وسئل :
رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) ؟
فأجاب بها معناه :
والذين آمنوا صدقوا فاتصفوا بصفاتنا ، وتخلقوا بأخلاقنا ، فإن الله – سبحانه – هو المؤمن ، وعملوا الصالحات التي بلغوا بها إلى مقام : كنت سمعه وبصره إلى آخره ، فإنا جعلنا فيهم قوة وقدرة على عمل الصالحات التي يبلغون بها إلى هذا المقام ، فإنا لا نكلف نفساً إلا وسعها ، فلم يأمرهم النبي (ص) بقوله : " تخلقوا بأخلاق الله " إلا وهو يعلم أنه أقدرهم على ذلك ، وفي هذا تلميح إلى أن الله – تعالى – خلق آدم على صورته ، فمن بلغ هذا المقام أولئك أصحاب الجنة ، والجنة جنتان جنة المعارف ، وجنة الزخارف ، فلا التفات إلى جنة الزخارف لمن كان من أصحاب جنة المعارف ، هم فيها خالدون في الدنيا والآخرة ، جعلنا الله منهم بفضله آمين .
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) ؟
فأجاب بما معناه :
أي أنها تعبد الله – تعالى – مأمورة بذلك قال تعالى : (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وقال تعالى : (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون)
فهي مخاطبة بأمرين : أحدهما : عبادة الله ، والآخر : تسخرها للإنسان ، فإنه ذللها – سبحانه – لبني آدم ، وجعل منها متوحشاً كالسبع ، ليعرف ما قد ذلل له منها ، فهي أمم أمثالنا تعبد الله وتوحده وتمجده .
وكذلك الجمادات فإنها تعبد الله وتسبحه ، قال الله – تبارك وتعالى - : (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) وقال – سبحانه وتعالى – في قصة داود عليه السلام : (يا جبال أوبي معه) ففي الحديث أن الأرض تلبي إذا لبى الحاج إلى أن تنقطع كل جهة ، والمؤذن يشهد له كل رطب ويابس إلى منتهى صوته ، وهل في الأرض إلا رطب ويابس ؟
وقال رضي الله عنه :
إن الحصى التي سبحت في كف رسول الله r هي كذلك في كل حالة ، وإنما هو كشف الحجاب عن مسامع الصحابة – رضي الله عنهم – فسمعوها ، فكانت من خرق العادات وقوله تعالى : (إذا زلزلت الأرض زلزالها) – إلى – (يومئذ تحدث أخبارها) أي تشهد للعباد وعليهم ، فكل بقعة تشهد بما صنع فيها العبد ، ولا تشهد بما شهدت به بقعة أخرى ، كالأذن لا تشهد بما رأته العين لأن ذوقها غير ذوق العين وكذلك سائر الأعضاء والجوارح ، فما من شئ في الدنيا إلا وهو شاهد بالتوحيد يسبح بحمد ربه
وقال رضي الله عنه :
سخر الله – سبحانه وتعالى – جميع ما في السماوات والأرض لبني آدم ، وهي جميعها ليست مفتقرة إلى ابن آدم أبداً ، وابن آدم مفتقر إلى جميع ما في السماوات والأرض ، فالله – سبحانه وتعالى – أعطى ابن آدم قبل سؤاله ، وإنما سؤاله بلسان الحال لا بلسان المقال ، فجميع ما سأل من كل ما هو مفتقر إليه قبل وجوده ، ثم خلق سبحانه وتعالى وأوجد أرزاق المسخرات له ، فهو رأس المخلوقات وسنامها ولولاه ما خلقت المخلوقات ولا دار الفلك ، فالشمس وجميع الكواكب في منفعته ، والدواب جميعها في منفعته ، وما توحش منها كذلك ، لأن بتوحشها يعرف قدر المسخرات ، وما نزل من السماء كذلك ، وجميع ما يخرج من الأرض والملائكة يستغفرون لهم ، فالإنسان يذنب والملائكة تنوب عنه ، فقسم سبحانه ذكر الملائكة بين وبين آدم قال : (يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا)
ثم زاد في كيفية استغفارهم ودعائهم لهم فقال – سبحانه وتعالى – على ألسنتهم : (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً) إلى قوله : (وذلك هو الفوز العظيم) فهم يستغفرون للذين تابوا ، وهم يشفعون لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، وأسجدهم له وهو في صلب أبيه ، فابن آدم له عند الله هذا الشأن ، وخلق من أجله جميع المخلوقات ، فسخرها له ، وخلقها له ، وهو يعبد ما خلق من أجله ، ويعرض عمن خلق له ، فكيف هذا السقوط من الثريا إلى الحضيض ؟
نسألك اللهم عافيتك ، اللهم أشغلنا بعبادتك عن عبادة من سواك ، يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وآله وصحبه أجمعين .
ثم الجمادات : كالأحجار ، والأشجار والأرض جميعها تدعوا لبني آدم وتستغفر لهم ، وتشهد لهم بأعمال البر ، كتلبية الأرض إلى منتهاها للملبي بالحج ، وشهادة كل رطب ويابس للمؤذن إلى منتهى صوته ، وغير ذلك مما لا يحصى ، فسبحان الكريم ما أكرمه على عبيده
ومن فوائده (رضي الله عنه) : في كيفية الصلاة على النبي r
اللهم صل وسلم وبارك على مولانا محمد ، وعلى آله في كل لمحة ونفس ، وعدد ما وسعه علمك .
اللهم إني أسألك إيماناً دائماً وأسالك قلباً خاشعاً ، وأسألك علماً نافعاً ، وأسألك يقينا صادقا ، وأسألك دينا قيما ، وأسألك العافية من كل بلية ، وأسألك دوام العافية وأسألك تمام العافية ، وأسألك الشكر على العافية ، وأسألك الغنى عن الناس .
ومن فوائده – أيضاً – رضي الله عنه :
اللهم إني أسألك بنور وجه الله العظيم الذي ملأ أركان عرش الله العظيم ، وقامت به عوالم الله العظيم ، أن تصلي على مولانا محمد ذي القدر العظيم ، وعلى آل نبي الله العظيم ، بقدر عظمة ذات الله العظيم ، في كل لمحة ونفس ن عدد ما في علم الله العظيم ، صلاة دائمة بدوام الله العظيم ، تعظيماً لحقك يا مولانا يا محمد يا ذا الخلق العظيم ، وسلم عليه وعلى آله مثل ذلك ، واجمع بيني وبينه كما جمعت بين الروح والنفس ظاهراً وباطناً ، يقظة ومناماً ، واجعله يا رب روحاً لذاتي من جميع الوجوه ، في الدنيا قبل الآخرة يا عظيم .
وقال رضي الله عنه : من اراد الله – سبحانه – به خيراً رزقه الأدب معه ، فإن إبليس أذنب حيث لم يسجد لآدم ، فترك ما أمره الله ، وآدم – عليه الصلاة والسلام – أنذب حيث أكل من الشجرة ، ففعل ما نهاه الله عنه ، ولكن لما قال سبحانه وتعالى لإبليس : (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين) والعالين هم ملائكة لم يؤمروا بالسجود ، إنما هم هائمون في الله لا يعرفون غيره ، وهو ليس منهم ، فما بقي إلا أنه استكبر ، فبين استكباره بأن قال : (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فنسب إلى الحق – سبحانه – الظلم ؛ لأنه جعل نفسه خيراً منه ، وسجود الأعلى للأدنى ظلم ، فأضاع الأدب أي إضاعة ، فكان سبب طرده ولعنه .
وآدم – عليه السلام – لما قال له الحق – سبحانه وتعالى – ولزوجه (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) فلزما الأدب واعترفا بذنبهما ، ولم ينسبا الظلم إلا غليهما ، فغفر – سبحانه وتعالى – لهما .
