رضي الله عنه : كيفية في الصلاة على النبي r : يا كامل الذات ، يا جميل الصفات ، يا منتهى الغايات ، يا نور الحق ، يا سراج العوالم ، يا محمد ، يا أحمد ، يا أبا القاسم ، جل كمالك أن يعبر عنه لسان ، وعز جمالك أن يكون مدركاً لإنسان وتعاظم جلالك أن يخطر في جنان ، صلى الله سبحانه وتعالى عليك وسلم ، يا رسول الله ، يا مجلى الكلمات الإلهية الأعظم

وله رضي الله عنه : كيفية في الدعاء : الله عدتي في كل شدة ورخاء ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، على الله توكلنا

وقال رضي الله عنه : قوله تعالى : (الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) قد تقدم الكلام في أثناء هذه الكراريس على هذه السورة لكن نتكلم – هنا – على قوله يراؤن فالرياء – هنا – على قسمين : أحدهما : الرياء بالعمل لأجل غير الله ، وهذا نوع من الشرك ، الثاني : أن ترى لنفسك أن قد عملت عملاً بصلواتك هذه يقربك إلى الله ، وأنت لم تحضر فيها بقلبك مع الله تعالى ، بل أنت في واد وقلبك في واد فهو لا شئ ، قال الله تعالى : (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)

وسئل :

رضي الله عنه : عن الوتر إذا نام عنه الإنسان أو نسيه حتى طلع الفجر هل يصليه حين يذكره كالفريضة عملاً بقوله r ما معناه : من فاته حزبه من الليل فقضاه من بعد طلوع الشمس إلى الظهر كتب له وكأنه فعله من الليل ؟

فأجاب :

بأنه يصليه حين يذكره كالفرائض ، لأنه قد ورد في الحديث : أنه واجب قال r : " أوتروا يا أهل والقرآن فمن لم يوتر فليس منا" فهذا أمر ولا يعارضه حديث أفلح إن صدق ، لأن نزول الأحكام باق إلى أن مات r ، وكم من حكم ثبت في آخر الإسلام وليس بثابت في أوله وبالعكس

وسئل :

رضي الله عنه : عن ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة ولم تصل هل تصلي بعد الفريضة أم تؤخر حتى طلوع الشمس ؟

فأجاب :

أنها تصلى بعد الفريضة ، لأن النبي r حين رأي الرجل يصليها بعد الفريضة قال له : " الفجر أربع "؟ أو معنى هذا قال : لا يا رسول الله ، إنما أقيمت الصلاة ولم أصل ركعتي الفجر فأقره r ولم ينهه

وسئل :

رضي الله عنه : عن قول النبي r : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ؟

فأجاب :

أن معناه : إذا أقيمت الصلاة فلا يدخل الإنسان في صلاة غيرها ، فأما إذا كان فيها فيتمها إلا أن يخشى فوت جزء من الفريضة فإنه يخرج منها بتسليمه ولا تبطل ، بل قد تمت صلاة وذلك مراد الله منه ، أما قوله r : " إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر " فإنه يتمها إذا كان داخلا فيها إلا أن يخشى فوت جزء من الفريضة فقد دخل في حكم المسألة التي قبل هذه

وقال رضي الله عنه : كل إنسان نفسه طول عمره تطلب شيئاً ، ولا يعرف ما هو ذلك الشئ ، فإذا كان همه الدنيا فلا يزال يطلبها ، ويظن أن مقصوده وطلب نفسه لشئ منها فإذا ناله لم تقنع به ، بل طلبها ذلك باق فيظن أنها تطلب منها شيئاً آخر ، فإذا نالته لم تقنع ثم كذلك إلى مالا نهاية له ، ومن كان همه الرياسة فكذلك لا تطمئن نفسه إلى شئ ولا تقنع به ، وهذا الطلب الحاصل منها هو طلبها الله تعالى ، ولكنها جهلت مقصودها بالفطرة وهي ما خلقت إلا لذلك ، فلما حصلت غير ما خلقت له لم تطمئن إليه ، لأن وضع الشئ في غير محله ظلم ، والظلم باطل ، والباطل زهوق ، قال تعالى : (إن الباطل كان زهوقاً)

ومن حكاياته الغريبة رضي الله عنه : أن رجلاً أقبض رجلاً فلوساً في لحم فلم يرض بمراده من اللحم ، فحلف بطلاق امرأته ثلاثاً لا يترك الجزار حتى يرد له فلوسه بعينها ، فقال الجزار : إني قد خلطتها بفلوسي هذه ، ولم تتميز فلوسك من بينها ، فتخاصما وترافعا إلى الحاكم فلم ير كل حاكم في ذلك إلا وقوع الطلاق ، لأن تميز فلوس الرجل بعينها من بين فلوس كثيرة متعذر فسمع رجل جاهل فجاء إليها فقال : عدوا جميع الفلوس فلما عدوها أمر الجزار أن يعطي الرجل جميع الفلوس التي فلوس الرجل بينه ثم قال للرجل : أعط الجزار مثل فلوسه هذه من غيرها وحلف رجل – أيضاً – بطلاق امرأته ثلاثاً إن حصل له الغرض أن يعبد الله عبادة لا يشاركه فيها أحد من الناس في وقت استعماله لها ، فكل قاض أفتاه بوقوع الطلاق لأنه من المحال أن يعبد الله بعاده لا يشاركه أحد فيها ، فسمع بذلك رجل صالح فأفتاه بأن يراقب الخلوة في المطاف ويطوف وحده ، فإنها عبادة لا يشاركه فيها أحد من الناس وقت خلو المطاف له

