وقال رضي الله عنه : في الحديث القدسي : " إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أردها عليكم ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " معناه باعتبار ما يكون عند نزول المصائب من السخط والجزع لا في نفس الأمر ، فإن من وكل الله سبحانه وتعالى ، وحسن فيه ظنه فلا يرى كل مصيبة تصيبه إلا خيراً ، وإن كانت في الصورة شراً فإنه يعدها خيرا ؛ لأن الصبر عليها من عزم الأمور فلولا هي ما وجد الصبر الذي ينال بسببه خيراً ، فإذا لا يرى إلا خيرا ، وهو يحمد الله تعالى عند السراء وعند الضراء عازماً ومعتقداً أن ما فعل به مولاه فهو خير ، ولو كشف له الغطاء ما اختار غيره ، ومن رأى غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، أي هو الذي صيره شرا بسخطه عند نزول المصيبة وعدم رضاه بها ، وإلا فلو رضي وحمد الله تعالى لكانت خيراً فإنه بسببها إذا قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يصلي عليه الله وملائكته ، وأي خير أعظم من هذا ؟ قال الله تعالى : (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وهذا معنى قوله تعالى : (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) لأن كل ما أصابك من عند الله ، وإذا كان من عند الله فهو خير ، وإن كان في ظاهر الامر شراً ، مع الرضا والتسليم والصبر ، فإذا لم ترض به فأنت الذي صيرت الخير شرا ، ثم تقع السيئة من العبد وقد فتح الله له باب التوبة ، فإذا تاب انقلبت تلك السيئة حسنة في نفسها ، فهي حسنة باعتبار المال وهي من الله سبحانه وتعالى ، وإذا لم يتب بل أصر عليها فهي سيئة وهي من نفسه بسب إصراره عليها
وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى : (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) سماه الله ذكرى وكذلك : (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) وذلك لأن الإنسان عالم بالحق من نفس الفطرة ، إنما ينساه بعبوره في ظلمات الضلال " فإن كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " فإذا سمع الحق عرفه لا يقدر على رده أبداً ، فإن رده فهو عناد وإنكار وإلا فقد عرف أنه الحق ، ولذلك كملت عليهم الحجة ، ولكنهم عاندوا فقالوا : (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) فالحق ما سكنت إليه القلوب واطمأنت به (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) فإنك إذا سمعت الحق علمت علماً يقيناً أنه الحق ، وهو الذي أنت عالم به ويجول في ذهنك ، لكنك لم تقدر أن تعبر عنه ، فإذا سمعته فكأنك ظفرت بضالتك المنشودة وغايتك المقصودة ، فالحق أبلج ، والحق أحق أن يتبع ، وفي الحديث ما معناه : " إذا سمعتم الحديث عني فاطمأنت به قلوبكم فهو مني ، وما لم فليس مني ، لأني لم أقل قولاً لم تطمئن به القلوب " ثم في الحديث أيضاً : " دع ما يربيك إلى ما لا يربيك " والحق ما عليه غبار ، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
وسئل :
رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (ولمن خاف مقام ربه جنتان)
فأجاب :
أنه بتقدير نزع الخافض أي في مقام ربه وكذلك قوله تعالى : (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) ومعناه : أن من صار الحق سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها إلى آخر الحديث ، فقد صار في مقام ربه ، ومن صار في مقام ربه فقد بلغ محل الأمن ، ودخل الحمى الذي لا خوف فيه ولا حزن ، فمن خاف فيه فقد أدى حق الأدب بوقوفه في مقام العبودية على ما هو فيه من المقام العالي ، وهو مقام ربه ، وذلك معنى قول النبي r حين قال له الصحابة لما نزل عليه قول الله سبحانه وتعالى : (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) إلى قوله : (وما تأخر) فقام حتى تفطرت قدماه فقال الصحابة : أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : " أفلا أكون عبداً شكوراً " ؟ فأتصف بالعبودية ووصف نفسه بالشكور الذي هو من صفات الحق تعالى ، وهذا أعظم المقامات الذي لا يدركه إلى الخواص ، وهو الخوف في مقام الأمن ، وفي هذا المقام جميع الأنبياء ومن أراد الله من أوليائه .