وانظر – أيضاً – إلى إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – حيث دعا ربه – سبحانه وتعالى – حيث قال : (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين) ثم لزم الأدب هاهنا ولم يقل : وإذا أمرضني فهو يشفين بل قال : (وإذا مرضت فهو يشفين) فنسب المرض إليه تأدباً مع الحق – سبحانه وتعالى – ثم خاف عند ذلك فخشي أن يكون بسلوكه في طريق الأدب قد وقع فيما لا يليق بجلال سيده – سبحانه وتعالى – بأن نسب المرض إلى نفسه ، فقال : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) فجعل نسبه المرض إليه خطيئة
وانظر – أيضاً – إلى الخضر – عليه السلام – حيث نبأ موسى بما لم يستطع عليه صبراً ، فقال : (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها) فعند ذكر العيب هنا قال : (فأردت) وأتى بالضمير المفرد ونسب العيب للسفينة إلى نفسه ، وذلك تأدباً مع مولاه – سبحانه وتعالى – وقال في قتل الغلام : (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا) فأتى بالضمير لا على صيغة الإفراد ، لأن في قتله على أبويه حزناً وكرباً في الابتداء عند قتله ، وسروراً وراحة في الانتهاء باعتبار ما انتهى إليه أمرهما ، لأن الله – سبحانه وتعالى – أبدلهما بإبنة خرج من منها سبعون نبياً ، فالضمير هاهنا هو ضمير نفسه مع الحق سبحانه
والنكتة في إتيان الضمير بصيغة التثنية ، التأدب مع الحق جل وعلا ، فالأمر الذي يقتضي الحزن والكرب وهو ما حصل لأبويه عند قتله نسبه إلى نفسه ، وما آل إليه الأمر نسبه إلى الحق – سبحانه وتعالى – ولذلك لما كانت الحالة لا تقتضي إلا السرور والراحة ابتداء وانتهاء ، نسب الأمر إلى الله – تعالى – ولم يجعل لنفسه مدخلاً ، فقال في وصف الجدار : (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما) فقال في الأولى : (فأردت) وقال في الثانية : (فأردنا) في الثالثة : (فأراد ربك)
وانظر – أيضاً – إلى دعاء نبينا محمد – عليه الصلاة والسلام – قال : " لبيك اللهم لبيك وسعديك ن والخير في يديك ، والشر ليس إليك " أي لا يتقرب به إليك ، فما أحسن هذا التأدب مع مولاه – سبحانه وتعالى – موافقة لقوله تعالى : (ما أصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك) وقول أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – لما قيل له – في مرضه الذي منه مات : - هل نلتمس لك طبيباً ؟ فقال : الطبيب هو الذي أمرضني ، ليس على ما زعم من فسره بظاهرة ، ونسب إلى أبي بكر أنه لم يتأدب ، وأنه لم يقل مثل الخليل – عليه الصلاة والسلام – (وإذا مرضت) فنسب المرض إلى نفسه ن بل قال : أمرضني ونسبه إلى الحق – سبحانه وتعالى – لكن ليس على ظاهره ن بل معناه أن الطبيب داواني بدواء يزول منه دائي ، وهو المرض ، فالمرض هو عين الدواء ، وإذا كان كذلك فليس بشر ، وإذا لم يكن بشر فلا إساءة في الأدب ن بل ذلك من حسن الأدب ، فافهم ما في هذا البحث من نكت في لزوم الأدب
وقال رضي الله عنه : في قول ابن عطاء الله : رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً . ومأخذ هذا مستنبط من كتاب الله تعالى ومن حديث رسول الله r من غير استكبار ولا عز قال الله سبحانه وتعالى : (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) وفي الحديث فيما حدث رسول الله r عن ربه : " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " فانظر إلى الفرق بين قوله عند ربهم وبين أنا عند المنكسرة قلوبهم . فإذا قلت : الملك عند فلان . فهو أجل وأعظم من أن تقول فلان عند الملك ، وكذلك أنين المذنبين أحب إلى من زجل المسبحين
وقال رضي الله عنه : إن من تحرى الطهارة وتورع عن النجاسات وهو يأكل حراماً ، فورعه ذلك كورع الكلب يأكل النجاسات والقاذورات ، وإذا أراد أن يبول رفع رجله لكيلا يصبها شئ من البول
وقال رضي الله عنه : في قوله r : " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " معناه : أن رسول الله r مستغرق قلبه فيما وراء الحجب السبعين التي هي وراء السماوات والأرضين ، وهو مأمور بالتبليغ فيستغفر سبعين مرة ليظهر قلبه على أمته فيطلعوا على أسراره ، فإن الشاذلي رأى النبي r مناماً فقال : يا رسول الله ، ما معنى الغين الذي تستغفر منه سبعين مرة ؟. قال " ذلك غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك "
وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) فكرر لفظ اتقوا ثلاثاً ولفظ آمنوا ثلاثا ، وقال في آخرها : وأحسنوا مرة واحدة أي : إن الذي آمنوا وعملوا الصالحات ليس عليهم جناح فيما طعموا من الطيبات من الرزق ، ثم كلما طعموا زادهم إيماناً وتقوى ؛ لأ، الصحابة منهم من حرم الدسم ، ومنهم من حرم النكاح ليتفرغوا للعبادة ، ثم قال تعالى : (ثم اتقوا وأحسنوا) أي إن الإحسان مقارن للتقوى والإيمان ، وفي الحديث أنه نزل جبريل عليه السلام على رسوله r فقال : ما الإيمان ؟. قال : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث" قال : ما الإسلام ؟ قال : " الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان " قال : ما الإحسان ؟ قال : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قال : ما الساعة ؟ قال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " فإذا كان الإحسان مقارناً للإيمان والتقوى فقد صار ولياً فقد أحبه الله ، وإذا أحبه الله فقد صار سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى : (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
وكيف يخافون ويحزنون وقد صار الحق منهم بهذه الصفة قال الشاعر :
هم الذخر للملهوف والكنز والرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع
بهم يهتدي للعين من ضل في العمى بهم يجذب العشاق والرب شاسع
وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (إنا أعطيناك الكوثر) على حذف مضاف أي أصحاب الكوثر : وهم المؤمنون الذين هم أولاد للنبي r كما في إحدى القراآت ، وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ، والكوثر هو النهر الذي في الجنة عدد أقداحه عدد نجوم السماء ، لأن الكفار قالوا : إن النبي r أبتر أي لا نسل له ، وإنه ينقطع ملكه ولا له بنون يقومون بملكه فنزلت : (إنا أعطيناك الكوثر) أي أصحاب الكوثر قاموا بعده بحث الإسلام ، وقفوا فيه آثاره إلى الآن ولله الحمد (فصل لربك وانحر) أي : اجعل هذا القول في نحر أعدائك (إن شانئك هو الأبتر) وأنجز الله سبحانه وتعالى قوله وهو أن لا يبقى الآن في الآفاق جميعاً ذرية لأبي لهب ولا لأبي جهل ، ولا لأحد ممن مات منهم وهو كافر
وسئل :
رضي الله عنه : هل يجوز أن تفرد الصلاة على غير رسول الله r فتقول : اللهم صل على فلان ، من دون أن تذكر النبي r ؟
فأجاب :
فقال : نعم . أخبرنا الله سبحانه وتعالى : بأنه يصلي علينا ، فقال سبحانه وتعالى : (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور) وقال تعالى فيمن قال عند المصيبة : (إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) ويدل على أن الصلاة من الله تعالى هي الرحمة وزيادة ، لا كما قيل : إنها الرحمة فقط ، إن الرحمة عطفت على الصلوات من باب عطف العام على الخاص ، ثم إن النبي r كان يجيئه المتصدق بالصدقة فيصلي عليه امتثالاً لقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى (فلا اقتحم العقبة) إن العقبة بلغة العرب : هي الجبل الوعر المسالك الذي لا يصعد إليه إلا بمشقة ، ثم قال : (وما أدراك ما العقبة) أي عقبة هي (فك رقبة) والرقبة - هنا – منكرة لتقتضي الشمول لكل رقبة محبوسة ، إما في دين فيقضي عنها فيفكها ، أو من وجب عليه القصاص فيفكها ، أو ضال يهديه ، فيفك رقبته من حبس الضلال ؛ أو غير ذلك ، ثم قال تعالى : (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) أي ذي جوع ، والمراد المطعم هو الجائع وإن كان غيره شبعان (يتيماً ذات مقربة أو مسكيناً ذا متربة) اليتيم على قسمين : أحدهما : الملتجئ إلى الله تعالى ، لا يصافي أحداً غيره ، ولا يصادق ولا يحب إلا الله ، أو في الله ، فهو يرى وجود أبويه وعدمهما على حد سواء ، وهذه أعلى رتبة ، فهو يتيم وإن بلغ سن الشيخوخة ، والثاني : اليتيم عن أبويه أو أحدهما ، ولا يكون يتيماً إلا مادام لا يمكنه التكسب ، والمسكين على قسمين : الأول : هو المتمسكن إلى الله ، أي الذي لا يسكن إلا إلى ربه ، فهو ملازم حضرته ، فلا يأنس إلا إليه ، وهذا هو الذي قال فيه الصادق المصدوق صلوات الله عليه وعلى آله " اللهم أحيني مسكيناً ، وأمتني مسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين " وهذا هو أعلى درجة ، والثاني : هو اللاصق بالتراب ، ثم قال تعالى : (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة) كان هذه من قوله : (كان من الذين آمنوا) تامة ، يعني تستغرق الزمان ماضياً وحالاً ومستقبلاً ، أي بقي مؤمناً حتى مات ، كما قال تعالى : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلى مثلها وهم لا يظلمون) ولم يقل من عمل الحسنة ليكون معناها من جاء يوم القيامة بالحسنة ولم تحبط ، ومن جاء بالسيئة ولم تمح
وقال رضي الله عنه : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) قال : هذه الآية من المخوفات التخويف العظيم ، لأن إنما للحصر ومن ذات يكون متصفاً بهذه الصفة ؟. فإنه قيل لبعض الأولياء وهو الحسن البصري : كيف تجد إيمانك ؟ فقال : أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ، وأما أنى ممكن ذكر الله : إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى آخرها ، فلا أدري ، والذكر هو باللسان والقلب ، والاعتبار بالعين لقوله تعالى : (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري) فهو ذكر هنا بالعين ؛ فإن الاعتبار في العالم ذكر ، وهو أعظم الذكر ، وقوله تعالى : (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) المراد الآيات القرآنية والعالمية : أي إذا نظرت إلى مخلوقاته زادك إيماناً لأنها آيات تتلى عليك قال تعالى : (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزر الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)
وقال رضي الله عنه : (أفرأيتم ما تمنون) الإنسان يلقى منيه ، ولا يدري أين صار ، فيوكل الله به ملكاً خلق من سر الخالق البارئ المصور يضعه في قرار مكين ، أي لم يخن في شئ منه ، بل يحفظه غاية الحفظ ، ثم يكون علقة أشد من النطفة ، فإذا كان كذلك استأذن الملك ربه يقول : رب ، هل قد وفي أجله أفتزلق فإذا هو لم يصل أجله ، يقول : لا . انقله مضغة فيصير مضغة وهي أشد من علقة ، فيستأذن الملك ربه يقول : رب ، هل قد وفى أجله أفتزلق فإذا هو لم يصل أجله ، يقول : لا . انقله مضغة فيصير مضغة وهي أشد من علقة ، فيستأذن الملك ربه كذلك ، فيشق جل جلاله بصره وسمعه ، ويخلق فيه الأعضاء حتى يصير في الصورة الإنسانية ، فيبرز إلى الوجود وليس له عقل يعقل به ،ـ ولا فهم يفهم به ، ولا نطق يتكلم به بما يريد ، فيجوع ويعطش وهو لا يحسن الكلام ، فيصيح ، وذلك الصياح يدعو ربه دعوة مضطر فيجاب في الحال والسرعة ، فيوجد الله له اللبن في ثدي أمه ، حتى لو أنها أرادت أن تدفعه وترده ما أمكنها ، ولو أرادت وجوده قبل أن يولد المولود ما أمكنها ، فيا ليتنا كنا كذلك مجابين الدعوة في الحال
ثم يوجده سبحانه وتعالى سائغاً ليس يحتاج إلى مضغ لكون الطفل بلا أسنان يمضع بها ، ولا يحتاج إلى هضم لأنه معدته غير قوية على الهضم ، ثم يجد فيه الري والشبع فيستغني عن الماء والطعام ، لأنه لا يقدر أن يطلب عند عطشه ماء ، ولا عند جوعه طعاماً ، فيهديه إليه ويهوى إليه لا إلى عضو غيره ، ثم يلهمه المص على تلك الكيفية سبحانه وتعالى ، ثم لا يزال ينمو ولا ينظر عياناً ، لأن كل شئ إذا مددته بعد أن كان متحيزاً لابد أن تنظر لمدة تأثيراً في طوله وعرضه ، وأما هذا النمو فهو في كل حالة لا يزال ينمو ، هو جملة وكل عضو من أعضائه وهو لا يدرك ، ثم يتولد معه التدبير ، وكلما زاد معه التدبير نزع الله الشفقة من قلب أبويه بقدر ذلط ، فإن أمه في أول الأمر لا تستطيع تفارقه ساعة ، ثم بعد قد تفارقه اليوم واليومين ، ثم قد تفارقه بعد أن يكمل تدبيره الزمان كله ، فلو لم يدبر له أمراً بل رضي بالله كفيلاً كما كان أولا لكفاه كل مؤنة ، وتيسير ما هو موجود أهون من إيجاد ما هو معدوم باعتبار عقل الإنسان ، ألا ترى أنك قد تهتم بتيسير قوت يومك وهو موجود على ظهر الأرض ، وتيسيره أهون من إيجاد اللبن من العدم من بين فرث ودم ، حسبنا الله ونعم الوكيل .