وقال رضي الله عنه : وسئل الإمام ابن دقيق العيد – رحمه الله - : ما معنى قول النبي r : " ولا تفضلوني على يونس بن متى " مع أنه قال r : " أنا سيد ولد آدم " فقال للجماعة الذين سألوه : لا أخبركم حتى تقضوا دين صاحبي هذا ، وكان له صاحب مدين فقضوه عنه ، فقال : المراد من ذلك أن قربي من الله تعالى حين ارتفاعي إلى شجرة المنتهى ، بل إلى العرش ، كقرب يونس حين كان في ظلمات ثلاث ، لا تفاضل بيننا في ذلك وهذا كما في بعض الأحاديث : أن ملكاً جاء من فوق السماوات السبع ، وملكاً جاء من تحت الأرضين السبع ، وملكاً من أقصى المغرب ، وملكاً من أقصى المشرق ، وكلهم يقول جئت من عند الله تعالى

وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة ، وما فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل فيها الناس إلا فتح الله عليه باباً من أبواب الفقر ، وما صبر عبد على مظلمة ظلمها إلا زاده الله بها عزا ، والرابعة : لو شئت أقسمت عليها ما ستر الله عبداً في الدنيا إلا ستره في الآخرة " فينبغي للعبد إذا وقع في ذنب أن يستره ويكتمه ، ويحدث فيه توبة بينه وبين الله تعالى ، وما أجهل من ستره الله فيتحدث به كالمفتخر ، وذلك كسب ذنب إلى ذنبه

وسئل :

رضي الله عنه : ما معنى قول الله تعالى : (عتل بعد ذلك زنيم) ؟

فأجاب

إن العتل : الغليظ الجافي ، والزنيم : الذي ينتسب إلى قوم وليس منهم ، فمن الناس من ينتسب إلى الإنسانية في الصورة وهو في أخلاق السباع والشياطين ، فهو زنيم

وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r لعائشة رضي الله عنها : " إن أردت اللحاق بي فلا تجددي ثوباً حتى ترقعيه ، وإياك ومجالسة الموتى " قالت : يا رسول الله ، من الموتى ؟ قال : " الأغنياء  " فسماهم النبي r : موتى ، لأن كل عبد شغلته النعم عن المنعم فهو ميت مدفون في قبر ما هو شاغل له منها ، فحياة النفس ذكر الله تعالى والشغل به عما سواه ، وموتها شغلها بغير الله تعالى ، قال تعالى : (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) أي زكاها بذكر الله تعالى ومحبته ، وكلما ازداد ذلك ازدادت حياتها ، ودساها أي دفنها في قبر شهواتها

وقال رضي الله عنه : قال عبد القادر الجيلاني – رحمه الله تعالى - : طلبت الله تعالى من باب الصلاة فوجدت فيه الازدحام ، وطلبته من باب الصدقات فوجدت فيه الازدحام ، وطلبته من باب الصوم فوجدت فيه الازدحام ، وطلبته من باب الذل فولجته ، ثم التفت فوجدته خالياً ، فالذل لله تعالى أصل العبادة ، فإن الصلاة عمود الدين ، لأن فيها الخضوع والتذلل وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، وذلك أنه وضع وجهه الذي هو أشرف أعضائه وفيه أشرف جوارحه في الأرض الذلول ، وقال تعالى : (ولقد نصركم الله ببدر وأنت أذلة ) وقال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) إلى قوله : ( أعزة على الكافرين) فنصرهم الله تعالى في يوم بدر وهم أذلاء ، وفي يوم حنين لم أعجبتهم كثرتهم وظنوا العز من أنفسهم ، فقال أحدهم : لن نغلب اليوم من قلة . غلبوا ، قال تعالى في حقهم : (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً) والحال أن القائل منهم ليس من كبار الصحابة ، فعمت المصيبة ، فلا ذل إلا لله ، ولا عز إلا بالله (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً) وأما الذل لغير الله فهو تعوذ منه النبي r بقوله : " أعوذ بك من الذل إلا لك " فمن تذلل لربه وخضع له فحق عليه أن يعزه في الدنيا والآخرة ، فالذل هو عين العز ، وأي عز أعظم وأكبر من تذلل العبد لمولاه ، فقد ترى رجلا عزيزاً في ظاهر الأمر وهو عند الله بالعكس ، ورجلاً ذليلاً وهو عند الله عزيز

