ثم قال تعالى : (إن الذين يرمون المحصنات) فقال : (يرمون) ولم يقل : رموا لينبه جل جلاله أنه قد غفر للذين قد وقع منهم ذلك ، إنما هذا للذين يرمون فيما بعد ، وبرأ الله تعالى عائشة بأن وصفها بأنها من المحصنات ، ثم قال : الغافلات هذه غفلة ممدوحة ، لأنها غافلة عن الشر ، المؤمنات فوصفها بأنها من المؤمنات ، ثم قال : (لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) فعلم أنهم غير من قد وقع منهم ذلك ، لأنه قد غفر لهم سبحانه وتعالى ، وكيف يأمر غيره أن يغفر لهم وهو لا يغفر لهم ؟ بل هو تبارك وتعالى أحق بالمغفرة . ومنها : أن عائشة رضي الله عنها ، كان فيها قبل ذلك زهو على نساء رسول الله r ، لعلمها بمحبة رسول الله r لها ، فأدبها الله تعالى بذلك ومنها : أن الرسول r كان يحبها ، والله سبحانه غيور على قلب عبده أن يسكن فيه حب غيره (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) والقلب لا يسع إلا حب واحد
وهذه الغيرة من الرب جل جلاله ، هي التي أدب بسببها نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لما اشتد في قلبه حب ولده إسماعيل فأمره بذبحه ، وهي – أيضاً – التي أدب بسببها نبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام ، لما اشتد في قلبه حب ولده يوسف فغيبه عنه ، وأدب رسول الله r لما اشتد حب عائشة رضي الله عنها بقصة الإفك ، لينكسر قلبه فلا يبقى فيه إلا الله تعالى ، وإذا صفا قلب العبد المؤمن وتطهر حتى بلغ حد قوله تعالى : " لم تسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن " فلا بد أولاً أن يذبح حتى يفنى عن بشريته ، فلا يبقى إلا الحق فينطق به ، ويبصر به ، ويسمع به ويبطش به ، ويمشي به . قال تعالى : (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) والله سبحانه وتعالى : (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) والله سبحانه وتعالى ملك الملوك فإذا دخل قرية قلب عبده أفسد أهلها ، وأهلها بشريتها والبشرية ذليلة ، والعزة لدولة الحق وسلطانها ، وحينئذ ينادي منادي الجبار : (لمن الملك اليوم) يخاطب بعد الاضمحلال في عين العدم جميع الآثار ، فيجيب نفسه لما لم يجد سواه (لله الواحد القهار)
وقال رضي الله عنه : تنوعت أقوال المفسرين في وجه إثبات الألف في السبيلا والرسولا من قول الله تعالى حاكياً عن الكفار يوم القيامة : (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) وما أصابوا الغرض المقصود وهو إثبات الألف في السبيلا تنبيه على تثنية السبيل لأنهما سبيلان : سبيل الهدى ، وسبيل الضلال ، قال تعالى : (وهديناه النجدين) فمن اهتدى لسبيل الهدى فقد اهتدى لسبيل الضلال ، ومن ضل عن سبيل الهدى فقد ضل عن سبيل الضلال ، لأنهما متلازمان من كل وجه
وأما إثباته في الرسولا فكذلك إشارة إلى أن الرسول رسولان ، رسول خارج وهو الذي جاء من عند الله ليبلغ عنه ، ورسول داخل وهو القابلية ، وكل واحد مفتقر إلى الآخر ، كنوز البصر فإنه مفتقر إلى نور خارج ، إذ لو كان في ظلمة لما رأى شيئاً ، والنور الخارج مفتقر إلى نور البصر ، فإن الأعمى لا يرى شيئاً ، ولو كانت الشمس في كبد السماء . ألا ترى أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، جاء كل واحد منهم قومه بالمعجزات الباهرات ، والعلامات الظاهرات ، فلم يقبل منهم إلا من ثبت في داخله رسول القابلية ، ومن لم يثبت لم ينتفع بالرسول الخارجي ، وهي المطاوعة ، يقال كسرته فانكسر يعني قبل الكسر ، وأما إذا قلت : فتلت الحديد فانفتل ، فهو باطل لأن الحديد لا ينفتل ، كذلك الكفار لم يثبت لهم رسول القابلية فلم يطاوعوا الامتثال لما جاءت به الرسل ، فهذا وجه إثبات الألف ، وبالله التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل
وقال رضي الله عنه : قال المفسرون في قوله تعالى : (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ) إن المراد به الرسول r وإن الضمير في ينصره يعود إليه r وليس كذلك ؛ لأنه لم يتقدم لفظ الرسول r حتى يعود إليه الضمير لا قريباً ولا بعيداً فإنه لم يتقدم ذكر اسمه r من أول السورة إلى هذه الآية ، بل الضمير في ينصره عائد إلى الموصول ، وهو من كان يظن لا إلى الرسول ؛ لكونه لم يتقدم لفظ الرسول لا قريباً ولا بعيداً ، وقد ياـي ضمير عائد إلى متقدم وإن بعد ، كقوله تعالى : (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) فعلى قراءة الكسر معطوف على قوله تعالى : (وعنده علم الساعة) أي وعنده علم قيله يا رب . وعلى قراءة النصب معطوف على البعيد ، وهو قوله تعالى : (أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) أي ويحسبون أنا لا نسمع قيله يا رب
وأما من كان يظن أن لن ينصره الله فلم يتقدم ما يعود إليه الضمير على وجه تفسيرهم ، بل معناه كل من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ، ثم ليقطع عن نفسه هذه النازلة التي بسببها يطلب النصر ، هل يذهبن كيده ما يغيظ ؟ أي لو أمكنه هذا المحال ما أذهب غيظه ، فكيف وهو لا يمكنه أصلاً . ومن الضمائر التي تعود إلى البعيد قوله تعالى : (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) فإنه معطوف على قوله تعالى قبل جزء : (ولو أننا نزلنا) (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون) ثم أتى تعالى بهذه الجمل المعترضة وهو قوله : (اتبع ما أوحي إليك من ربك إلا إله إلا هو وأعرض عن المشركين) إلى آخر الآيات . ثم قال : (ولتصغى) تقديره ولنبينه لقوم يعلمون ولتصغى إليه أ . هـ والحمد لله
وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى : (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) متعلق الجار والمجرور في قوله بالقول الثابت هو آمنوا وليس متعلقاً بيثبت تقديره : الذين آمنوا بالقول الثابت : يثبتهم الله ، والقول الثابت : هو قول الله تعالى وما جاء به رسول الله r
وقال رضي الله عنه في حديث ما معناه أن المؤمن يتلذذ بنزع روحه عند الموت كما تلذذ الظمآن بشراب الماء البارد في اليوم الصائف ، وأما قول الرسول r بدليل قوله r " ما يشاك أحدكم شوكة إلا وجدت ألمها " ولأ، آدم عليه الصلاة والسلام ما أكل من الشجرة التي نهاه الله عن أكلها إلا لتحرك الأشقياء في صلبه الذين قال تعالى في حقهم : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا) وقال تعالى في حقهم : (بل بدالهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون) فالنبي r هو حقيقة العالم الإنساني وأصله ، وهو r يتحمل المشاق لأجل أمته ، ويستغفر في كل يوم سبعين مرة لأجل أمته ، لأن استغفاره لنفسه r هو عين استغفاره لأمته ، أتراه يذنب r وهو معصوم ؟ أو يخاف من الذنب وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ وذنبه الذي غفر له إنما هو باعتبار ما عنده r وإلا فليس له ذنب ، لكنه لما عرف الله سبحانه وتعالى حق معرفته نزل نفسه r منزلة من لم يؤد حقه تعالى كما يليق بجماله وكماله فعد ذلك ذنبا
وأما قوله r : " رب اغفر لي وتب علي " فهو استغفار لأمته وتوبة عنهم r ، فهو ممتثل لأمر ربه سبحانه وتعالى حيث قال (فاعف عنهم واستغفر لهم) أي الحقوق التي لك عليهم فضيعوها اعف عنهم فيها وتخلق بأخلاقنا ، والحقوق التي لنا استغفر لهم فيها ، ويا هل تراه تعالى يأمره r بالاستغفار لأمته ولا يقبله ؟ كمن يضيفك ويغلق بابه دونك ، حاشا وكلا ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، اللهم صل وسلم على رسولك الشفيع المشفع ، وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علمك
وسئل :
رضي الله عنه : عما ورد من الأحاديث التي في معنى : " من تداوى واسترقى فقد برئ من التوكل " وما ورد من تداويه r بحرق الخصير وإلصاقه بجرحه ، ونحوه من النفث وقراءة المعوذتين ؟
فأجاب :