وقال رضي الله عنه : في قول أهل الكلام : الاسم عين المسمى أو غير المسمى خاضوا فيما لا يعنيهم ، وحيروا من اطلع على علومهم من بعدهم . الذات : هي جميع الأسماء ، وهو تعالى متجل بجميع صفاته في ذاته ، ألا ترى أن الرجل إذا كان حداداً نجاراً خياطاً عماراً عالماً |، فإذا رأيته رأيت رجلاً ، ثم إذا ظهرت لك صفة من صفاته علمته بها فسميته بها فإن علمته نجاراً – مثلاً سميته نجاراً ، وإن علمته حداداً سميته حداداً وهلم جرا ، فالباري جل وعلا يعلم بجميع صفاته من صنعه سبحانه وتعالى ، قال على بن أبي طالب رضي الله عنه ، للنبي r : أوصني يا رسول الله ، قال : " قل ربي الله ثم استقم " فقال : ربي الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال له النبي r : " لينهك العلم يا أبا الحسن " لأنه قال : ربي الله ، ومن قال : ربي الله ، فقد آمن بالله وبكتبه ورسله ووعده ووعيده ، ثم استحضر في جواب قوله : ثم استقم لا حول ولا قوة إلا بالله ، أي إن الاستقامة لا تكون إلا بحول الله وقوته وتوفيقه ، فإذا أردت ولم يرد الله تعالى لم تقدر أبداً ، ولو حاولت بكل ممكن
ثم قال : رأى بعض الأولياء النبي r فقال له : يا رسول الله ، قلت : شيبتني هود وأخواتها من القرآن ، ما الذي شيبك منها ؟ قال : قوله تعالى : (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) ولم يسأل على كرم وجهه عن الاسم ولا عن المسمى ، بل عرف بحقيقة الأسماء كلها بقوله : ربي الله ، ولم يجبه النبي r إلا بذلك الجواب الذي يظهر من فحواه أن قد علم بالعلم جميعه ، ثم في البقرة (وعلم آدم الأسماء كلها) أي أسماءه سبحانه وتعالى وإذا علم بأسمائه لزم علم أسماء غيره من جميع المخلوقات ، فلا حاجة لنا في ذلك العلم الذي يقال فيه : الاسم عين المسمى أو غير المسمى ، لأنه مظلم والعلم نور وهو خفي ، والشريعة ظاهرة ، والحق بين يثبت في القلب ، حتى لو أراد من عرف الحق أن يطمسه من قلب نفسه لما قدر ، والباطل داحض (إن الباطل كان زهوقاً) لا يحتاج إلى من يزهقه ، لأن العدم لا يحتاج لإعدام ، والوجود لا يحتاج إلى إيجاد ، وإذا بطل من الإنسان شئ من مفاصله بفالج أو غير ذلك نسأل الله العافية والسلامة ، لا يقدر أن يقوم ، بل يبقى قاعداً وإن أقامه غيره فلا يقوم إلا متى بقى ملازماً له فإذا تركه وقع ، والله الموفق .
وسئل :
رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن )
فأجاب :
الجهالة – هنا – هي أن يعمل السوء وهو جاهل بحق الله تعالى ، لا أنه جاهل أنه سوء ثم لما علمت بالله وعلمت أنه عندك حاضر لا يغيب ، وأن السيئة الصغيرة في جناب من عصيته كبيرة وأي كبيرة ، وعلمت بطشه وصدقت وعده وعيده وتبت من قريب ، تاب الله عليك ما لم تغرغر بالموت ، فإن تبت قبل أن تغرغر فقد تبت من قريب ، فأتى الله سبحانه بعلى في قوله إنما التوبة على الله أي وجبت لأنه لو قال من الله او لله فلا تؤدى هذا المعنى ، ثم قال تعالى : (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) فذلك لا ينفع
ثم قال رضي الله عنه : واعلم أن الإنسان في كل حالة مخاطب بالموت ، قال تعالى (نحن قدرنا بينكم الموت- وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) قال النبي r : " ما مددت بصري إلا وظننت الموت يبتدرني قبل أن يرتد إلى طرفي ، وما التقمت لقمة إلا وظننت الموت يبتدرني قبل أن أسوغها " هذا أو معناه ومن هنا ارتفع حكم التسويف والأمل قال تعالى : (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل) وقال تعالى : (ألم يأن للذين آمنوا أن تخضع قلوبهم لذكر الله) الآية . فالأمد والأمل بمعنى واحد ، وهو الذي يجوز أن يكون له فيه توبة ولا يتوب ، ولم يعلم أن الموت في كل حالة يطلبه لقول الصديق رضي الله عنه :
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وقال : رجال لبعض الأولياء لما رأوه لا يتكلم معهم في خوضهم : لم لا تتكلم معنا إنا نحن حديثك ؟ فأجاب : الحالة التي تحب أن تكون عليها عند الممات كن عليها في جميع الحياة ، فانظر إلى هذه الكلمة التي تلحق بالمعجز ، لأنك إذا رأيت الأمير النافذة أوامره وإذا قيل له : تموت غداً ، هل يبقي من أمره ذلك ؟ احبسوا فلاناً ، قيدوا ، شدوا الفرس ، جهزو الجيش ، أم ينتظر الموت ويرتقب له ويتهيأ له ؟ دائم الفكر متذكراً لسيئاته ، قد يذهل عمن عنده ، ولا يتكلم بشئ مما جرت به عادته ، وكذلك غيره من أهل الصناعات والزراعة والتجارة إذا قيل له : تموت غداً لا يشتغل بشئ من ذلك الذي هو فيه سابقاً ، بل يشتغل بالتأهب للموت ، فانظر معنى هذه الكلمة .
وسئل :
رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) ؟
فأجاب :
أي إن الأبرار لفي نعيم في الدين لأنهم في هدى ، والهدى نور ، والنور وجود ، والوجود هو الله ، وإن الفجار لفي جحيم لأنهم في ضلال ، والضلال ظلمات ، والظلمات عدم ، فيحيون بإحياء الله والأولون بحياة الله تعالى ، وليس من كانت حياته بإحياء الله كمن حياته بحياة الله ، وأني وأين ، فوجودهم كعدمهم ، وإن كانوا في الظاهر في نعمة ، ألا ترى أن الملك إذا كان حزيناً بموت ولده ، أو بنصر عدوه ، ربما كان في بستان أنيق بين نور وشقيق ، وفي يده مفاتح الخزائن ، وبين يديه الخيل الصوافن ، تتهادى له الجواري ، وينزه طرفه في العيون الجواري ، ويتبختر في ظلال زهوه ، ويتيه في قصور زخارفه ولهوه ، لكن قلبه في نار الحزن ، وعينه مطلقة للوسن ، قد عاف الطعام والشراب ، وضاقت عليه الفسيحات من الرحاب ، قال تعالى : (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) الآية ، وقال تعالى فيمن عداهم : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) أو قال تعالى : (ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون)
وسئل :
رضي الله عنه : هل يحتاج المصلي على النبي r أن يقول : وصحبه ؟
فأجاب :
قال : لا يحتاج لأنهم قد دخلوا في آله ، لأن الآل : هم المؤمنون من أمته ، فهم وغيرهم من المؤمنين قد دخلوا في الآل ، بدليل ما ثبت في بعض القراآت النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم وقوله تعالى : (إنا أعطيناك الكوثر) أي أهل الكوثر وهم الذين يقومون بشريعته من بعده ، كالخلفاء الراشدين من بعده ، ومن تبعهم لأن الكفار قالوا : إنه أبتر وأن هذا الأمر سيبطل بعده ، لأنه ليس له ذرية يقومون بهذا الأمر بعده ، فنزلت هذه السورة ، وأثبت الله بها معزتين : إحداهما : أن الله سبحانه وتعالى أقام هذا الدين بآله من بعده إلى الآن ، والثانية : أن الكفار حين تكلموا بذلك ولهم ذرية وأحفاد لم تمر أدنى مدة إلا ولا يعلم أن أحداً ينسب إليهم ، ولا بقي منهم بقية ، نفى نسبهم عن الدنيا بالكلية ، فسبحان العدل الحكيم ، وذلك مصداق قوله تعالى ( إن شانئك هو الأبتر)
وسئل :
رضي الله عنه : إذا صلى الرجل صلاة المغرب ثم أراد أن يتصدق على رجل آخر بالصلاة معه ، هل يقتصر على الثلاث ، أو يقوم بعد أن يسلم الإمام يأتي برابعة لكون الثلاث لم تشرع في حق المتنفل ؟
فأجاب :
بأن المتنفل إما أن يكون إماماً أو مأموماً فإن كان إماماً اقتصر على الثلاث ، كما ثبت في الحديث : أن رجلاً جاء إلى النبي r وقد صلى هو وأصحابه ، فقال النبي r : " أيكم يتصدق على الرجل فيصلي معه " ؟ فقام رجل قيل في حديث آخر : هو أبو بكر ، وإذا كان أبا بكر فهو الإمام بلا شك أنه الأفضل وهم لا يقدمون إلا الأفضل ، عملاً بقوله r : " إنما أئمتكم شفعاؤكم يوم القيامة فانظروا لأنفسكم شفعاء" وجائز أن يصلي المفترض خلف المتنفل لهذا . ولفعل معاذ ، كان يصلي مع النبي r ثم يخرج فيصلي بالناس ، ومعلوم أنه لا يرضى بالصلاة مع النبي r إلا فريضة ، ويتنفل حين يصلي بالغير وذلك في مغرب وغيره ، فهذا هو الدليل على الاقتصار على الثلاث وعلى أنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل ، وإن كان المتصدق المتنفل هو المأموم قام وأتى بركعة بعد أن يسلم إمامه لأن الثلاث في حق المتنفل ليست مشروعة .