ففي الحديث أن النبي r قال لأبي ذر رضي الله عنه : " انظر إلى أحقر الناس منظراً في عينك وهو حينئذ في المسجد " فنظر يمينا وشمالاً فوجد رجلاً في ذلة ، عليه ثوب رث ، فقال : هذا يا رسول الله ، فقال له رسول الله r : " انظر يا أبا ذر ، من أعز الناس في نظرك " ؟ فنظر إلى رجل في هيئة ، وعليه حلة ، فقال : هذا يا رسول الله ، فقال : " هذا عند الله – وأشار إلى الحقير – أفضل – عند الله – من ملئ الأرض من مثل هذا " وكلا الرجلين من الصحابة ، وبينهما هذا التفاوت ، فانظر إلى قدر الذل لله ، والافتقار والاستكانة إليه ، اللهم خلقنا بأخلاق من اصطفيت من عبادك يا أرحم الراحمين

وقال رضي الله عنه : قال الله تبارك وتعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم ) فقال : قد أنزلنا لأن سببه المطر الذي أنزل من السماء ، فنبتت به الأشجار التي منها اللباس والكتان ، واستمدت الأنعام منها فنبتت فيها الاصواف التي يتخذ منها اللباس ، ثم قال تعالى : وريشاً وهو الجمال ، وتقويم الخلقة على أحسن حال ، ولباس التقوى فالتقوى : لباس يواري سوأة المعاصي والذنوب التي هي أسوأ وأقبح وأزرى من السوأة المخصوصة ، والثبات لباس يواري السوأة التي هي العورة ، فانظر هل تجد أخزى وأقبح من أن تمشي في السوق عرياناً ؟ فقد تتمنى الموت أو القتل  ولا تكون على هذه الحالة ، ولو عرفت وكان لك عقل لرأيت الكشف عن سوأة الذنوب والمعاصي أقبح وأزرى وأخزى لأنه خزي متصل في الدنيا والآخرة . وسوأة العورة : إنما هي في يوم من الأيام تأتي وتتحاشى أن تمر عارياً مرة واحدة

ثم من عصى الله سبحانه وتعالى مكشوف عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين ، فإن الله سبحانه وتعالى يطلع المؤمنين على معاصي الفاسقين وإن تستروا ، قال الله تعالى : (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) هذا في الدنيا وأما في الآخرة فعلى رؤوس الأشهاد ولذلك قال تعالى : ( ذلك خير ) أي لباس التقوى ذلك من آيات الله أي الإنزال لعلهم يتذكرون ، أي ما خلقوا عليه وهي الفطرة التي فطرهم الله عليها (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ) أي لباس التياب ولباس التقوى ليريهما سوآتهما أي سوأة الورة التي هي أذى ، وسوأة المعصية التي هي أشد وأزرى . ثم حذر تعالى عنه فقال : (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) فهو يحرض جنوده وأولاده على إغواء أبناء آدم ليبعدهم عن الله كما أبعده عنه ، ويخرجهم من جنة القرب إلى نار البعد كما أخرجه ؛ لأن المصيبة إذا عمت تكون أهون منها إذا خصت ، فهو يريد أن تعم مصيبة الطرد والإبعاد التي هو فيها لتهون عليه . اللهم أعذنا من الشيطان حتى لا يكون له علينا سلطان

وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " اتقوا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت " وحقيقة السحر : هو الخيال تظن أن هناك شيئاً ولا شئ ، قال الله سبحانه وتعالى في حق السحرة : (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) وهي لا تسعى بل حبال وعصي ، كذلك الدنيا يظن الرائي لأهل الدنيا والناظر فيهم أنهم في نعيم وفي عز وليس كذلك فإنهم في ذلك ؛ لأنهم ملكوا أنفسهم الدنيا التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، وكم في يد الواحد من جميع الخلائق من جناح البعوضة ، وهو – أيضاً – في عذاب لأنه كلما كثرت عليه الدنيا ازداد خوفاً على ذهابها ، وحرصاً عليها ، وهما من كثرة شغلها وغما من تتابع بوائقها وإن كان في الظاهر تراه منعما ، وهذه هي حقيقة السحر ، اللهم اكفنا شرها ، واشغلنا بك عمن سواك بحق محمد r

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : ( قم الليل إلا قليلاً ) أي قليلاً من الليالي مثل ليلة مزدلفة ، وبعض ليالي الأسفار والمرض ، إذ لو كان الاستثناء عائداً إلى الليل أي إلا قليلاً منه لوجب على النبي r قيام أكثر الليل إلا قليلاً منه وليس كذلك ([1]) بدليل قوله تعالى بعد هذه الآية . فقوله : (نصفه) من المجمل لقوله : من الليل نصفه أو انقص منه قليلاً الثلث أو ما بينهما ، أو زد عليه على النصف قليلاً حال من النقص والزيادة المنسوخ هو التقرير (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) فرفع الحرج بنسخ التقرير وفي كل ذلك قد امتثلت أمرنا حيث قلنا : ثم الليل نصفه . الخ . فقلنا : (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) على قراءة الفتح ، وعلى الأخرى أدنى من ثلثي الليل وأدنى من نصفه بتقديره ، ثم قوله تعالى : ( علم أن سيكون منكم مرضى ) مفسرة أن الاستثناء إنما هو لقليل من الليالي فهو مرفوع عن المريض والمسافر أ . هـ