قال الله تعالى : (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم) بسيف الحب وهو معنى قوله r : " موتوا قبل أن تموتوا" وهو الفناء عن الخلق والحياة مع الحق ، أو اخرجوا من دياركم أي من صفات البشرية إلى صفات الربوبية ، وذلك معنى قوله r : " تخلقوا بأخلاق الله " ما فعلوه إلا قليل منهم ، قوله تعالى : (وقليل من عبادي الشكور) وكذلك قوله تعالى : (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم – ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) لأنهم إذا فنوا عن الخلق ، وكانت حياتهم مع الحق ، وخرجوا من صفات البشرية ، وتخلقوا بأخلاق الله ، كان سمعهم وبصرهم إلى آخر الحديث ، فاي خير وأي تثبيت أشد من هذا ، ثم قال تعالى : (وإذاً لأتيناهم من لدنا أجراً عظيماً) والأجر الموصوف بالعظمة هو المشاهدة لأنه أعظم الأجور ، وما بغيتهم سواه ، لا طمع لهم في جنة ولا لهم خوف من النار قال قائلهم :
إذا تذكرت أياماً لنا سلفت أقول بالله يا أيامنا عودي
كأنني يوم يأتيني كتابكم ملكت ملك سليمان بن داود
وقال آخر
حببتك لا لي بل لأنت أهله وما لي في شئ سواك مطامع
قال تعالى : (ولهديناهم صراطاً مستقيماً) وهو صراط الله ، ثم قال تعالى : (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) فهذا المقام الذي وعد الله الخائفين فيه بجنتين فقال تعالى : (ولمن خاف مقام ربه جنتان) والجنتان هما : الجنة الحقيقية والمشاهدة ، وجنة من فضة وجنة من ذهب داخلتان تحت الجنة الحقيقية ، ثم قال تعالى : (يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً) فإن كل إنسان من المؤمنين مأمور بهذا الأمر ، وهو أن يأخذ حذره من عدوه ، وأي عدو أعظم من نفسه التي بين جنبيه ، فينفر منها بجميع أعضائه ، وجوارحه ، أو عضو من أعضائه وذلك عند الحادثة التي تأتي من كونه مثبتاً لا يؤتي من جهة أخرى ، أو ينفر جميعاً أي يكون نافراً بجميع أعضائه وجوارحه من جميع الوجوه ، ومن جميع الجهات ، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي قيل فيه بعد الفتح : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " فإذا كان كذلك أمن وإذا أمن فقد ائتمر بأمر الله تعالى حيث قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) فلا خوف عليه ولا هو يحزن ، ولا يبقى للشيطان ولا للنفس عليه سبيل ، بل حياته بالله لله .
ثم قال الله تعالى : (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) أي إذا زل من قد صار في هذا المقام فذاك هو الخطر العظيم ، لأنها زلة من ، مقرب وفي صفة العزيز الحكيم غاية التوعد ، أي عزيز أن يدركه من زل من الأبعدين كإبليس وبلعم بن باعوراء ، فهو تعالى غيور (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) ، وقوله : حكيم ، أي : أنه أظهر صفة الحكيم في ذلك ، فإن إبعاد إبليس بعد تقريبه لحكمه ، وذلك بسبب إبعاده أخرج آدم من الجنة لنكد الدنيا وتعبها ، ليعرف قدر الجنة بعد العود إليها ، وتبتلي ذريته فيميز الخبيث من الطيب ، وهذا مقتضى الحكمة .