وذكر رضي الله عنه : في حال كون المتنفل إماماً والمفترض مأموماً إنه ربما صار الأمر والتصرف للضعيف الأدنى كأن تحصر المرأة عن طواف الإفاضة فيجب على محرمها أن يحصر معها فتصير هنا متبوعة وهي في كل حالة تابعة
وقال رضي الله عنه : اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال ، فربما كان الحق عند من هو غير مقطور به ، وربما كان المقطور به يخفى عليه الحق ، ألا ترى أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لما استأذن عليه أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – ثلاثاً ولم يؤذن له رجع ، فلما فرغ عمر مما هو فيه قال : أين أبو موسى ؟ فقيل له : رجع ، فأمر من يبتغيه ، فلما وصل قال : لماذا رجعت ؟ قال : كان هكذا يفعل الصحابة مع النبي r ، فقال : لئن لم تأتني بشاهد لأوجعنك أو كما قال فقصد أبو موسى الأنصار فأخبرهم ، فقالوا : إن الصبيان منا يعلمونه ، فأرسلوا معه أصغرهم فشد بذلك ، والحال أن عمر كان أكثرهم استئذاناً على رسول الله r ، وخفي عليه مثل هذا
وكذلك لما خطب يوماً فنهى عن المغالاة في المهور ، فقالت امرأة : تنهى عن المغالاة في المهور وقد قال الله سبحانه وتعالى : (وأتيتم إحداهن قنطاراً) فقال : حتى النساء أعلم منك يا عمر ، فكن مع الحق يعرفك بأهله ولا تقل لو ثبت هذا لعلمه فلان ، فربما آخذ الحق من غير أهله ، كما قال سبحانه وتعالى حاكياً عن إبليس : (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) قال تعالى : (فالحق والحق أقول) أي فالحق تقول والحق أقول ، ثم ثبت في الحديث أن أبا هريرة – رضي الله عنه – لما كان على الصدقة جاءه إبليس فأمسكه ، فقال : لئن تركتني لأعلمنك شيئاً إذا قلته لم يدخل بيتك شيطان فتركه قال : تلك آية الكرسي ، فقال له النبي r لما أخبره : " لقد صدقك وهو كذوب " فالحق معروف لا غبار عليه
وقال رضي الله عنه في قول الله لرسوله : (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) إن من – هنا – للتبيين وقال تعالى بعد أن عدد الرسل في سورة الأنعام : (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) واستثنى سبحانه وتعالى واحداً منهم في أمر مخصوص فقال : (ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم)
وقال رضي الله عنه في قوله تعالى في قصة يوسف : (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) أي همت فيما هو همها فإنها قد عرضت من قبل ليوسف تعريضات فما بلغت ما تريد ، فلما لم يمكن إلا التصريح صرحت به فراودته عن نفسه صريحاً ، وهو عليه الصلاة والسلام همه الخلوص منها فهم لما غلقت الأبواب وقالت : هيت لك وما بقي منه بد بالتخلص منها بقتل أو بضرب أو بما يدفعها عنه لأن ذلك همه (لولا أن رأى برهان ربه) والبرهان الذي رأى : هو صورة امرأة العزيز لأنها برهان لصانعها جل وعلا ، لأن البرهان للشئ هو الدلالة عليه ، وذلك معنى قول أبي بكر رضي الله عنه : ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله ، ومعنى :
وفي كل شئ له آية ** تدل على أنه الواحد
فألهمه سبحانه وتعالى أن يدرأ بالتي هي أحسن ، ليصرف عنه السوء والفحشاء بذلك التخلص وهو الهرب (فاستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب) وقد كان يوسف أراد أن يكلمه عند أن ألفياه لكنه رد أمره إلى الله (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم) أشارت عليه بالسجن خوفاً عليه من القتل عنده الغيرة كما تفعله الملوك ، فلما تكلمت بذلك ونسبت إليه ذلك دافع عن نفسه فقال (هي راودتني عن نفسي)
وقال رضي الله عنه : إذا لم تجد دليلاً على الحادثة في عمل أو فتيا من الكتاب أو السنة فقل : لا أدري ، فهي خير لك من أن تفتي برأيك ، فإن قولك : لا أدري خير لك من أن تكذب على رسول الله r ، لأن من أحدث شيئاً في شريعته فقد كذب عليه ، وفي الحديث : " العلم ثلاثة : آية محكمة ، وسنة ماضية ، ولا أدري " هكذا هو أو معناه وقال الشاعر :
تعلمت لا أدري أنني ** إذا قلت لا أدري بأني لا أدري
غيره
إذا شئت أن تدري تعلمت لا أدري ** فإن قلت لا أدري أفادك من يدري
وإن قلت أدري لست تعدم سائلاً ** يبين بالتساؤل أنك لا تدري
وقال رضي الله عنه : لما سئل عن الدعاء المأثور عن النبي r في السجود وهو : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " هل يجوز ذلك مع أنه قد نهى عن تلاوة القرآن في الركوع والسجود ، وهذا الدعاء متضمن الآية ؟
فأجاب :
إن ذلك يجوز لأنه ليس قاصداً التلاوة ، والنبي r قال : " نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً " لأن التلاوة حكاية عن الله والركوع والسجود موضع خضوع ، ولا يحكى عن الله تعالى في موضع الخضوع ، لأنه نائب عن الله تعالى ، وهنا ليس بتلاوة فيجوز ، وكذلك في سجود التلاوة . فتبارك الله أحسن الخالقين
وسئل :
رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ؟
فأجاب :
إن لها وجوها : لأن الله سبحانه وتعالى لا يتحيز ، فكذلك كلامه لا يتحيز في معنى ، ومن حيزه في معنى فهو لقصور علمه وفهمه فأحد وجوه تفسيرها : هل جزاء الإحسان من الله ابتداء إلا الإحسان منه انتهاء ؟ أي ما ابتدأ سبحانه وتعالى من العطاء لا يسترجعه لأنه حرم ذلك على عبيده ، فما ظنك به جل جلاله وهو بالإحسان بادئ حاشاه يختم بالإساءة ، ولكن إذا نزعت عن الإنسان نعمة أنعم الله عليه بها فإنما هو لكونه لم يقبلها ، فإذا ألبسه الله حلة فقد يلبسها أياماً ثم يلقيها ، وقد لا يقبلها في الساعة فيقال له : أعطيناك حلة فلم تقبلها نحن نعطيها غيرك ، أي نعمة كانت ، نعمة دين ، أو نعمة دنيا (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ابتدأ كل إنسان بالإسلام ؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة فلم يقبله البعض بل تهود أو تنصر ، وعلى هذه غيرها من جميع النعم
وسئل :
رضي الله عنه : عن تفسير قول الله تعالى : (ويل لكل همزة لمزة) ؟
فأجاب :
إن ويل واد في جهنم مخصوص جعله الله للأفاك أي الكذاب ، وللمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، وللمطففين وللهمازين اللمازين ، والهمزة واللمزة متقاربان وهو الذي ينظر في عيوب الناس التي لا تضره ، ولم ينظر في عيوب نفسه التي تضره ، قال تعالى (هماز مشاء بنميم) وقال تعالى ك (ومنهم من يلمزك في الصدقات) أي يعيبونك (والذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) وهم المتشوفون بقلوبهم لما في أيدي الناس (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) وقال تعالى : (الذي جمع مالاً وعدده) أي هذا الرجل الملازم على جمع ما في أيدي الناس يحسب أن ماله أخلده ، وقد لا يأكل من ماله ذلك لقمة (كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليم مؤصدة) أي مطبقة (في عمد ممددة) وذلك لأن العمود الحديد إذا صار ناراً والنار لا تفارقه فهو أشد في العذاب ، نسأل الله العافية والسلامة .
وسئل :
رضي الله عنه : أي الأولى للإنسان : التكسب أو عدمه ؟
فأجاب :
إنه ينبغي للإنسان أن يقف حيث أوقفه الله ، فإن أوقفه في كسب بقي في ولا يتكل على ذلك الكسب ، فإن رجلاً من الصالحين كان خرازاً فحدثته نفسه يوماً إنه إن لم يعمل لم يأكل شيئاً ، فقال لها : وأنا عقوبة لك يا نفسي لأقفن حيث أوقفني الله ، ولا أطعمك مما اكتسب شيئاً ، فبقي كذلك حيث أوقفه يتكسب من حرفته ، ويتصدق به ولا يأكل منه شيئاً ، وإن لم يوقفه في تكسب بقي كذلك حيث أوقفه لكن لا يسأل ولا يتشوف قلبه إلى إعطاء أحد إلا الله ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق خلقاً للتكسب فلابد أن يتكسبوا وخلقاً للتكسب فلا يمكنهم فلا بأس بالأمرين ، وكلاهما حسن مع شروطهما ، ألا ترى أ، الصحابة في الهجرة ، بقي منهم جماعة في الصفة : منهم أبو هريرة ، وعثمان ابن مظعون ، لم يأمرهم النبي r بتكسب ، ومنهم من تكسب بالتجارة ، كعمر وعثمان لم ينههم النبي r
وسئل :
رضي الله عنه : عن أخذ الفقير لما أعطى هل لا بأس بذلك ؟
فأجاب :
إنه لا بأس مع عدم السؤال والتشوف لما في أيدي الناس ؛ فإن النبي r الذي من شمسه فاضت الأنوار على من سبق ومن لحق ، كان قبل الهدية . وفي الحديث : " كل لقمة لك لابد أن تأكلها ، فكلها بعز ولا تأكلها بذل " أي ربما أكلتها بسؤال والتجاء إلى مخلوق فتأكلها بذل ، وإن أكلتها وأنت عازم ومعتقد أنها من الله ، وإن أعطاك مخلوق فأنت أكلتها بعز ، وفي الحديث " لا ترضين أحداً بسخط الله ، ولا تحمدن أحداً على رزق الله ، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله " فإن رزق الله تعالى لا يسوقه إليك حرص حريص ، ولا يرده عنك كراهية كاره ، وإن الله عز وجل بعدله وقسطه جعل الروح والفرج في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ، إنما الشكر الذي أمرنا به لمن أحسن إلينا ، لكونه السبب كما قال تعالى : (أن اشر لي ولوالديك) فإن الخالق البارئ المصور هو الله سبحانه وتعالى ، وأبواك السبب فأمرك بشركهما ، بل قرن شكرهما بشكره سبحانه ، وإذا أرجعت ما أعطيته فقد أسأت الأدب ، لأن الله تعالى أعطاك ذلك فلم تقبله ، وهذا إساءة أدب وأي إساءة فرجل عاهد الله تعالى أن لا يسأل أحداً ، ولا يأخذ شيئاً إذا أعطى وهو في الحج حينئذ فكابد مكابدة عظيمة ، وأدركه الجهد ، فلما كان يوم منى رأى رجلاً في أعلى سوق منى يسعى سعياً بالغاً ، فلما سامته ألقى في حجره فلوساً ، ثم ذهب لا يستطاع أن يلحق ، فبقي الرجل مفكراً ، لأنه قد عاهد الله أن لا يقبل شيئاً والرجل لم يعلم من هو ، ولا يمكن لحوقه فأخذ ذلك رغماً منه ، وكان تأديباً له ، لأن هذه الصورة هي أعظم ما يكون في موافقة ما يريد له لكنه لم يخرج من قبولها .
