئاً نزراً قبله وشكره ، وهو عنده كالكثير الوافر ، وعنده أن المعطي هو الله سبحانه وتعالى ، فيعظم العطية لأجل معطيها ، وعلى الجملة فأحوال القوم لا تحصى ولا تعد . اللهم اجعلنا – يا أرحم الراحمين – من أوليائك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، واجعلنا من حزبك فإن حزبك هو الغالبون . آمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
وسئل :
رضي الله عنه : عن الحديث وهو قول رسول الله r : " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " ؟
فأجاب :
أن ذلك النهي من النبي r لئلا يصل الناس الواجب الذي هو شهر رمضان بالتطوع فيجب عليهم ، إذ في حياته r لم يزل الوحي ينزل ، فذلك مثل قوله r لما لم يخرج في الليلة الثالثة ، بعد أن خرج ليلتين في رمضان ، فاقتدى الناس بصلاته / " خشيت أن تفترض عليكم " ومن بعد موته r ، سن عمر رضي الله عنه صلاة التراويح ، لأنه قد زالت العلة بموت رسول الله r ، فكذلك الصوم بعد النصف من شعبان ، ويدل على أن هذه هي علة النهي : نهيه r عن صوم يوم الشك إلا لمن يسرد صومه ، أي إما أن يكون صائم الدهر أو يصوم يوماً ويفطر يوماً ، فيصادف يوم الشك يوم الصوم ، أو بأن يكون سارداً صومه من أول شهر رجب . وللنهي علة أخرى : وهي أنه نهى r عن صوم بعد النصف من شعبان ، خشية أن تسلك أمته ما سلك النصارى ، فإنه افترض عليهم الصيام شهراً ، قال الله تعالى : (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات) فمرض ملكهم ، فنذر إذا شفاه الله أن يزيد على الشهر الذي افترض عليهم صومه عشرة أيام ، فكانت اربعين يوماً ن ثم مرض ملك ثان ، فنذر زيادة ثمانية أيام ، فصارت ثمانية وأربعين ، ثم زادوها اثنين فصار صيامهم خمسين يوماً ، وجعلوه في أيام معتدلة ، لا في أيام الحر ولا في أيام البرد ، فأوجبوا على نفوسهم من عندهم لا بأمر من الله ولا من رسوله ، فصار الأمر الآن في هذا السؤال أن لا بأس بالصوم بعد النصف من شعبان ، إذ قد انتفت هاتان العلتان إلا يوم الشك ، إلا أن يكون سارداً . ومن العلماء من تحرى فمنع صوم اليوم السادس عشر منهم : محيى الدين بن العربي وهو صواب لئلا يصير الحديث منسوخاً محضا
وسئل :
رضي الله عنه : كيف يعمل من لحق الإمام في الركعتين الأخيرتين من الصلوات الجهرية ، وكان اللاحق اثنين هل يقتدي أحدهما بالآخر ، حين يقومان لتمام صلاتهما أو لا ، وهل يقرأ اللاحق في هاتين الركعتين جهراً لكونه لم يسمع جهر الإمام أو يسر ؟
فأجاب :
أن لا فائدة في اقتداء أحدهما بالآخر ، لأن اللاحق قد أدرك فضل الجماعة ولو لحق في ركوع الركعة الأخيرة ، وقول رسول الله r : " صلاة الرجل مع الرجل خير من صلاته وحده " لا يكون دليلاً لاقتداء أحدهما بالآخر ، لأنه قد صلى كل واحد منهما مع جماعة ، وأما الجهر فيجهر في هاتين الركعتين اللتين يأتي بهما بعد تسليم الإمام ؛ لأن الركعتين اللتين فاتتا عليه جهريتان لقوله r : " وما فاتكم فاقضوا " وحقيقة القضاء أن يؤدي الذي فات بجميع صفاته ، وأما قوله r في حديث آخر : " وما فاتكم فأتموه " فالمراد به أتموا عددها ، لأنها لم تكمل أربعاً ، وأما إذا لحق المؤتم الإمام في آخر ركعة من الجهرية فإنه يقوم بعد تسليم الإمام فيأتي بركعة يجهر فيها وهي ثانية له ، ثم يجلس للتشهد الأوسط ، ثم يقوم ويجهر في الثالثة ليستكمل ما فاته من الجهر
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) الحسنى : هي الجنة ، قال تعالى : (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) أي بالجنة فعمل لها عمل تصديق بها (فسنيسره لليسرى) وقوله تعالى : (وزيادة) الزيادة هي تجلي الحق تعالى كيف يشاء ، وتقديم الحسنى على الزيادة لكونها محلاً لها ، وأما تفسيرها عند أهل الباطن فالمراد بالحسنى ، أسماء الله الحسنى وقوله : (وزيادة) أي زيادة عليها لأن لله أسماء لا تحصى غير الأسماء الحسنى ، وهذا التفسير على لغتهم التي هي نتيجة قصدهم ، لأنهم لم يقصدوا بعبادتهم سوى الله تعالى ، فيكون جزاؤهم على حسب مرادهم جزاء وفاقاً ، فهو تعالى يتجلى لهم بالأسماء الحسنى لأن لكل اسم تجلياً غير تجلي الاسم الآخر ، ويتجلى – لهم أيضا – بأسماء غير الأسماء الحسنى وهي الزيادة
وقال رضي الله عنه : جميع أفعال بني آدم هي أفعال الله تعالى (والله خلقكم وما تعملون) لأنه سبحانه خلق آدم وأهله ، وأقدره على جميع ما يفعله ، وهو خالق لفعله وصناعته ، قال تعالى : (فتبارك الله أحسن الخالقين) ألا ترى إلى من اسقمه المرض حتى بلغ به على حالة لا يمكنه معها القيام ، ولا تحريك يد ولا رجل ، فالله سبحانه أذهب منه القوى بسبب ذلك المرض ، فلا يمكنه فعل شئ ، وإذا اراد سبحانه أن يقدره أزال عنه ذلك المرض ، فتراه يفعل جميع أفعاله ، فالفاعل هو الله تعالى ، وجميع بني آدم كلمة الله ، فليس ذلك مختصاً بعيسى وآدم عليهما الصلاة والسلام ، لقوله تعالى : (إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) وقوله في آية أخرى : (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) بل كل بني آدم كذلك ، وكل شئ كلمة الله تعالى ، قال الله تعالى : (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) فإذا عرفت هذا عرفت أن كل أعمال الإنسان وغيره ، الخالق لها هو الله تعالى ، إذ هو أقدر على كل شئ وأهله لما خلق له ، ولكن الوقوف عند القدر والإمساك عنه واجب . قال رسول الله r : " إذ ذكر القدر فأمسكوا ، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا " ولا يمكن التعبير بحقيقة القدر فهو ثابت منفي في حالة واحدة ، لأنك إذا نفيته نسبت إلى الله تعالى العجز ، وإذا أثبته نسبت إليه الظلم ، فما بقي إلا الإمساك ومن اتقى الله كان حقاً عليه تعالى أن يعلمه حقيقته . قال تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) والقدر : من العلم الذي لا يمكن أن يعلم إلا من لدنه تبارك وتعالى . فالإيمان به على الجملة ، ثم الاحتجاج به باطل