وقال رضي الله عنه : آسية بنت مزاحم التي وصفها رسول الله r بالكمال حيث قال : " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : آسية ، ومريم ابنة عمران ، وفاطمة " الحديث . وحكى الله تعالى عنها حيث قال : (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ) لم يشغلها عن الله تعالى ما هي فيه من النعيم الدنيوي : من الملبوس ، والمطعوم ، والمشروب ، وأصناف التحف ، وأنواع الخدم ، ولم يشغلها – أيضاً – أذى فرعون وحزبه ، بل بقيت واقفة في الباب مع أنها مؤدية ما يجب عليها لزوجها ، وهذا أعظم مراتب الصبر ، ثم من قوة رسوخ الإيمان في قلبها ، ومحبة الله تعالى قدمت الجار قبل الدار ، فقالت : ( رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة) ومقام الصبر عند الله عظيم ولذا قال تعالى : (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) والأجر الذي بغير حساب هو تجلي الله سبحانه وتعالى لهم لأنهم لا يبغون سواه ، ولا يريدون إلا إياه ،وامرأة فرعون لما كانت في أعلى مراتب الصبر كان أجرها ما أعد الله للصابرين ، ثم زادها بأن جعلها زوجاً لرسول الله r في الجنة

وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اجتنوبا كثيراً من الظن إن بعض الظن اثم ) ومن الظن الذي أمرنا الله تعالى أن نجتنبه أن نظن بالله غير ما يليق بجلاله جل وعلا ، ففي الحديث أ، رجلاً جاء إلى النبي r يسأله عن سعة رحمة الله ، فلما رآه النبي r قال له – قبل أن يسأله : جئت تسألني عن سعة رحمة الله تعالى ؟ وأخبرك بقول الله عز وجل : " لو كنت معجلاً العقوبة أو كانت العجلة من شأني ، لعجلت للقانطين من رحمتي يذنب أحدهم ذنباً فيستعظمه في جنب عفوي ، فلو لم أذكر لعبادي إلا خوفهم من الوقوف بين يدي ، لشكرت لهم ذلك فجعلت ثوابهم من ذلك الأمن مما خافوا " ( ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ) لأن التجسس لأجل الإطلاع على العيب منشؤه ظن السوء ، وإذا ظننت السوء بالخلق فقد ظننت السوء بالخالق ، ثم قال تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضا)

والغيبة هي من ظن السوء أيضاً ، ألم تعلم أن لله سبحانه وتعالى في كل شئ حكمة ؟ وأنه لولا ذنوب عبيده لما ظهر سر الغفار ، وفي الحديث : " الغيبة أشد من الزنا " وفي حديث آخر : " أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام " وفي الحديث : أن رسول الله r قام خطيباً فسمعه جميع الناس حتى الأبكار في خدورهن قائلاً : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن الغيبة أيضاً أن تذكر أخاك المسلم فتصفه بعيب فيه كأن تقول : فلان الأعور أو غير ذلك فإن ذلك من الله تعالى ، ومن عاب صنعة فقد عاب صانعها ، فإن بعض الصالحين وصف رجلاً بغدة كانت في حلقه ، فقال الحق تعالى له في سره : " لا تعرف عبادي إلا بما ابتليهم به لأميتنك بها " فكانت سبب موته

وسئل :

رضي الله عنه : عن الحديث : " ثلاثة لا تحرم عليك أعراضهم المجاهر بالفسق ، والمبتدع ، والإمام الجائر " ؟

فأجاب :

فقال : المراد لا يتخذ الناس أعراضهم فاكهة يتفكهون بها ، ولكن إذا أحوج الحال إلى ذلك كأن يستشيرك المستشير فتقول له مثلاً : لا تزوج فلاناً ، فإن بحث وراجعك : لأي شئ ؟ أشرت عليه أن لا يزوجه فتقول : هو يفعل كذا ، كقول النبي r حين استشارته امرأة من الصحابة أن قد خطبها فلان وفلان ، فقال r : " أما فلان فصعلوك ، وأما فلان فإنه لا يضع عصاه عن عاتقيه " فالغيبة أمرها عظيم ، فإن عائشة – أم المؤمنين رضي الله عنها – قالت للنبي r : ما أحسن صفية ، لولا أنها كذا ، ووضعت السبابة على مفصل الإبهام تعني أنها قصيرة ، فقال لها النبي r : " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته "

وقال رضي الله عنه : قال عقبة بن عامر رضي الله عنه : يا رسول الله ، ما النجاة ؟ قال : " أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك "

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : ( هدى للمتقين الذي يؤمنون بالغيب ) والذين يؤمنون بالغيب هم قسمان : فقسم غائبون عن مشاهدة الحق تعالى ، مشاهدون لآياته ، فهم يستدلون عليه بآياته تعالى ، ويؤمنون به غيبا ، وقسم غائبون عن الخلق ، مشاهدون للحق ، فهم يستدلون به على آياته ، ويؤمنون بآياته غيبا وقد جمعهما قول بعضهم : إذا كشفت فلا غير ، وإن سترت فكل شئ غير ، ورابعة العدوية – رحمها الله تعالى – لما قيل لها : هنا عالم له على الله ألف دليل فقالت : ومتى غاب حتى يستدل عليه ، وذلك لأن من أسمائه تعالى النور والنور يستدل به ولا يستدل عليه ، وإنما هو سبحانه وتعالى يظهر أثر أسمائه في خلقه ، فيتجلى لبعضهم باسم الظاهر ولبعضهم باسم الباطن وقال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) والحق هو الله تعالى فالذين يشهدونه تعالى هم المحسنون الذين قال في حقهم الصادق المصدوق لجبريل عليه السلام لما سأله : ما الإحسان ؟ قال : " أن تعبد الله كأنك تراه " والقسم الآخر : قوله – أيضاً - : " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ولهذا الحديث معنى آخر عكس هذا التفسير ، وهو قوله r : " أن تعبد الله كأنك تراه " أتى بكاف التشبيه – هنا – ثم قال : فإن لم تكن أي لم تكن شيئاً بل فنيت بشريتك ، وجواب الشرط قوله : تراه فإنه يراك ، فالأول من أعلى إلى أجنى والآخر من أدنى إلى أعلى فافهم

وقال رضي الله عنه : في التوكل هو : إسقاط التدبير قال رسول الله r : " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كم ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " فقال بعض الحاضرين : بسبب أم بلا سبب ؟ فقال : وأي سبب أعظم من التقوى والإيمان ؟ قال تعالى : (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقال تعالى : (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) فمن اتقى الله تعالى كان له الجار اللصيق ؛ لأن قد أحبه الله ، قال الله تعالى : (إن الله يحب المتقين) ومن أحبه فقد صار سمعه . الخ . ثم إن جميع عباد الله ضيوفه لأنهم وصلوا من سفر الإرادة إلى مقام الوجود ، فكيف يضيع الله تعالى عبيده وجيرانه وأضيافه ؟ حاشاه تبارك وتعالى : لو كان إنسان بهذه الصفات عند ملك من ملوك الأرض لأكرمه غاية الإكرام ، فكيف بملك الملوك ؟

قيل : إن الحجاج – وفيه من الجراءة مالا يخفى – أمر بتنقل رجل ، فقال الرجل : لك ذلك وإنما أريد منك شيئاً ، وما أظنك إلا تفعله ، قال : وما هو ؟ قال : تضع يدك في يدي ، ثم تدور بي في عسكرك ، ففعل ذلك ، فلما فرغ قال له : أتقتلني وقد ثبت لي معك حق الصحبة التي وصى بها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله : (والصاحب بالجنب) ؟ فأطلقه الحجاج . وقال : إن شئت أن تبقى مكرماً ، وإن شئت أن تذهب مجازاً ، فاختار الذهاب فأجازه وأعطاه ، فتعالى الله أن لا يكرم ضيفانه ، وحاشاه أن يضيع حقوق جيرانه ، وتنزه أن لا يكفى عبيده ، ولكن اتكل العبد على نفسه ، وقطع الأسباب التي بينه وبني سيده ، وتشبث بأسباب جعلها بينه وبين نفسه ، فوكله الله إلى نفسه ، وهو يناديه في كل حالة بلسان القرآن ، وبلسان كل آية من آياته تعالى : آيات الآفاق ، وآيات الأنفس : أن ارجع إلينا نكفك كل مؤنة ، ونصلك بخير الدارين ، فيأبى إلا الاتكال على نفسه وهواه ، فهو الضار لنفسه ، الواقع ف حفرته ، والله المستعان

وقال رضي الله عنه : قال تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) ففي كل ليلة ونهار يموت كل إنسان ويحيا ( ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ) بسبب مرور الليالي والأيام يأتي الأجل المسمى ( ثم إليه مرجعكم ) هنا غاية التشويق لعباده وهو رجوعهم إليه فإنهم في الدنيا في غربة ، والرجوع إلى الوطن رجوعهم إلى ربهم ، وحب الوطن من الإيمان ( ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ) أي ينبئكم بنطق جوارحكم وأعضائكم التي كنتم تملون بها الخير والشر ، وهو معنى قوله تعالى : ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) لكنه قال عليهم لا لهم ، وذلك لأن الشهادة لا تكون إلا على من أنكر ولا ينكر حينئذ إلا المسيئون سيئاتهم ، فتشهد عليهم ، وأما المحسنون فلا حاجة إلى شهادتها لهم ، فكانت الآية وهي قوله : (يوم تشهد عليهم ) إلى آخرها آية وعيد ، ثم قال تعالى بعد قوله : (ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ) أي شهدت أعضاؤكم وجوارحكم عليكم قهراً وإلا فهي أجزاء منكم تعذب بعذابكم ، ولذا يقولون : ( لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ ) فهو تعالى ينبئهم لكن بجوارحهم وأعضائهم فهو كقوله تعالى : (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم )

وقال رضي الله عنه : قال الله تبارك وتعالى : (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً) لهذه الآية ثلاثة أوجه : الوجه الأول : شهادة الزور كأن يشهد الإنسان في إبطال حق ، أو في إحقاق باطل . الوجه الثاني : أن يشهد الإنسان مشاهد الزور أي يجلس مع قوم يفعلون الزور إما بارتكاب معصية ، أو بهتك حرمة ، أو بعمل بدعة ، قال الله تعالى : (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) ولذا قال تعالى : ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) واللغو : هو الكلام فيما لا يعني ، والخوض في غير ما خلق الإنسان له ، فوصفهم الله بالكرام ، أي تكرموا بنفوسهم لله فلا يخدمون بها إلا الله ، ولا يضعونها إلا فيما يرضى الله ، ولا يكون تصرفهم إلا بالله لله ، وقد جادوا بنفوسهم في سبيل الله ، ولذا وصفهم الله تعالى بالكرم . الوجه الثالث : أنهم الذين لا يشهدون الزور أي لا يشهدون إلا الله تعالى ، فإن ما سواه زور ألا كل شئ ما خلا الله باطل قال الشاعر :

تخذتك وجها والأنام بطانة            فأنجمهم غاب وشمسك طالع

وهؤلاء أعلى درجة لأنهم لم يشهدوا غير الله ، فهم لا يرون زوراً أبداً ، وإذا مروا باللغو فهم لا يرونه لأنهم مستغرقون في ذات الله وصفاته ، ولا يرون غيره ، قال تعالى : ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) وقال في آية أخرى : ( وهو الله في السماوات وفي الأرض ) وهؤلاء هم الأولياء الذين يدفع الله بهم عن أهل الأرض : إما بأن يطلعهم الله تعالى على غضبه على العاصين فيتشفعون ، فيقبل شفاعتهم ، وإما أن ينظر إليهم فيسكن غضبه . قال رسول الله r : " لولا شيوخ ركع ، وبهائم رتع ، وأطفال رضع ، لصب عليكم العذاب صبا " وفي الحديث القدسي قال الله تعالى : " إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي ، جعلت نعيمه ولذته في ذكرى عشقني وعشقته ، فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، وصرت () معالماً بين عينيه ، لا يسهو إذا سها الناس ، أولئك الأبطال حقاً ، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذاباً ذكرتهم فرفعت ذلك عنهم " قال الشاعر :

وإياك جزعاً لا يهو لك أمرها         فما نالها إلا الشجاع المقارع

وقال رضي الله عنه : أنعم الله تعالى على عبيده بجميع النعم التي لا تحصيها الأقلام ، ولا تتسع لها الدفاتر التي تذهب دون حصرها الأعمار ، ويترك الأول للآخر ليتقربوا إليه بشكرها ، فيظهر لهم بقربة جواهر سرها ، ويسلط سبحانه عليهم المصائب والدواهي ليفروا إليه منها ، قال تعالى : (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) فمن الناس من ينقاد إلى الله بنعمه ، ومنهم من يساق إليه تعالى بسياط عذابه ونقمه ، ومنهم من لا تؤثر فيه المروءة فلا ينقاد بالنعم إلى ربه ولا يخاف من نقمه فيفر إليه ليؤمنه بقربه ، فما أقسى من هذا حاله ؟ وما أجفى وأسوأ من كالحمر والمستنفرة ؟ مثاله يريد الحق جل جلاله أن يقربه منه لينيله ما أعد له من خصائص قربه ، ويتحفه بموارد صفائه وحبه ، فيأبى إلا الفرار منه إلى النار . اللهم إنا نسألك حبك ، وحب من يحبك ، وحب كل عمل يقربنا إليك يا أرحم الراحمين

وقال رضي الله عنه : خلق الله سبحانه وتعالى جميع ما في السماوات وما في الأرض لبني آدم ، فملكه تعالى هو لهم لأنه غني عن ملكه ، وهم المنتفعون به ، فهو لهم باعتبار منافعه ، وهو له تعالى باعتبار أنه خلقه وكونه وتولى ما فيه مما لم يقدر الإنسان على توليه : من إمساك السماء أن تقع على الأرض ، وحفظ السماء بالنجوم لئلا تلبس الشياطين عليه دينه ، وإيجاد جميع ملكه من العدم ، فعلى الجملة هو في منفعة بني فالإنسان ملك الله له ، حتى الملائكة الموكلين برزقه والملائكة الذين حول العرش (يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به) إلى آخر الآية ، فليته لو علم بقدر هذا الرب العظيم الكريم الذي خلق كل شئ له ، وجعله خليفة ملكاً ، وما قدروا الله حق قدره ، سبحانه وتعالى يحب أن يقرب عبده منه فحباه بجميع النعم ، حتى أنه ملكه وهو غني عنه وعن قربه منه بجميع النعم ، حتى أنه ملكه وهو غني عنه وعن قربه منه ، والخير كل الخير ، ورأس السعادة ، وملك الدارين للعبد إذا قرب من الله تعالى ، ثم ليس في قربه من ربه تعالى مشقة ولا كلفة (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (فاتقوا الله ما استطعتم – وما جعل عليكم في الدين من حرج) فما أيسر هذه الأسباب الموصلة على ملك الدارين ، وما أوضح هذه الطريق المستغني سالكها عن الكيف والأين ، ولكنها عميت القلوب فخاضت من المهالك في بحور (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور)