وقال رضي الله عنه : أصل التقوى : هو الجهاد في سبيل الله ، والجهاد الأكبر هو : جهاد النفس والشيطان ، والنفس هي أعظم الأعداء فهي كارة عليك في كل لحظة ، في مظهر صديق لك ، وهذا أعظم ممن كان متظاهراً بالعداوة قال الشاعر :
احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق فصار أعرف بالمضرة
ثم قد علمنا الحق تعالى في القرآن كيفية الجهاد من كل وجه فقال تعالى : (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) والنفس هي أقرب ما يليك وغير ذلك ، فإن حاربت نفسك واتقيتها ودافعتها عن جميع جوارحك وأعضائك ضعفت ، وإذا ضعفت جنحت للسلم ، فإن جنحت للسلم فاجنح لها ، وبعد لا تضرك أبداً ، فإذا كنت مطيعاً لها صرت عبداً لها ، تأمرك وتنهاك منهزماً منها في ذل وأي ذل ؟ وصرت غير متق لله تعالى ، لأنك أمنت من بطشه ومكره ، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ، لأنه سبحانه وتعالى توعدك إذا اتبعت هوى النفس والشيطان فأمنت من توعده بإتباع ما نهاك عنه ، ولو اتقيته لانتهيت عما نهاك عنه ، فإذا اتقيت نفسك فقد اتقيت الله ، وإذا لم تتق نفسك ولم تحاربها ولم تدافعها فلم تتق الله ، لأن تقوى الله مترتبة على محاربة النفس والشيطان
وقال رضي الله عنه : عاتب الله سبحانه رسوله r حين حرم ما أحل الله له فقال : (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) وذلك أنه أتى r جارية فعاتبه بعض نسائه على ذلك ، فحرم تلك الجارية فنزلت الآية ، فهذا رسول الله r عاتبه الله لما حرم ما أحل الله له ، وذلك مقتصر على نفسه ، فما ظنك بمن حرم من سائر الناس شيئاً على نفسه أحله الله له ، أو وضع شيئاً في الشرع عمل به الغير لاعتقادهم أنه عالم ، وهو من عند نفسه لا من كتاب ولا من سنة ، فيحرم شيئاً أحله الله أو يحل شيئاً حرمه الله فيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة
ثم قال الله تعالى : (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم) أي أن الله سبحانه وتعالى لا يعارض ولا ينازع حكمه بحكم عبيده ، بل ما حكم به المولى عمل به العبد ، وما سكت عنه المولى فليس له أن يحكم بشئ من عند نفسه ، لأن ما سكت عنه المولى فلا خطاب فيه على العبد ، والحكمة عند المولى في تركه خير ، لأنه لو كان الخير في فعله لأمر به ، ولذا قال تعالى : (وهو العليم الحكيم) بعد قوله : (والله مولاكم)
وقال رضي الله عنه : ينبغي للإنسان أن يتحول عن الموضع الذي غفل عن الله تعالى فيه ، وذلك أن النبي r أمر بالتحول عن المحل الذي طلعت فيه عليهم الشمس ولم يصلوا الفجر وأما المحل الذي عصى الله تعالى فيه فذلك أشد وأعظم
وقال رضي الله عنه : الركعة : صلاة لا أنه لا يسمى صلاة إلا مجموع ركعات الفريضة ، وإنه لا يطلق لفظ الصلاة إلا على الفريضة فقط ، وذلك أن النبي r كان يكمل الصلوات الخمس بنوافل إلى خمسين ركعة ، وهي التي افترضها الله عليه وعلى أمته من أول الأمر ، من قبل أن يتشفع بشورى موسى عليه وعلى نبينا محمد وآله أفضل الصلاة والسلام ، فهو افترض عليه في أول الأمر خمسين صلاة ، فمازال يحط عنه حتى صارت خمساً ، ثم قال تعالى : (ما يبدل القول لدى) هي خمس وهي خمسون ، وذلك أنه تعالى كلم رسوله r على لسان موسى عليه الصلاة والسلام : أن ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف ، حتى بقيت خمس ليظهر للأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقداره r ، وينوه بشفاعته عليه الصلاة والسلام مرة بعد مرة ، حتى حطت من خمسين إلى خمس ، وأما النبي r فإنه كان يؤدي الخمسين كل صلاة ركعة ، كذلك صلاة الوتر فإنها ركعة ، فلا صلاة إلى أيام القرآن ، أي في كل ركعة تقرأ أم القرآن وإلا فلا صلاة ، وبالله التوفيق
وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " خالفوا اليهود وصلوا في نعالكم ، وذلك أن اليهود لا يصلون في النعال إتباعا لنبيهم موسى عليه السلام ، فإن الله سبحانه وتعالى أمره بخلع نعليه عند مناجاته ، ونبينا محمد r قال الله تعالى له ولأمته : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) فكأنه قال تعالى : قلبناك وأمتك لمناجاتنا في النعال ، فانظر إلى هذا التشريف
وقال رضي الله عنه : إذا حسنت نية العبد رأى الحق أمامه في كل شئ ، ففي الحديث ما معناه : " إن في بضع أحدكم صدقة " فقالوا : يا رسول الله ، يأتي أحدنا شهوته وله أجر ؟ قال : " ارأيتم إن وضعها في حرام أما كان عليه وزر " ؟ هذا أو معناه ، والحق هو الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) فإذا كان أمامه الحق (فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)
وقال رضي الله عنه : في حقيقة التقوى : التقوى هي أن تجعل الله تعالى وقاية فيما بينك وبين من سواه من كل شئ ، لا كما قيل : أن تجعل وقاية فيما بينك وبينه تعالى ، لأن ذلك يكون حجاباً حائلاً بينك وبينه ، فدرجة التقوى درجة عالية ، قال الله تعالى : (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) اراد سبحانه وتعالى أن يجذبنا إلى عبادته ، فذكرنا نعمه علينا ليقودنا إليه ن وتارة يقودنا إليه بذكره ما أعد لنا في الجنة ن وتارة يسوقنا إليه بالوعيد وذكر العذاب ، فمن يذكر الجنة ، وما أعد فيها ، ومن كان من أهل الخوف ساقه إليها بذكر الوعيد والعذاب ن فكانت العبادة إما في مقابلة النعم وإما خوفاً من النار وإما طمعاً في الجنة ، وهنا ذكر تعالى النعم وهو قوله : (الذي خلقكم والذين من قبلكم) وكل من قبلنا مما في السماوات والأرض فهو لنا خلقه ، فأمرنا بعبادته شكراً له على خلقنا وشكراً له على ما خلق لنا من قبلنا ، فإنه أوجدكم من العدم حيث لم يكن لكم اختيار ن وخلق الذين من قبلكم لتكنوا من نسلهم ، ثم قال سبحانه : (لعلكم تتقون) أي إذا عبدتم الله لأجل هذه الثلاثة الأمور أو إحداها فلله في أيام دهركم نفحات فيفتح عليكم باب التقوى ، وهو أن تعبدوا الله تعالى لا لأجل شئ ، بل لله بالله ابتغاء مرضاته ، فلا يشاهد غلا الله ، ولا يخالف إلا منه ولا يرجو إلا إياه وههنا تجئ الأحدية ، وتزول أوصاف البشرة ، قال الله تعالى : (وأحسن كما أحسن الله إليك) أي كإحسان الله إليك وإحسانه إليك ابتداء ، لا لأجل شئ ولا في مقابلة شئ ، وقال تعالى : (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى) فقد صار ما يريدون وجه الله تعالى ن فلا يكون جزاؤهم منه إلا ما يريدون ، لأن في الجنة ما تشتهي الأنفس وهم لا يشتهون سواه . هذه درجة المتقين