فقيل له : فإن كان المعطى ظالما ؟ قال : إن علمت أنه ينزجر ويخاف إذا أرجعت ما أعطاك أرجعته ، وإن لم يؤثر قبضته وتصدقت به ، لأن ما في يده مال الله محبوس في يده ، يدعو الله أن يطلقه ، فكان لك السعي في إطلاقه ، وإن كنت تعلم بصاحبه أرجعته له
فقيل له : فإن كان أكلاً كأن يكون دعوة فكنت ممن دعى ؟ فقال : إن أمكنك الخلوص فهو الأولى ، وإن لم يمكن ولابد ، فكل وتصدق بمثله في مقابلته ، لأنه لابد من المحاسبة على مثاقيل الذر ، فتكون هذه في مقابلة تلك ، وإن كنت فقيراً نويت ذلك إن يسر الله عليك ، " ونية المؤمن خير من عمله "
فقيل له : فإن وقع ذلك كيف الخلوص منه ؟ قال : التوبة . وصورة التوبة فيما كان بينك وبين الله تعالى : أن ترجع لكل ذي حق حقه إن كان معلوماً ، وإن لم يعلم تصدقت بذلك أو بمثله ، حتى تعلم أنك قد أوفيت ، وإن كنت فقيراً نويت ذلك ونية المؤمن خير من عمله ، وقصارى الكلام : أن الظالم محنة على نفسه وعلى غيره ، ففر منه أي فراراً (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) والظلم بمعنى النقص قال الله تعالى : (أتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) أي لم تنقص وأي شئ أنقص من نفسك فإنها عدوة لك ، فلا تركن إليها فتمسك النار
وقال رضي الله عنه : " سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العاملين ، ويدخلهم النار أول الداخلين ، إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا ، فمن تاب تاب الله عليه : الناكح يده ، والفاعل ، والمفعول به ، والضارب والديه حتى يستغيثا ، والمؤذي حتى يلعنوه ، والزاني بحليلة جاره ، ومدمن الخمر " هذا الحديث عن النبي r ، ما أدري السبعة مجموعة في لفظ الحديث أو كل واحد على انفراده
وقال رضي الله عنه : في التتن أي التنباك حين حدث بحديث عن رسول الله r ، وهو ثلاثة يكرههن الله : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، فقال : وأعظم إضاعته في التنباك ، فأي عقل لمن اشترى منه الرطل كما بلغني في سنة متقدمة عدم فيها ، وبلغ الرطل أحد عشر ريالاً ، أعقل هذا وراءه بل هو بمسافة من ورائه ، علا كسا به عارياً ، هلا أطعم به جائعاً ، وهو لا يسمن ولا يغني من جوع ، وليس بدواء كما يخيل لهم فإن الدواء والسم إذا دوام عليهما إنسان لا يضره السم ولا ينفعه الدواء ، والحال أنه داء مقطوع به ، فكيف زعمهم بأن التنباك دواء ؟ وهو يشرب الدواء أكثر من قوته ، وأيضاً فهو داء ، ألا ترى إلى منافس المطبخ التي يخرج منها الدخان كيف اسودت ، فكيف صدر هذا الشارب له وحلقه قد تراكم فيهما الصدأ ، فكيف يرجى النفع فيما هذا حاله ؟
فإنا عرفنا عدة من الناس ممن تركه ابتهجوا ، وخفت عليهم المؤنة واعتدلت طبائعهم ، كما أخبرونا وتوفر لهم النوم الذي هو سبات الإنسان وثبات عقله ، والحال أنه تركه بعد أن فعله ، فكيف الذي لم يذقه البتة ، هل اتفق له داء لا يكون دواؤه إلا التنباك ؟ ، لا بل ليس مذكوراً في كتاب من كتب الحكماء ، ولا سمع عن حكيم إنه دواء ، فأي إضاعة للمال أشد من هذه الإضاعة ؟ مع أنه أخبرني من أثق بخبره ولا أشك في صدقه : أنه رأى النبي r في المنام ، فقال له : يا رسول الله ، التنباك حلال أم حرام ؟ فالتفت إلى عائشة وهي بجنبه فقال : لو شربته هذه لما قاربتها ، فقال : أحلال أم حرام ؟ قال : لو شربته هذه ما قاربتها ثلاثاً ، قال الرائي : فحدثت نفسي أني أقول له : هل حرمته في الشريعة ؟ ففي أي موضع من مواضع الحديث فأنسيت في الحال . فانظر إلى هذا الذي لو شربته عائشة أم المؤمنين لفارقها رسول الله r أي داهية أعظم من فراق رسول الله r أم المؤمنين وأي تعريض بتحريمه أعظم من هذا ؟ ومن رأى النبي r فقد رآه حقاً ، ومن رآه مناماًُ فكأنا رآه يقظة .
وقال رضي الله عنه : لما سئل عن الذنب الذي أذنبه داود عليه السلام ، فخر له راكعاً وأناب ، فقال : قد ذكر رجل فيما تقدم في مجلس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، قصة داود عليه السلام ، فقال رجل من العلماء : إن كانت القصة كما ذكرت فالله ستره ، فلا ينبغي لنا إن نهتك ستر الله على رسوله ، وإن كانت القصة كما ذكرت فالله ستره ، فلا ينبغي لنا أن نكذب على رسول الله r ، فقال عمر : هذا الكلام أحب إلي من حمر النعم ، وما قاله المفسرون في قصة داود عليه السلام ، أخذه بعض العلماء السالفون ، فقال : لم يذكره الله سبحانه وتعالى ، فإن قلنا / إما أن نخطئ أو نصيب ، فإن أخطأنا كذبنا على نبي الله ، وإن أصبنا كشفنا ستر الله ، لأنه لم يذكره ، وقد غلط – هاهنا – كثير من المفسرين ، والمقام خطر نسأل الله العافية
وقال رضي الله عنه :إذا أردت أن تسترشد أحداً ، أو تأمره أو تناه ، فابدأ بنفسك ، ثم بأهلك ، فإن عمر رضي الله عنه كان إذا أراد أن يأمر بشئ ، أو ينهى عنه ، لا يفعل حتى يبدأ بأهل بيته ، ثم لن لمن وعظت ، ولا تنفره بالتبكيت ، فإن بعض العلماء دخل على الرشيد فقال له : إني جئت لأعظك فاصبر لي ، لأني أريد أن أغلظ عليك ، فقال : لا تفعل فإن الله أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني فقال : (فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى) فكان الرشيد أعلم منه . وإذا لنت في الخطاب كنت مقتدياً بالقرآن والسنة ، وما عليك أن لا ينفع أمرك أو نهيك ، فإن الموعظة كالريح تجمع بين الضدين تطفئ وتؤجج ، قال تعالى : (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى جسهم وماتوا وهم كافرون)
وسئل :
رضي الله عنه : عن أخذ الأجرة على درس القرآن أو على تعليمه ؟
فأجاب :
إن ذلك حرام لأن النبي r هو المقتدي به في جميع الأمور ، ما لم يبين لنا r أن ذلك الحكم خاص به ، ونحن مأمورون باتباعه (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) والحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) ، وفي الحديث : " حق على الله في قارئ القرآن أن لا تأكله النار ما لم يأكل به ، ما لم يعل به ، ما لم يراء به ، ما لم يدعه إلى غيره " وأحلت الأجرة في الرقيا به لا غيره ، كما ثبت في حديث : " وما يدريك أنها رقيا" ، ثم قال : " اقسموا لي معكم" ليبين لهم أن ذلك في غاية من الحل ، ثم هو r مأمور بالتبيين قال تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فلو كان قوله تعالى : (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) خاصاً به لبين لنا ، فإن القرآن لم يجمل بل بين بعضه بعضاً ، أو بينته السنة ، فانظر إلى قوله تعالى : (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) واليد عند العرب مطلقاً إلى العضد ، فبين بقوله : (إلى المرافق) وقال : (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولم يبين ، فبينته السنة بأن ذلك من الرسغ ، ومن السنة ما بينته السنة مثل : تجزيك ولا تجزي غيرك ، فكيف لا يبين لنا أمر الأخصية ونحن مأمورون باتباعه ، وما كان ربك نسياً
ومن فوائده رضي الله عنه : في الطب أنه وصف من ابتدا فيه الجدري أن يطلى بنشا ، يخلط عليه ملح بقدر ما يؤثر طعمه فيه ، وذلك مجرب نفعه ، ويطلى بواطن قدميه بحناء وعصفرة ، فإنه يدفعه عن العينين ، ووصف في الورم إذا وقع في الرجل واشتد الوجع بأن يؤخذ زبل الغنم القديم ، ويدق ناعماً ، ثم يطبخ بماء طبخاً جيداً ثم يضمد عليها
وقال رضي الله عنه : إذا نظرت إلى من عصيت فلا صغيرة من الذنوب ، بل أصغر الصغائر كبيرة ، فانظر إلى من أذنبت إليه ولا تنظر إلى الذنب نفسه
وقال رضي الله عنه : عامل العبد لأجل سيده ، فإن عاملت العبيد لأجل سيدهم عاملك بما عاملتهم به (سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) فإن كنت رحيماً بهم كان بك رحيما ، وإن كنت عفواً عنهم كان عفوا عنك ، وما اتصفت بصفة من صفاته سبحانه وتعالى إلا اتصف لك بها عند الفاقة والاحتياج والافتقار
وقال رضي الله عنه : قال سبحانه وتعالى : (وأقرضوا الله قرضا حسنا) سبحانه وبحمده ما ألطف هذا الأمر ، من ملك الدنيا والآخرة نزل نفسه سبحانه وتعالى منزلة المستقرض ، لما ادعينا أن لنا مالاً وأنا نملكه ، فطلب منا شيئاً منه على جهة القرض نعطيه فقراءنا ، وهو يتولى قضاءه ، فجعل نفسه ولياً في الأخذ للقرض وفي القضاء ن فإن الصدقة لا تقع في يد الفقير إلا وقد وقعت في يد الله ، ليربيها حتى تكون اللقمة كأحد ، ويضاعفها لنا ثم يعطينا إياها عند الفاقة والحاجة إليها ، وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله عني حميد) أي أنفقوا من أطيب ما تجدون كما فسره قوله تعالى : (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وكما تحبون أن يعطيكم الله سبحانه وتعالى فأحبوه لغيركم منكم ، ولو نظر الغني إلى النعم التي أنعم الله عليه بإيجاد الفقير – وهو سبحانه قادر على أن يغني الجميع – لكان الفقير أعز عنده من كل شئ ، لكونه سبباً لهذا الشرف وهذه المزية التي لا يعادلها شئ ، وهي أخذ الحق منه سبحانه وتعالى .