دامت إفادته بما معناه : إن الأمة على ثلاث طبقات : عليا ، ووسطى ، ودنيا ، فإذا جاء عن الشارع ما يقتضي كراهة فعل شئ إما بذمه أو ذم من فعله ، ثم جاء عنه أنه فعل شيئاً منه ، فذلك الذم درجة الطبقة العليا ، وفعله لشئ منه وهو سيد أهل الطبقة العليا ، ليحصل الفاعل له من أهل الطبقة الوسطى والدنيا حظه من محبة الله تعالى بالاتباع (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فهو r في استعمال الدواء والرقية في أعلى مراتب التوكل ؛ لأنه مستعمل لها لله بالله ، لا نظر له في ذلك إلا إلى الله ، فإن استعمل عبد الدواء مثلاً مستحضرا نية الاقتداء أو الإتباع وامتثال الأمر كما ورد في إحدى روايات خطبة في حجه r : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء " فله حظه من محبة الله على قدر نيته وإيمانه ، ومن فعله من غير نية سوى التداوي فله حظه بقدره ، ولا يشترط ما قالوه : إنه لا يثاب على الفعل المباح إلا إذا نوى نية تصيره عملا صالحاً ، فإن المؤمن مثاب على كل فعل فعل يفعله ، من حركة وسكون وقول وسكوت ، ما لم يكن ذلك في معصية ، كما أنه لو فعل شيئاً من ذلك عن غير قصد فيما لا يرضاه الله تعالى فإنه يأثم ، والحجة في هذا قوله r : " إن في بضع أحدكم صدقة " قالوا : يا رسول الله ، آياتي أحدنا شهوته وله أجر ؟ قال : " أرأيتم لو وضعها في حرام أما كان عليه وزر " الحديث
وقوله : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالاً يرفعه الله بها في عليين ، ويتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوى بها في النار سبعين خريفاً " الحديث . وفي بعض رواياته : " لا يظن أنها تبلغ ما بلغت " فالعبد إذ مل القعود مثلاً فقام ليستريح فهو مأجور ؛ لأنه ما قام إلا معتقداً أن الله أباحه ، ولو حرمه عليه ما فعله ، فهو مأجور وإن لم يستحضر النية ، وهكذا قس عليه سائر أفعال العبد مثل الأكل والشرب ، فهو ممتثل للأمر من الله سبحانه فأجره عظيم في امتثال قوله / (كلواواشربوا) وكذلك كل ما ورد به أمر الشارع ، ولا شك أن من استحضر النية لكل فعل فإن رتبته أعلى وأجل ، وأجر كل عامل على قدر عمله ؛ نسأل الله التوفيق
وسئل :
رضي الله عنه : عمن أدرك ركوع الإمام هل يعتد بها ركعة ولو لم يقرأ الفاتحة فيها ؟
فأجاب :
إن قراءة الفاتحة أسقطها الشارع عن المسبوق ، إذا أدرك الركوع مع الإمام بدليل حديث أبي خزيمة الذي صححه ، وحديث أبي بكر رضي الله عنه حين ركع دون الصف ، ومشى إلى الصف ، فقال له r : " زادك الله حرصاً ولا تعد " فإنه لم يأمره بإعادة ولو كانت لا تجزئه لأمره بالإعادة ، وقوله : ولا تعد إنما هو عن الركوع دون الصف ، لا عن اتباع الإمام على الحالة التي هو عليها ، فإنه مأمور باتباع الإمام على أي حال وجده عليها ، وورد – أيضاً – أنه r أطال الركوع في بعض صلواته طولاً زائداً ، فسئل بعد انصرافه فقال : " إن جبريل أتاني فقبض يدي على ركبتي ليدرك على رضي الله عنه الركعة " فسئل الشيخ رضي الله عنه : من ذكر هذا الحديث ؟ قال : الذي يحضرني – الآن – أنه ذكره ابن الجوزي مع أنه قد جعل بعض الأحاديث الحسان والصحاح موضوعة ، فما أورده إلا وهو عنده ثابت ، والله أعلم
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى في الحديث القدسي : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لفسد حاله ، ومنهم من لا يصلحه إلا الغني ، ولو أفقرته لفسد حاله " الحديث . مع ما ورد في الحديث الآخر : إن رجالاً يتخوضون في مال الله تعالى بغير حق فلهم النار ، وما يشاهد من طغيان الأغنياء وكثرة المال في أيدي الكفار ؟
فأجاب :
إن قوله تعالى : " إن من عبادي " فعباده – هنا – إما أن يكونوا الخواص منهم الذي لا يتعبدون لغيره تعالى ، فهو مثل قوله تعالى : (وهو يتولى الصالحين) يا هل ترى أنه لا يتولى إلا الصالحين ؟ بل هو متول لجميع خلقه من كافر ومسلم ، وفاسق ومؤمن ، قال تعالى : (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) وقال تعالى : (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) لكن التولي – هنا – خاص للصالحين باسمه الهادي واللطيف والرحيم ، وبجميع أسماء الرحمة ، وتوليه للمجرمين بأسماء العذاب كالمضل والمنتقم . فإذا عرفت ذلك علمت أن لكل اسم من أسماء الله تأثيراً في خلقه ، وإن الحقيقة واحدة وتأثير كل اسم من أسمائها في المخلوقات ، فتأتي كل عبد جيوش الأسماء مع أن الحقيقة واحدة