وقال رضي الله عنه : من أعظم مفاسد الدين والدنيا مداهنة العلماء للملوك ، والسكوت عن نهي منكراتهم ، وهم يظنون بذلك أنها تختل عليهم الدنيا أو يعاقبونهم ، وهذا ظن فاسد ، فإنهم لو أمروهم بالمعروف ، ونهوهم عن المنكر ، لعظموا في قلوبهم ، ولمنعهم الله تعالى عنهم إذا ارادوهم بشر ، قيل : إن بعض الملوك أرسل إلى بعض أمرائه بأمر يظملون به الرعية ، فتواطأ الحسن البصري والشعبي بعد أن أحضرهما بين يديه ، فقرأ عليهما كتاب الخليفة ، فإذا فيه ضرر على الرعية ، وقال لهما : ما تقولان ؟ فأشار عليه الشعبي أن يمتثل الأمر ولا ينفذه كله ، يعني بصفة صلح ، فقال للحسن البصري : لو قلت ؟ قال : قد قال لك عامر ما سمعت ، قال : لابد أن تقول أنت ، فقال الحسن رضي الله عنه : هذا الأمر الذي أمرت به ظلم ، فإن تركته أطعن الله تعالى وعصيت مرسلك ، وإن أرادك بسوء فالله قادر أن يمنعه عنك ، وإن لم تنته عصيت الله وأطعت مرسلك ن وإن أرادك بسوء لم يقدر أحد أن يرده عنك ، فاختر لنفسك ما أردت ، فلما سمع الرجل انتهى عن ذلك ، ثم أمر للحسن بجائزة عظيمة ولم يعط الشعبي شيئاً ، فلما خرجا من عنده نادى الشعبي في الأسواق : يا ايها الناس ، من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل ، فإني أردت وجه فلان فأقصاني الله منه والحسن البصري أراد وجه الله فأعطاه الله منه
وقال رضي الله عنه : من أحسن أخلاق الإنسان : العفو عمن ظلمه ، فإن الله سبحانه يعامله بالعفو فيما بينه وبينه ، وأيضاً فإنه تعالى يلهم المظلوم منه أن يعفو عنه ، ففي الحديث القدسي : " يا عبدي لا تدع على من ظلمك فإن شئت أخذته بظلامتك وأخذتك بمن ظلمت ، وإن شئت أخرتكما حتى تسعكما رحمتي"
وسئل :
رضي الله عنه : عما أتى في الصلاة التي في آخر الحزب الأعظم وارحم محمداً حتى لا يبقى من الرحمة شئ ما معناه ؟
فأجاب :
إن الرحمة لا تنتهى أبداً ، وإن معنى لا تبقى رحمة ، أي لا انتهاء لها والنبي r هو الرحمة التي وسعت كل شئ
وقال رضي الله عنه : قصص الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – جملة فيها التخويف العظيم لأمة محمد r ، والرجاء الذي هو أعظم من الخوف ، فأما وجه التخويف فهو أن الله سبحانه وتعالى أخرج عليه الصلاة والسلام من الجنة من أجل ذوقه من الشجرة ، وهي من حق الله ليست من حق أحد سواه ، مع أنه خلقه بيده واصطفاه وعلمه الأسماء كلها ، وأسجد له الملائكة ، فما حال رجل ليس بنبي ولا مصطفى ولا له من تلك العنايات شئ ؟ ثم ينتهك المحارم العظيمة : إما بأكل أموال الناس ، أو زنا أو قتل أو شرب خمر ، فكيف السلامة وكيف النجاة ؟ وهذا تخويف وأي تخويف . ووجه الرجاء : أن الله سبحانه وتعالى غفر له هذا الذنب بسبب توبته ، والحال أنه عالم بالله وبجلاله وبشطه ، لأنه من المقربين والمقرب هو أعلم من البعيد بصفات الملك ، وإذا كان كذلك فالذنب منه عظيم ، قال تعالى : (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد وأصلح فإنه غفور رحيم) وهو هنا عليه الصلاة والسلام ليس بجاهل ثم غفر له ، فالجاهل أولى بالغفران ، وقس على هذه قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، كداود وموسى وإخوة يوسف وغيرهم
ثم أنزل الله سبحانه كتابه العزيز على رسوله الأمين r وعلى آله أجمعين تذكيراً لأمته . وقصص الأنبياء فيه لتكون عبرة لهم وتأسياً ، وذكر ما جرى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في القرآن على رؤوس الأشهاد هو الجزاء ، لأن الله سبحانه عدل ، لا يترك شيئاً ، فجازاهم عليها في الدنيا بذكر ما حصل منهم كيلا يجازوا عليها في الآخرة ، والتائب من أمة محمد – عليه الصلاة والسلام – عقابه وجزاءه على ما فعل : ذكره ذنبه فيما بينه وبين الله تعالى ، وتألمه منه وتوجعه ، وبكاؤه وأنينه وزفرأتنه ، فكان ذلك جزاءه معجلاً في الدنيا ، لا يجازى على ذنبه في الآخرة ، فلا يلقى الله سبحانه إلا وهو طاهر من جميع ما فعل من السيئات وقد بدلت حسنات . فأي مزية أعظم من هذه المزيةو التي اختصت بها هذه الأمة ؟ وأيضاً فإنه تعالى أخرهم عن جميع الأمم ليقص عليهم قصص من سلف ، فيتعظوا ويعتبروا تحريضاً لهم على التوبة ، وهدياً لسلوك طريق السالكين ، وتحذيراً من الوقوع في ظلمة ضلال المجرمين ، فلم تبق طريق من طرق النجاة إلا أوضحها في ضمن قصص الأنبياء ، ولم تبق مهلكة إلا أوضحها – أيضاً – في قصصهم مع قومهم ، فكان من قبلنا موعظة لنا ، لنعرف طريق النجاة فنسلكها ، وطريق الهلاك فنجتنبها ، والحمد لله رب العالمين ، ثم سجد رضي الله عنه – هاهنا – وسجدنا معه
وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى – حين أخذ النبي r الفداء - : (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) أتى سبحانه وتعالى بصيغة الخطاب لجميع أهل بدر ليستر الذين يريدون عرض الدنيا ، وإلا فهم القليل جداً ، كذلك قوله تعالى في أصحاب موسى حين أمرهم بدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم : (قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين) وفيهم من لم يقل ذلك كالرجلين اللذين قالا : (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) لكن لما كتبت عليهم التيهة تاهوا جميعهم ، فسترهم جل جلاله إذ لو لم يته إلا من قال ذلك لافتضحوا بسبب عدم تيهة من لم يقل منهم ، فسترهم بتيهة الجميع ، فسبحان الستار جل جلاله وتقدست أسماؤه
وسئل :
رضي الله عنه : عن القدر ؟
فأجاب :
بما معناه : أنه لا ينبغي لأحد أن يخوض فيه ، لأنه لا يعرف إلا بفتح من الله تعالى وعلم لدني ، ثم من فتح الله عليه لا يمكنه أن يعبر عنه أصلاً ، لأنه يمكن للمناقض أن يناقضه ن فالذي لم يعرف من جهة الله تعالى لا ينبغي له أن يخوض فيه ، ويمتثل قول الله تعالى : (الذين يؤمنون بالغيب) وقول رسول الله r : " وأن تؤمن بالقدر خيره وشره" فإنه إن بحث عنه من جهة غير الله خيل له أنه من باب قول الشاعر :
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
وقول رسول الله r : " أن تؤمن بالقدر خيره وشره " كاف
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل) فقال : إن كثيراً ولم يبق إلا قليل ن وهم أولياء الله الورثة للعلم من رسول الله r الذي بهم يقتدي ، وهؤلاء أعز من الكبريت الأحمر قال تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) وقال تعالى : (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) وقال فيمن عداهم (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (بل أكثرهم لا يعقلون) فإن ظفرت بواحد من أهل العلم من هؤلاء الأقلين فعض عليه بالنواجذ ، وأنت تعرفه بالقرائن المنصوصة في القرآن ، وهو الذي لا يميل إلى الدنيا ن ولا يطمئن بها ، فيكون كبلغم بن باعوراء ، حيث أخلد إلى الأرض واتبع هواه ، ولا يأكل أموال الناس بالباطل ، فيدخل في قوله تعالى : (إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ) ومن القرائن لا تجد مثله إلا قليلاً ن والحق واضح ، والحق أحق أن يتبع