وقال رضي الله عنه : لما رغب النبي r الصحابة في الصدقة ، قال عمر رضي الله عنه – وصادف قول رسول الله r : عندي مال ، ثم قال عمر رضي الله عنه في نفسه : إن كنت سابقاً سبقت أبا بكر اليوم بصدقة عند تجهيز الجيش إلى النبي r ، فحمل نصف ماله ثم أتى ، وإذا أبو بكر رضي الله عنه قد أتى بجميع ماله ، فقال النبي r لعمر : ما تركت لأهلك ؟ قال : تركت لهم نصف مالي ، وقال لأبي بكر : ما تركت لأهلك ؟ قال : تركت لهم الله ورسوله ، قال r : " بينكما ما بين كلمتيكما " وجاء رجل آخر بشئ من ذهب وذلك جميع ماله ، فقال له النبي r : ألك غيره ؟ قال : لا . فأرجعها له ن فأعطاها ثانياً فارجعها النبي r ، فأعطاها ثالثاً فرمى بها النبي r ، حتى كاد أن يشجه ، وذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل شيئاً إلا بإذن ربه تعالى ، فأبو بكر أخذ منه جميع ماله ، لأنه قال : تركت لهم الله ورسوله ، والرجل لم يقبل منه لكونه قال : ما تركت لهم شيئاً ، والفرق بين ابي بكر وعمر في الفضل كالفرق بين كلمتيهما ، لأنه r قال لهما : " بينكما ما بين كلميتكما "
وقال رضي الله عنه : في قول رسول الله r : " تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة " إن ذلك ليس موقوفاً على هذه المذكورات ، بل تعس عبد الكتاب لأنه يلهو بنقشه عن عبادة الله ، يخدم الخادم ويرفض المخدوم ن فربما بقى في تدقيق المسائل حتى فاتته الجماعة أو الوقت ، وتعس عبد الهيئة ، فربما لا يخرج بين الناس إلا في هيئة مخصوصة ، فهو يبعدها ويسوى عمامته ويتعب في تحصيل ما يشتري به الثوب الذي لا يبرز بين الناس إلا به ، وإذا شغله شئ عن الله فقد شاركه في العبادة ن ومعنى ذلك أن تدخل ذكره على فكرك ، كلما ذكرت الله سبحانه ذكرته مثله أو أقل أو أكثر ، فإن كان مثله فهو معنى قوله تعالى : (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله) ومعنى قوله سبحانه : (والذين هم بربهم يعدلون) أي يعادلون به غيره كمعادلة المحول على البعير ، وهي المساواة وإن كان أكثر فهو معنى قوله تعالى : (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) وإن كان ذكره تعالى أعدل وأكثر فهو أول درجات الإيمان وهو معنى قوله تعالى : (والذين آمنوا أشد حباً لله) وذلك بقدر ذكرك للشئ ، يكون حبك له ، وإذا لم يكن في قلبك إلا الله ولا تحب سواه ، فلا تذكر غيره ولا تشتغل إلا به ، وهذه أعلى درجات الإيمان فلا تشتغل بنقل الرسوم ولا بغيرها عن عبادة الله سبحانه وتعالى ، ليكون قلبك فارغاً عما سوى الله سبحانه بجميع أفعالك وحركاتك وسكناتك وأقوالك
قيل إن مجنون ليلى لما زارته وقالت : ها أنا ذه ، ما تريد مني ؟ قال لها : إليك عني فإن حبك قد شغلني عنك ، وأما من أنفق بسطته في طلب الرسوم ظاناً أنه العلم فقد أخطأ ، ولو علم معنى قوله تعالى (وقل رب زدني علماً) أن المراد علمه بالله سبحانه وتعالى لما خاض في الرسوم والزيادة في الأحكام ، فإن النبي r وضع عنا من الأحكام منها : أنه راجع في الصلاة من خمسين إلى خمس ن ومنها : أنه لم يعد لصلاة التراويح خشية أن تفرض ، والعلم بالله سبحانه مستفاد من تقواه (واتقوا الله ويعلمكم الله) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) وبالله التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل
وسئل :
رضي الله عنه : عن تعارض الحديثين مثل حديث على بن طلق في مس الذكر : " إنما هو بضعة منك " وحديث بسرة : " من مس ذكره فليتوضأ " ؟
فأجاب :
أن لا تعارض بينهما ، والعمل بهما لا يرجع إلى قاعدة المحدثين من التصحيح والتضعيف ، لأنه قد ورد الحديثان فإن عملنا بحديث طلق لم يبق عمل بحديث بسرة ، وإن عملنا بحديث بسرة كان العمل بكلا الحديثين ، فعملنا به وحكمنا بالوضوء لأنه إن كان ناقضاً فقد توضأنا منه ، وإن كان غير ناقض فالوضوء على الوضوء نور على نور ، وإذا وردت أحاديث مثل أحاديث التشهد فالأولى العمل بها جميعها ، ففي رواية : التحيات لله والصلوات والطيبات ، وفي رواية : التحيات لله الصلوات لله الطيبات لله ، وفي رواية : الغاديات الرائحات ، وفي رواية : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وفي رواية : بحذف لا شريك له ، وفي أخرى : بحذف وحد ، وحذف لا شريك له ، فيعمل بالجميع ن تارة بهذا الاسم ، ثم قال في حديث الزكاة : فيما سقت السماء وأنبتت الأرض ، وحديث : لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ، لا تعارض بينهما ، وإنما قدر الأوسق لكونه قد أجمل فيها أنبتت الأرض فشمل الخضروات وغيرها ن فبين بذكر الأوسق أنه لا يزكى إلا ما يكال ن وأفاد فائدة جيدة وهي تقييد النصاب ، فالثاني مبين ، والأول مجمل ، وفي القرآن – أيضاً – ما هو مجمل يبين بعضه بعضاً ، كما في قوله تعالى : (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) هذا مجمل بينته إحدى القراآت (من أم) وقوله تعالى : (فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً) هذا مجمل بينته إحدى القراآت وهي بعد قوله وكان أبواه مؤمنين ، وكان هو كافرا ، فهذا صريح وإن أدمج كفره في قوله : (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) وقوله : (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكهرهن فإن الله من بعد إكراههن) هذا مجمل بينه الثابت في إحدى القراآت (لهن) (غفور رحيم)
وسئل :
رضي الله عنه : عن هذا الشرط ؟
فأجاب :
فقال : لا يؤخذ بمفهومه بل إذا لم ترد تحصناً وهي زانية فلا يتملكها بل يبيعها ولا يجب عليه أن يبين للمشتري أنها زانية ولا يكون عدم التبيين خيانة ، لأن القلوب بيد الله وهو مقلب القلوب سبحانه فسترها هو الذي يجب عليه . انتهى
وسئل :
رضي الله عنه : عن الشرط الذي في قوله تعالى : (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) ؟
فأجاب :
إن الآية تحتمل معنيين : أحدهما : قصر الصلاة من رباعية إلى ثنائية ، والآخر عدم التطويل ، لأنه ثبت أنه كان يحصل لبعض الصحابة – رضي الله عنهم – حزن بعدم التطويل ، وفي بعض الأحاديث أن اثنين من الصحابة قام أحدهما يصلي ونام الآخر ن فجاء العدو ورماه بسهم فسهم اثنين أو ثلاثة فقال النائم للمصلي : هلا ايقظتني ؟ قال كنت في سورة طويلة فخشيت أن أقطعها ، ومفهوم الشرط معمول به في هذا المعنى ن وأما على كون القصر من الرباعية إلى الثنائية فليس الشرط معمولاً به ، بل تقصر الصلاة في السفر في الأمن
وسئل :
رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب)
فأجاب :
بأن الحكمة : هي استعمال العلم في محاله ، وأن يجتنب ما نهاه ربه عنه على أحسن حال ن وأن يستعمل مكارم الأخلاق مع جميع خلق الله تعالى .
وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (ففهمناها سليمان) قال : المذكور في القرآن قصة واحدة وهي ثلاث قصص : الأولى : المذكورة في القرآن وهي قوله تعالى : (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً) وذلك أنه لما جاء الخصمان عند داود عليه السلام حكم عليه داود أن يغرم لصاحب الزرع زرعه ، فلم يجد ما يغرم صاحب الغنم سوى الغنم فغرمها جميعها لصاحب الزرع ، فمراً على سليمان عليه السلام فسألهما عن حكم داود فأخبراه فقال : أنا أحكم غير هذا الحكم ، الغنم تبقى لدى صاحب الزرع ينتفع بألبانها وصوفها ، وصاحب الغنم يقوم بمؤنة الأرض حتى تعود كما كانت عليه ، وكل واحد منهما يرد لصاحبه حقه ، فقال الله سبحانه وتعالى : (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) وداود حكمه ذلك هو عين الصواب ، لأنه حكم عليه بأن يغرم ما أفسدته أغنامه فقدر الذي أفسدته فجاء بقيمة أغنامه فهو عن علم وحكم ، لكن حكم سليمان أخف لأن كل واحد منهما صارت نفسه طيبة بذلك الحكم .
والقصة الثانية : أن امرأتين خرجتا إلى البرية بولديهما صغيرين ، فجاء الذئب فافترس أحد الطفلين ، فسبقت الكبيرة من المرأتين – وقد فقدت ولدها – إلى ابن الصغرى فأخذته ، وادعت أنه ولدها ، فتحاكمتا إلى داود وكل واحدة ادعت أنه ولدها ، لكن لما كان في يد الكبرى حكم لها به لكون يدها ثابتة عليه ، وذلك عين الصواب عندي حكم غير هذا ثم أخذ الشفرة وقال : نقسمه نصفين ، لكل واحدة نصفه ، فرضيت بالحكم التي هو في يدها ، والأخرى قالت : لا تقسمه يا نبي الله ، هو ولدها قد رضيت بحكم داود ، فعلم أنه ولدها لأنه أدركها الحنان الذي لا يتفق إلا للأم فحكم لها بالولد . القصة الثالثة : أنهم جاءوا بامرأة بكر حول فرجها مني ن فأراد داود أ، يقيم عليها الحد ائتوني بنار ثم أحمى الذي يزعمون أنه مني على النار فنضج وإذا هو زلال بيض ، فتيقن أن ذلك كيد وأنقذها من حكم الجلد
وسئل :
رضي الله عنه : ما الفرق بين العفو والغفران ؟
فأجاب :
فقال : الغفران بعد العتاب ، والعفو بلا عتاب ، كما جاء في الحديث ، أن الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يكتب إلى رجل من عباده كتاباً يقول فيه ، أنت فعلت وتركت ، يذكر ذنوبه ثم يقول : لكن قد غفرناها لك ولم نطلع أحداً عليها ، فيخجل ذلك الرجل غاية الخجل من ذلك ، فهذا غفران ، والعفو تفسيره : ما ورد أن الله سبحانه وتعالى يذكر ذنوباً لرجل شائب فيقول : لا يا رب ما فعلت شيئاً من ذلك ، فتقول الملائكة : أما علمت يا رب أنه فعل ولكنه كذب ، فيقول : بلى ولكني استحييت أن أكذب شيبته ن فيدخله الله سبحانه الجنة . فسبحان اللطيف الخبير بهذا الذنب العظيم ، وهو إنكاره لذنوبه عند توبيخه بها من المطلع عليها الذي سعد بسببه السعادة العظمى ، فهذا هو العفو وأي عفو هذا ؟ يني أن العفو كونه لم يظهر أنه كذب بل ستره ولم يعاتبه عليه
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك) وهي الجمال والكمال (ويهديك صراطا مستقيما) وهو سر قوله تعالى : (إن ربي على صراط مستقيم) (وينصرك الله نصرا عزيزا) والنصر العزيز لا يكون إلا لله تعالى ، ثم قال بعد تمام هذه الآية : (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا) أعاد الضمير مفرداً ولم يعده مثنى فهنا نكتة بينها قوله تعالى : (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) وذلك معنى قوله تعالى في الحديث القدسي : " لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ن وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ن ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها " كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى
تأمل سطور الكائنات فإنها ** من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها إن تأملت خطها ** ألا كل شئ ما خلا الله باطل
وفي بيعة الرضوان قال النبي r : " هذه يد الله " وأشار إلى اليمنى " وهذه يد عثمان " وأشار إلى اليسرى ، أو قال : اليسار ثم وضع إحداهما على الأخرى ، فظهر معنى
ذلك بالفعل في ارتقاء عثمان رضي الله عنه على المنبر إلى الدرجة التي كان يرتقي إليها النبي r بعد أن ولى الأمر ، قال الله سبحانه وتعالى : (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) فرقى النبي r إلى درجة النبوة ، ثم رقى أبو بكر – رضي الله عنه – إلى الدرجة التي تحتها ، وهي درجة الصديقين ن ثم رقي عمر – رضي الله عنه – بعده على درجة الشهداء ، وهي التي تحتها ، ثم جاء عثمان رضي الله عنه فرقى إلى الدرجة التي كان يرقى إليها النبي r ، وذلك في شطر خلافته الأخرى ، ليظهر سر وضع يد الله سبحانه وتعالى ما يليق بجلاله في يد عثمان ، عند بيعة الرضوان وهم نقموا على عثمان في ذلك ولكنهم لم يعرفوا الحقائق في الأمور ، وبالله التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وقال رضي الله عنه : كان النبي r يقف على رؤوس الآي ويرتل القرآن ، وذلك مأخوذ من الرتل وهو الفرق الفاصل بين الأسنان كما أمره الحق تعالى : (ورتل القرآن ترتيلا) فإن قراءة الفاتحة ورد في الصحيح أن الإنسان يقول : (الحمد لله رب العالمين) فيقول الله : حمدني عبدى ، فيقول : (الرحمن الرحيم) فيقول الله تعالى : أثنى علي عبدي ، فيقول : (مالك يوم الدين) فيقول الله سبحانه وتعالى : مجدني عبدي ، ثم يقول (إياك نعبد وإياك نستعين) فيقول الله سبحانه وتعالى : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال ، ثم يقول : (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها فيقول سبحانه وتعالى : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ، فالوقوف عند رؤوس الآي حتى يجيبه ربه بذلك ، لأن شروع العبد في الكلام الثاني قبل جواب سيده عليه في الكلام الأول من سوء الأدب ، وقولهم : لا يقف الإنسان عند قوله : (إن الإنسان لفي خسر) إنما هو رأي لا فائدة تحته ، فإن القارئ إذا وقف على خسر استشعر القلب أمراً يجب عنده الحضور ، وبعد كماله في الحضور ، ووقوفه في مرتبة الخوف ، يبتدئ (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) كذلك في قوله (ثم رددناه أسفل سافلين) يستشعر القلب وكأنه يسائل عند ذلك أو يقف على ما يطمئن به خاطره ، وذلك قوله تعالى : (آيات للسائلين) والسائل هو الذي يمعن النظر في التدبر ، فإذا كان كذلك فلابد أن يحصل الخوف عند قوله : (أسفل سافلين) ثم يتأمل قليلاً عند وقوفه في هذه الأسفلية ، ثم يفتح باب الرجاء بقوله : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) فينبغي للقارئ أن يقف على رؤوس الآي كما فعل الرسول r
وقال رضي الله عنه : في مدح التخلي عن الناس قال الله سبحانه وتعالى : (فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا) في مريم عليها السلام وقال تعالى (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب) فنتيجة الواهب تحصل من مقدمة العزلة
وقال رضي الله عنه : المؤمن كلما اتصف بصفة من صفات الله تعالى قرب منه ، إلا سورة الإخلاص فلا يشاركه في صفاته فيها أحد ، فإن آدم عليه السلام ، لم يولد لكنه يلد وعيسى عليه السلام لم يلد لكنه يولد من جهة الأم لا من جهة الأب ، والله سبحانه وتعالى (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) لا إله إلا هو ، آمنا بالله وكتبه ورسله
وقال رضي الله عنه : تأملت في قوله تعالى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام : (فسخرنا له الريح تجري بأمره) وقال للنبي r : (ليس لك من الأمر شئ) فلاح لي المعنى – بحمد الله – فسررت به ، وهو أن الله سبحانه وتعالى تولى أمره جميعه في جميع أحواله : في حركاته ، وسكناته ، وإقدامه ، وإحجامه ، وسيره ، ووقوفه ، ونطقه ، فهو سبحانه بصره ولسانه ، وسمعه ويده . (قيل) لبعض الأولياء – وهو أبو يزيد رضي الله عنه – فوض أمرك إلى الله ، فقال : ليس لي أمر فأفوضه إليه ، وفرقان بين الأمر من الله سبحانه وتعالى وبين الأمر من العبد
وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً) وهو جل جلاله إذا أمر بخلق حسن فهو أحق به ، بدليل ما كان الله لينهاكم عن الربا ويأخذه منكم فهو أحق سبحانه إذا حضر قسمة الرحمة منه سبحانه وتعالى بين خلقه أن يرزق منها من أساء من خلقه ، وهو أرحم الراحمين لا يحكم على خلقه حكماً إلا وهو أولى به جل وعلا ، وحين خرج موسى عليه السلام يستسقى بجميع قومه أوحى الله إليه : إن فيكم رجلاً نماماً خطاء فقال : يا رب ، عرفني من هو استتيبه ؟ فقال : كيف أنهى عن النميمة وأكون نماماً ؟ سبحانه وتعالى ، ما ألطفه بخلقه ، وأمره أن يأمرهم جميعاً بالتوبة ، فيكون من جملتهم ، وفي الحديث ما معناه : إن الله لا يعذب مسلماً تسمى باسم نبي كرامة له من حيث اتحاد الاسم ، ولا يعذب الله سبحانه وتعالى من تسمى : مؤمناً ز يقول : أنا المؤمن وقد سميتكم المؤمنين فقد وافق اسمكم اسمي فادخول افي رحمتي ، وهذا أعظم الرجاء . ثم قال : واجعل الخوف في معادلته فإنه ليس للتسويف هنا مسلك ، بل الرجاء يكون أكثر من الخوف ، لأنه ورد أن المحتضر للموت إذا كان عنده أحد فليذكره بالرجاء وسعة الرحمة ، كذلك الإنسان فإنه في كل حالة محتضر (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) فليس للتسويف هنا من مدخل ، (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) ومن هنا يتولد التسويف يعني من طول الأمل ، وهو استبعاد الآخرة لا من الرجاء