ولما كان خلق آدم على الصورة وافقت الأسماء شئونه ، فالمضل يجذبه إليه ، والهادي يجذبه إليه ، والمنتقم يقول للمضل : ائتني به ، فإن لي فيه حصة ، والرحمن والرحيم يقولان للهادي : ائتنا به فإن لنا فيه حصة ، فالله سبحانه متول لجميع العباد بجميع الصفات ، وقوله : يتولى الصالحين أي بأسماء الرحمة ، فقوله : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله " أي عبادي الخواص ، فإن من الأنبياء من ابتلى بالفقر ، ومن الصالحين كذلك ، ومنهم من ابتلى بالقتل ، ومنهم من ابتلى بالأمراض ، لكن ذلك صلاحه باعتبار مآله ، كقطع اليد من الأكلة ، وتجرع الأدوية نعوذ بالله من ذلك ، وكذلك قوله : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لفسد حاله" أي الخواص منهم لأنه بسبب غناه يدخل الجنة ، لكونه يتصدق ويعتق ، إلى غير ذلك من أنواع الخير ، ولو كان فقيراً لسخط وربما أحوجته الضرورة لفعل أشياء بسببها يستوجب النار ، هذا إذا كان لفظ عبادي موجهاً إلى الخواص ، فإذا كان باعتبار العموم فالصلاح في قوله : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني " موجه إلى السابقة فإن من سبق في علم الله أنه من أهل النار لا يصلحه لهذه السابقة إلا الغنى الذي هو عن الفساد ، فصلاحه عين فساده ، وعلى هذا كل من بسبب غناه يكون طغيانه ، وكذلك من سبق في علم الله أنه من أهل النار ولكن لا يصلحه لهذه السابقة إلا الفقر ، وبسببه يكون طغيانه ، ولو كان غنياً لفسد حاله ، أي فسد حال هذه السابقة وهذا سر القدر ، ولا تؤدي عنه العبارة والسكوت فيه أولى
وقال رضي الله عنه : إذا أسلم العبد جميع أموره لله وفوضه له تولاه الله ، وعامله بما يصلحه ، وهو أعلم بمصالح عباده ، فإن أهل الله تعالى وأنبياءه مشوقون ومتشوقون لتجلي الحق لهم فيتجلى لهم بالقدر الذي به يتمتعون ، ويتلذذون على قدر طاقتهم واستطاعتهم ، لأنهم لا يزالون يتقربون ويتوددون إليه تعالى بالعبادات والأعمال الصالحات ، حتى يكون أبصارهم وأسماعهم فيرونه به ، فطلبوه من بابه فكان تجليه لهم رحمة ، وبنو إسرائيل لما لم يفوضوا إليه ولا طلبوه من بابه بل قالوا : (أرنا الله جهرة) تعنتا منهم ؛ تجلى لهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ، فكان تجليه لهم عذاباً ، ثم قال تعالى بعد ذلك : (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) أي تشكرون نعمة الحجاب فإن الحجاب رحمة لمثلكم ، كذلك نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام : (قال رب أرني أنظر إليك) مع أنه قد رآه حيث تجلى له في النار في أول الأمر ، لكن قوله : (انظر إليك) يريد بالجلال والجمال الذي يعلمه لنفسه ، فقال (انظر إلى الجبل) فنظر إلى الجبل ، فتجلى ربه للجبل فجعله دكا ، وخر موسى صعقاً ، والصعقة هي الموت فرآه في الموت وهو مصداق قول رسول الله r : " لن يرى أحدكم ربه حتى يموت ، وهو ما رأى إلا بقدر ثلث الخنصر من الذات " كما ثبت ذلك عن رسول الله r
وبهذا القدر كان تجليه له فوق استعداده وطاقته ، ولو كان فوق ذلك بقليل لصعق حتى لا يبقى موسى ولا يبعث ، فسبحان من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفاته ، ونبينا محمد r لما فوض أمره إلى الله تعالى أسرى به ، وأراه إياه بقدر لا يعلمه إلا هو ، فصار في الظاهر عبداً يمشي في الناس ويتكلم معهم ، وفي الباطن أمواج بحار أنوار الحق تعالى ، ومكنه الله طاقة واستطاعه يحمل بها أعباء ما أهله الله له من مشاهدته ومحاضرته ، وتبليغ أمته الرسالة ، وأداء الأمانة فهو علوي سفلي r ، فسبحان المعطي المانح ، جل جلاله وتقدست أسماؤه ، ولا إله غيره وصلي الله على نبينا وسيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم
وقال رضي الله عنه : أخفى الله ثلاثاً في ثلاث : أولياءه في خلقه ، ورضاه في طاعته ، وغضبه في معصيته ، وبه أوصى الباقر – عليه السلام – ولده فقال : يا بني ، لا تحتقرن ذنباً ، فربما يكون به هبوط الأعمال ، وغضب الرحمن ، ولا تحتقرن طاعة ، فربما يكون بها نيل الخيرات ، وبها رضا الله تعالى ، ولا تحتقرن أحداً من المسلمين ، فربما تحتقر من هو عند الله عظيم ، فتكون منازعاً الله ، وقال بعض الصالحين : إذا اعتقدت أن كل من رأيته هو الخضر فقد رأيته ، ولو كان معروفاً عندك كأخيك أو ابن عمك ، لأنه يتصور بصورته ، والله الله أن تحتقر مسلماً أو تؤذيه ، فقد يكون ولياً من أولياء الله وأنت لا تشعر ، فتكون داخلاً في غضب الله ففي الحديث : " إن الله ليغضب لأوليائه كما يغضب الليث لأشباله "
والله سبحانه يحارب ثلاثة أنواع من أهل المعاصي : قاطع الطريق ، وآكل الربا ، والمؤذي لأوليائه ، وفي الحديث الآخر القدسي : " من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " قال تعالى : (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وقال تعالى في آكل الربا : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) وفي الحديث : " من آذى ولياً فقد حارب الله "
وقال رضي الله عنه : لا ينبغي أن تكون الخلة إلا لله تعالى ، ففي الحديث : " يا أيها الناس ، إنه كان لي فيكم إخوة وأصدقاء ، وإني أبرأ إلى الله أن اتخذ منكم خليلاً ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن أخوة الإسلام أفضل " وأما قول الله تعالى : (الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فهو دليل على ما قلناه ، لأن المتقين هم أحباء الله تعالى ، والله يحب المتقين ، فلا خليل لهم غير الله تعالى ، وليس المراد أن بعضهم أخلاء لبعض ، بل إذا تخالل رجلان في الدنيا صار عدوين يوم القيامة ، لأن كل واحد منهما اتخذ خليلا غير الله ، ولا تبقى الخلة إلا لله ، فالمستثني بقوله : (إلا المتقين) إنما هو الخلة لله فقط ، لأن حقيقة الخلة : هو أن يكون الجوهر عين العرض ، والعرض عين الجوهر كالصباغ في الثوب وهو معنى أن يكون سمعه وبصره إلى آخره
وقال رضي الله عنه : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : حمل الناس قول الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) على غير معناها ، فتركوا النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ، وليس كذلك ، فالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، واجب على كل أحد : إما بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ، وقال رسول الله r : " لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليعمنكم الله بعقاب منه " وقوله : " عليك أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " هو معنى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي ضلال المضل لا يعاقب عليه من اتهدى ، فالواجب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، حتى تكون المعذرة ، والمعذرة هو أن ترى مصداق ما قاله رسول الله r : " مر بالمعروف ، وأنه عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهو متبعاً ، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه ، فعليك بخويصة نفسك ، ودع عنك أمر العوام " وحسبنا الله ونعم الوكيل
وقال رضي الله عنه : لما نزل قوله تعالى : (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) إلى قوله : (وذلك هو الفوز العظيم) ترك الصحابة رضي الله عنهم الأكل من أموالهم ، حتى نزل قوله تعالى : (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحة أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً) فأباح لهم تعالى أن يتصرفوا في ماله الذي اشتراه منهم بالمعروف من غير إسراف ، وكانوا إذا أكلوا جميعاً يؤثر كل واحد منهم أخاه ، وبهذا تحصل البركة ، وقال r : " خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي " وشكا الصحابة عدم الشبع إلى رسول الله r فقال : " لعلكم تفترقون على طعامكم " قالوا : نعم ، قال : " اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه " وقال r : " الذي يأكل وحده شيطان " . وفي الحديث : " الكنود هو الذي يأكل وحده ، ويمنع رفده ، ويضرب عبده " وكذلك إذا أكلوا أشتاتاً فلابد من الإيثار ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا أرحم الراحمين .