فإن كنت – أيها العبد – لا تعلم أن ملك الله لك ، وإن من أجلك بسط الأرض ورفع السماء وأدار الفلك ، فانظر إلى القرآن وتدبر آياته ، ينبئك بأسراره في موضح بيناته قال تعالى (والله جعل لكم الأرض بساطاً) وقال تعالى : ( وهو  الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) وقال تعالى : (أو لم أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون) وقال تعالى : (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه) والآيات في هذا المعنى بها القرآن طافح ، وفي الحديث القدسي : " يا ابن آدم خلقت كل شئ من أجلك وخلقتك من أجلي " فسبحانه ما أكرمه أعطى عبده جميع ملكه ابتداء ، ويعطيه ملكه الدائم إذا أتى شكر النعم بالامتثال لما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه ابتداء وانتهاء ، فأي كرم مثل هذا الكرم وأي جود مثل هذا الجود ، فسبحان الكريم الجواد لا إله إلا هو ، عليه توكلت وإليه أنيب

وقال رضي الله عنه : إذا اتقى الإنسان صار إبليس الذي هو عدوه من نعم الله تعالى عليه ، الا ترى أن الجهاد في سبيل الله لولا وجود العدو لما وجد ، ولما كانت الشهادة ؟ فهذا العدو الأعظم مجاهدته هي أعظم المجاهدات ، ومجاهدته معاكسته ، ومن جاهده حتى مات فقد مات شهيداً في سبيل الله ، أكبر من الشهادة في الجهاد الظاهر لأنه في الجهاد الأكبر الذي قال فيه رسول الله r : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فلولا وجود إبليس مانيلت هذه الدرجة العظمى قال الله تعالى : (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فبسبب ذلك المس كان التذكر لله تعالى ، وهذه نعمة عظيمة أن يكون مس طائف سبب التذكر لله تعالى ، فإذا بلغ الإنسان رتبة التقوى صارت أعداؤه من نعم الله عليه ، ويشكر الله عليها لأن بسببها اتسعت له أبواب الخير ، اللهم اجعلنا من المتقين يا ارحم الراحمين

وقال رضي الله عنه : خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان كهيئة الميزان ، كل عضو منه في يمينه يعدل عضواً في يساره ، وكذلك الجوارح فاليد اليمنى ف مقابلة اليد اليسرى ، وكذلك الرجل ، ومن الجوارح : الأذن في مقابلة الأذن ، وكذلك العينان ، ولسانه شكوته متوسطة بين كفاف الأعضاء والجوارح ، والحكمة في ذلك أن لا يتكلم الإنسان بكلمة إلا بعد أن يزنها بميزان الشرع ، فإنه لا تعرف معادلة الكفاف إلا في الشوكة ، فيزن الكلمة إن كانت ترضى الله سبحانه وتعالى ، لأنه لابد أن يسأله عنها (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) تكلم بها وذلك كأن يكون ناهياً عن منكر ، أو آمراً بمعروف ، أو هادياً لضال أو غير ذلك ، فإذا سأله الله تعالى عنها أجاب بما يخلصه من التوبيخ والتبكيت ، وإن كانت الكلمة إذا سئل عنها بين يدي الله تعالى لا يقدر أن يتخلص من التوبيخ عليها فلا يتكلم بها ، ففي الحديث : لما سئل رسول الله r : هل يحاسب الناس على أقوالهم ؟ قال : " ثكلتك أمك ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم " وقال رسول الله r : لما أوصى رجلاً : " لا تكثر الكلام بغير ذكر الله تعالى ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى تورث قسوة القلب ، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي "

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ) وقال تعالى : (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) أي إنما يغتر بها الذي لا عقل له ، كالمسحور حين يغتر بالسحر ، ويظنه شيئاً وهو لا شئ ، فجميع ما في الدنيا إنما هو وهم كالسراب اسم ولا مسمى له (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) وقال رسول الله r : " الدنيا دار ممر ، وليست دار مقر ، فاعبروها ولا تعمروها " فترى طالب الدنيا ظمآن لها ، فكلما رأى منها شيئاً توهم أن ذلك هو الغرض المقصود فيقصده فلا يشفى غليله ، فيبدو له شئ غيره فيقصده ، وهلم جرا . إلى ما لا نهاية له ، اللهم أنا نسألك العافية والسلامة . ألا ترى أن الملك يكنز الكنوز ، ويخزن الأموال ، ظاناً أن هناك فائدة ومنفعة وليس هناك شئ ، فإنه يكفيه من ذلك جميعه ما يكفي الفقير ، وهي أكلة وشربه من ماء ، وربما لا ينهضم ما في بطنه إلا وقد أتاه الموت ، وإنما يحمله على ذلك الأمل الكاذب الذي قال تعالى فيه : (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل) وقال تعالى ؛ (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثر منهم فاسقون)