وقال رضي الله عنه : في الحديث القدسي . يقول الله تبارك وتعالى : " يا عبادي أعطيتكم فضلاً ، وسألتكم قرضاً ، فمن أعطاني شيئاً مما أعطيته طوعاً عجلت له الخلف في العاجل ، وادخرت له الثواب في الأجل ، ومن أخذت منه شيئاً مما أعطيته كرهاً فصبر واحتسب ، أوجبت له صلاتي ورحمتي وكتبته من المهتدين ، وأبحت له النظر إلى وجهي " فمن فضل الله تعالى على عباده أن من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله ، وتثبيتاً من نفسه ، كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ، فإن سد على نفسه هذا الباب ولم ينفق شيئاً فتح الله له باباً آخر ، بأن يؤخذ منه كرهاً فإن صبر واحتسب وقال (إنا لله وإنا إليه راجعون) ومعنى إنا لله أي إن الله خلقنا له كما يشاء لما يشاء ، وإنا إليه راجعون أي تائبون ، فإن هذا أعلى وأرفع ممن أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله لأن الله ؛ سبحانه قال في حق مثل هذا (وبشر الصابرين) فكأنه قيل : من هم الصابرون ؟ فقال : (الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) ولم يقل : من الله لأنه محتو لأسماء الرحمة وأسماء الانتقال بل قال : من ربهم لأن الرب اسم من اسماء الرحمة وهو ما تتربى به المخلوقات ، وإضافة الرب إلى الضمير ليدل على القرب والاتصال وأولئك هم المهتدون ، لأنهم صبروا عند القهر والانزعاج الحاصل عند المصيبة من جهة الطبع البشري ، ومعنى قول أحد الملكين الوارد في الحديث " اللهم أعط منفقاً خلفاً وقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً " هذا المعنى المتقدم ذكره فهو دعاء للمنفق والممسك ، أي فإذا لم يكن منفقاً فيؤجر عليه فأعطه تلفاً ليؤجر عليه أعظم من الأجر على الإنفاق مع الصبر هذا معناه
وقال رضي الله عنه : حين سئل : ما معنى مواقع النجوم ؟ في قوله تعالى : (فلا أقسم بمواقع النجوم) أي محال وقوعها من وسط السماء إلى جهة المغرب لأنه لا يهتدي بها ما دامت في وسط السماء ، وإذا كانت كذلك تناسب المقسم به والمقسم عليه ، لأن كليهما هاد ، فالمقسم به هاد للأشباح والمقسم عليه هاد للأرواح ، ثم وصف تعالى هذا القسم بالعظم وذلك لأنه تجلى لإبراهيم – عليه الصلاة والسلام – فيها ، والشمس والقمر داخلان في هذا القسم أيضاً ، وأي عظيم مثل ما يتجلى فيه الحق جل وعلا ، ثم وصف القرآن بالكرم فقال : إنه لقرأن كريم ، والكريم لا يرد سائلاً ، فمن قصده أغناه فلا يحتاج إلى غيره ولكن لم يفهمه إلا القليل ، ولذا قال تعالى : (لا يسمه إلا المطهرون) أي لا يهتدي إلى فهم معانيه ، ويكشف الحجاب عن وجوه ما فيه إلا المطهرون ، أي الذي طهروا نفوسهم من أدناس الذنوب ، وجردوها عن الأغيار (تنزيل من رب العالمين) أي أن الله سبحانه وتعالى خاطب عبيده وكلمهم بنفسه ، تعالى لأنه ليس في العالم ولا في الآفاق إلا الله تبارك وتعالى ، فالقرآن كلمته ، والخلق كلمته وهي : كن فإذا امتزجت إحداهما بالأخرى وحصل القبول جاء الخير الكثير وظهر الحق وتدفقت الأنوار بينهما ، ثم قال تعالى : (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) أي تريدون أن تحجبوا الحق بالباطل مع أنه قد ظهر لكم أنه الحق ، والمداهنة هي بين الحق والباطل لأنه جاء في المثل : أن الحق والباطل والمداهنة ركبوا في سفينة ، فجعل الباطل يخرق السفينة فنهاه الحق فقالت المداهنة : دعه فإنما يخرق الجهة التي هو فيها فإن نهى الباطل ومنع وإلا غرق الجميع ، فهم مقرون أنه لا يدخل تحت طوق البشر الإتيان بمثله باطناً ، ومظهرون أنه سحر وأنه شعر وغير ذلك ، فهذه هي المداهنة ثم قال تعالى : (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) أي أعين تكذيبكم لأن الله سبحانه أمد عباده بالرزق ليعبدوه ، ويصدقوا ما جاء به رسوله ، فجعلوا الرزق عين التكذيب