(قيل) لرجل صالح : علمني فقال : أجمع لك التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، في ثلاث كلمات : أن تخاف الله تعالى خوفاً لا يكون شئ أخوف عندك منه ، وترجوه رجاء أشد من خوفك منه ، وأن تحب للناس ما تحب لنفسك ، وفي الحديث : (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء)
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله سبحانه وتعالى : (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك) من هو الظان هنا ؟
فأجاب :
بأن الظان : هو الرجل لا يوسف ؛ لأنه لا يجوز الظن على يوسف عليه الصلاة والسلام ، لأنه أوحى إليه الحق – سبحانه وتعالى – بتأويل الرؤيا ، والظن لا يغني من الحق شيئاً ، وإياكم والظن فإنه أكذب الحديث ، فكيف يظن يوسف فيما أوحى إليه ربه سبحانه وتعالى ؟ وقد غلط المفسرون في قوله تعالى : (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) أن الظن – هنا – في موضع العلم وليس كذلك ، بل الظن – هنا – في محله ، والمراد أنهم يظنون في صلواتهم تلك أنهم ملاقو ربهم فيصلون صلاة مودع ، وهذه حالة المؤمن ، أنه في كل حالة يترقب الموت
وقال رضي الله عنه : قال رجل صالح لآخر : من أين أقبلت ؟ فقال : من الصيد ، قال: أو لست محرماً ؟ يعني أنهم قاصدون ربهم كما يقصد الحاج مكة فإن الحاج يحرم حتى يقضي مناسكه ، كذلك هم محرومون حتى يلاقوا ربهم ، فإذا لقوه أحل لهم كل شئ وهذه حالة عظيمة ، وهي سر قوله r : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" وقال تعالى : (وله أسلم من في السماوات والأرض) حتى الغنم والبقر سالمة من شرهم، والحال أنهم يذبحونها لكن ذلك بغيتها ، فإن أكل المسلم لها عندها كالشهادة عندنا ، فذلك الذبح أوصلها بغيتها التي لا بغية لها فوقها ، وقوله : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" هو من حديث ثمامة " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ، والمجاهد من جاهد نفسه وهواه " وهو الجهاد الأكبر وقوله : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " أي إذا رأيت منكراً وما قدرت على إزالته تركته وقمت عنه ، وانتقلت إلى موضع غير ذلك الموضع ، ولو بمسافة يسيرة فإن خطواتك تلك خطوات هجرة ، وكذلك قوله تعالى : (الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) أي يظنون في ذلك القتال لأن المجاهد الصابر متيقن لأحد الأمرين : إما الشهادة أو النصر ، ومتظن أيهما يقع بخلاف الفار من الزحف ، فإنه آيس من الأمرين لأن النصر قد فقد بالقرار لا محالة ، وكذلك الشهادة والفرار – أيضاً – لا ينجيه من القتل إن كانت كتب عليه ، فربما وقع فيما فر منه وحرم إحدى الحسنيين : النصر ، أو الشهادة (ذلك هو الخسران المبين) فالظن في محله كما ترى .
وقال رضي الله عنه : في تفسير قوله تعالى : (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) رحلة الشتاء والصيف هو إتيان الحجيج إليهم ، أي قريش في الشتاء إن كان الحج شتاء أو في الصيف إن كان وقت الحج في الصيف ، لأنهم يقبلون إلى مكة من كل فج عميق ، ويقتحمون الأخطار والمشاق ن يأتون بأرزاق أهل مكة (تجبى إليه ثمرات كل شئ) وهذه هي المنة العظيمة عليهم ، أن غيرهم يسعى إليهم برزقهم مع مشقة عليه ، وأي مشقة يقاسون من الشدة والتعب والبرد إن كان الحج في الشتاء ، ومن شدة الحر إن كان الحج في الصيف ، وهم ماكثون قاطنون في أوطانهم آمنون ، كما تراهم الآن فليعبدوا رب هذا البيت الذي هو السبب في ذلك (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) لا كما ذكر المفسرون من أنها رحلة اليمن والشام يرحل إليهما أهل مكة وهم قريش ، لأن الله سبحانه أراد أن يظهر لهم النعمة التي هم فيها ، ويعرفهم بها ، وأما إذا سافروا بأنفسهم فهم كغيرهم من الناس ، بل يحمل إليهم من محاسن جميع الأرض وهم واقفون في أوطانهم يأتيهم بها غيرهم ، وهذه هي النعمة العظيمة التي لا نعمة فوقها .
وسئل :
رضي الله عنه : عمن رأى النبي r على غير الصورة التي هو منعوت بها ، هل يعمل بها أم لا ؟ وهل الرؤيا على غير هذه الصورة حق أم لا ؟
فأجاب :
أنها رؤيا حق ، وأن من رأى النبي r فقد رآه حقاً ، وإن كان على غير صورته بدليل أن جبريل عليه السلام كان يجئ للنبي r على صورة دحية ، وإنما تختلف حالات الرائين له r ، ففي المرآة تنظر صورتك فإن كنت حسناً رأيت حسناً ، وإن كنت قبيحاً رأيت قبيحاً ، كذلك من رأى النبي r يراه على قدر عمله مع الله سبحانه وتعالى ، والمؤمن مرآة أخيه ، وأما إذا أمره بأمر أو نهاه عن نهي ، فإن كان على الصورة المنعوت بها r فأمره في النوم كأمره في اليقظة ، في أنه يتبع ، وكذا ما نهى عنه ، وأما إذا لم يكن على صورته تلك فلا يتبع إلا إذا وافق الشرع .
ثم ذكر رضي الله عنه في المرآة معنى آخر فقال : والمرآة هذه آية عظيمة فإنك ترى صورتك فيها متيقناً لذلك ، وتعلم – أيضاً – يقيناً أنها ليست صورتك فهو عدم ووجود في حالة واحدة ضدان لا يفترقان ، وكذلك حين خلق الله آدم قبض يديه تعالى كما يليق بجلاله ، ثم قال لآدم : اختر أيهما شئت ، فقال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى ففتحها فإذا فيها آدم وذريته وجميع الأنبياء ، كما ورد ذلك في الحديث ، فذلك الظهور وجود في عدم وعدم في وجود ، فسبحان الله العظيم
وسئل :
رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين)
فأجاب :
فقال : الضمير في يعلمه يعود إلى النبي r ، والعلماء منهم هم الذين آمنوا بنبينا محمد r ، وأما الذين لم يؤمنوا به فليسوا بعلماء ، بل هم أجهل الجهال ، حتى أنه لما نزل قوله تعالى : (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) قال بعض من آمن بنبينا r - وهو عبد الله بن سلام رضي الله عنه : آمن بالنبي r - والله إنا لنعرفه أعظم من معرفتنا لأبنائنا ، لأن أبناءنا قد تخوننا امهاتهم ، فهذه آية لمن كفر وأي آية وذلك أن علماء بني إسرائيل آمنوا به لما علموا أنه رسول الله خاتم النبيين ، نبي الساعة الموصوف عندهم في التوراة والإنجيل ، كما قال تعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) أي إن مثل كل منهم في التوراة والإنجيل . وكما ثبت أن آدم سأل ربه أن يريه صور بنيه ، أي الرسل منهم ، فأراه صورهم فصورهم آدم ، وجعلهم في خزانة ، فلما وصل ذو القرنين سرنديب أخرج تلك الصور ليجعل لكل نبي تمثالاً ، ففعل ذلك
ثم إن نفراً من المسلمين رحلوا إلى هرقل فهللوا حتى تحرك البنيان ، وغلق الأبواب والشجر ، فقال لهم هرقل : أهكذا يكون في بلادكم ؟. قالوا : لا . وإنما وقع – هنا – لشئ يعلمه الله ، فقال هرقل : ما أحسن الصدق ، فسألهم عن النبي r فأخبره ، فعمد إلى الصندوق ، وجعل يخرج صوراً ويقول عند كل صورة : أهذه صورته ؟ وهو يقول : لا فلما وافق صورة من الصور ، قال : هذا نبي الساعة وشأنه هذا ثابت إلى يوم القيامة ، فهذا يدل على أن للنبي r أمثالاً عندهم في التوراة والإنجيل ، حتى لا يشكوا في معرفتهم ، فهم معروفون عندهم بالصفات والذوات ن فهما ورؤية ، ولما رأوه r بتلك الصفة التي فهموها ورأوها آمنوا به ، وهم على يقين لا يشكون ، بل أوضح من الشمس ، فهذه آية لمن كفر ، وقوله : (ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم) أي القرآن ما كانوا به مؤمنين ، أي أنهم يعرفون النبي r من حين ولادته بينهم ، لم يجالس شاعراً ولا كاهناً ولا أحداً من بني إسرائيل ، فيقولون : تعلم شعراً أو سحراً أو أخبره بنو إسرائيل بسبب مجالسته لهم ، بل يعرفونه فيهم أمياً لا يفارقهم ، فلما أقيمت عليهم الحجة لم يؤمنوا به ، قال الله تعالى : (ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم) بلسان فصيح (ما كانوا به مؤمنين) وذلك مثل قوله تعالى : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا – ومن يضلل الله فمال له من هاد)
وقال رضي الله عنه : قال النبي r : " أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي " وفي حديث آخر : " لا يكون المسلم مسلماً حتى تكون ذاتي أحب إليه من ذاته ، ونفسي أحب إليه من نفسه ، وعترتي أحب إليه من عترته "
قيل : إن رجلاً من المغرب نزل على بعض السودان ضيفاً ن فخرج به في بعض الأيام إلى البرية وإذا ملك السودان يتمشى بعساكره وخيله ، فلما بلغ من مرآهم ما يتميز بدن الأسود من الأبيض ترجل ، ثم بقى يمشي راجلاً حتى جاوزهم بمسافة ن ثم ركب فقال الأسود للمغربي : أتعرف لمن ترجل الملك ؟ قال : لا أدري ، قال : لما رآك أبيض نزل تأدباً مع النبي r لكونه أبيض ، فانظر إلى هذا التأدب ، يترجل من فوق فرسه لأجل اللون الذي وافق لون النبي r