ولو عرف مقدار الدنيا وأنها سريعة الزوال ، لما بنى البنيان ولا جمع الأموال ، قال رسول الله r : " إنما الدنيا كابن سبيل استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " وقال رسول الله r : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " فسماه : أحمق وفي بعض الروايات : عاجز ، فإن نال ما تمنى أتبع نفسه هواها ، وبنى البنيان ، واستكبر ومنه مال الله عز وجل عن أهله ، وإن لم ينل ما تمنى فهو مصر على القبيح ، ولكن هو أهون من الأول . من العصمة أن لا تجد ، وأما من نالت نفسه ما تمنت ، وأتبع هواها فذلك مكر من الله واستدراج ، نسأل الله العافية والسلامة . وقال سيدنا ومولانا رسول اللهr  يوماً لأصحابه : " استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : يا رسول الله إنا نستحي من الله والحمد لله ، قال : ليس ذاكم ، إنما الحياء من الله حق الحياء : أن تحفظوا الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، ولا تنسوا المقابر والبلى ، ولا تجمعوا مالاً تأكلون ، ولا تبنوا مالا تسكنون ، ولا تأملوا مالا تدركون " فهذا الحديث جامع مانع من تمسك به نال كنز الدارين .

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) أي إنما أنتم في سفر فتزودوا فيه فإن من لم يتزود لسفره نال المشاق ، وندم على عدم التزود ثم قال : (واتقون يا أولي الألباب) أي أولو الألباب لا يرغبون ولا يسعون إلا في لباب الأمور ، ولب جميع الكون وسره هو الله تعالى ، فألو الألباب لا يركنون إلى عملهم ،ولا يتقون النار ولا يرغبون إلى الجنة بل ما مطلوبهم سوى محبوبهم ، وقع لبعض العارفين حال مع الله ، فقال له الحق تعالى : سلني من فضلي ما شئت أعطك ، قال : يا رب ، أنت أحسن من فضلك لا تغرني بفضلك عنك فأطلب سواك ، وهؤلاء من رفع الله همهم ، فلا يأخذون من كل شئ إلا سنامه

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا ان الله غفور حليم) فقوله : (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) يعني لا تشغلوا نفوسكم بغيري ، وهو عام في هذا الحكم وغيره ، فهو حاسم لمادة الأمل من كل شئ إذا بلغ الكتاب أجله ن فهو يأتي إليك فلا تشغل قلبك الذي لا ينبغي أن يشتغل إلا بالله بشئ من أمور الدنيا ، لأن ما قسم لك لابد يأتيك ولذا قال : (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) أي مجرد الوسوسة والخواطر التي تخطر من أجل شئ مستقبل قد يكون وقد لا يكون ، هو يعلمها سبحانه وتعالى فاحذروه ولا تشغلوا نفوسكم بغيره ، ثم قال : (واعلموا أن الله غفور حليم) فالغفران لا يكون إلا من الذنب ، والبشر ضعيف لا تخلوا منه الخواطر ، ولكن إذا تنبه لنفسه وتاب من ذلك الخاطر فالله غفور حليم ، أي لا يعجل العقوبة بل يمهل ، عسى أن تحصل منكم توبة ، فيبدل الله سيئاتكم حسنات

ثم قال رضي الله عنه : جميع سعي الإنسان للدنيا في صعوبة وعسر ، فلا يحصل له ما يريد إلا بمشقة ، وقد لا يحصل ما يريد كأن يركب الإنسان الأخطار ، ويركب البحار لكي يصيب شيئاً من الدنيا ، فقد يحصل وقد لا يحصل ، ويبنى بنياناً فلا يحصل له ما يريد إلا بتعب ونصب وخسارة ، وجميع سي الإنسان للآخرة سهل لا عسر فيه ولا مشقة ، ينال الإنسان رياضاً وأشجاراً وأنهاراً ، كل ورقة من ورق الشجر مسيرة عشرين عاماً ، بقوله : " سبحان الله والحمد لله ، ولا إله غلا الله والله أكبر " وتبنى له القصور التي لا تخرب ولا تبلى بكلمة خير يقولها ، أو بصلاة في ظل ، استظل عيسى عليه الصلاة والسلام في ظل خيمة عجوز ، فخرجت وطردته ، فبكى فأوحى الله إليه / إني سأزوجك بكذا وكذا من الحور ، ولأولمن عليك ألف سنة ، أي أن هذا جميعه في مقابلة طرد العجوز له ، فما أيسر العمل للآخرة وما أعسر أعمال الدنيا ، والحمد لله رب العالمين

 


 

([1]) قوله : بدليل الخ هكذا في الأصل وانظر ا هـ مصححه