وقال رضي الله عنه : عنه قلب ابن آدم ميزانه ، فإن أردت أيها الطالب للعلم : أن تعرف العلم النافع من غيره فانظر في قلبك ، فإن وجدته حين تقف لسماع ذلك العلم يشرئب إلى الدنيا وحب الرياسة ففر منه ، فذلك هو اضلال المبين . وإن اطمأن قلبك عند سماه بالله ، وخرج من قلبك حب الدنيا ، واستغنيت بما عند الله تعالى ، فذلك هو العلم النافع ، فعض عليه بالنواجذ ، وأت ولو حبوا ، وما جمع هذه الشروط وهذه الأوصاف ، سوى قول الله ، وقول رسول الله r . فأولا وبالذات : أنك تكون من الذاكرين الله كثيراً بقولك : قال الله ، قال رسول الله ، ثم يصلي عليك الله عشراً بقولك : r ثم تلتمس الهدى من الذي شهد الله له بالبيان والهدى ، فقال : (هذا بيان للناس وهدى وموعظة) فما أخسر صفقة من استبدل قال الله ، قال رسوله ، بقول فلان : قال فلان . أتراه نوراً وكلام الله ورسوله ظلمة ؟ أو تلتمس الهدى من غير ما التمس منه الصحابة والصالحون من التابعين ؟ اللهم انفعنا بالقرآن العظيم ، وبسنة رسولك r
وقال رضي الله عنه : قال الله : (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة) عظم تعالى النفس اللوامة فأقسم بها ولا يقسم إلا بعظيم ، ثم قرنها بيوم القيامة ، وذلك لأن النفس اللوامة وهي التي تذكر ذنوبها فتلوم نفسها ، ولومها نفسها هو قيامتها ، وهو معنى قول رسول الله r : " حاسبوا نفوسكم قبل أن تحاسب " فمن حاسب نفسه ولا مهما فقد أقام قيامته ؛ لأن يوم القيامة هو يوم الحساب . وفي الحديث : كان رسول الله r في سفر ، فنزل منزلاً ، فذهب رجل إلى الرمضاء وجعل يتمرغ فيها ، ويقول لنفسه / ذوقي حر النار ، جيفة بالليل وبطالة بالنهار ، وتطمعين أن تدخلي الجنة ، فبينما هو يتقلب في الرمضاء إذ أبصره رسول الله r فجاء إليه فقال : يا رسول الله ، غلبتني نفسي ، فقال له r : " إن الله قد باهى بك الملائكة " ثم قال r لمن حضر من أصحابه : " تزودوا من أخيكم " فجعل كل واحد منهم يقول : ادع لي ، فقال رسول الله r : " عمهم عمهم " وذلك لكونه حاسب نفسه في خلوته ، ووبخها ولامها ، فالكيس اللبيب من أكثر اللوم على نفسه ، وحاسبها قبل أن يحاسب على مثاقيل الذر . اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً ، وأن تشغلنا بعيوبنا عن عيوب غيرنا ، برحمتك يا أرحم الراحمين
وقال رضي الله عنه : ليس ما عبر عنه من المستقبل بصيغة الماضي في القرآن لتحقق وقوعه ، كما زعم أهل المعاني مثل قوله تعالى : (أتى أمر الله) (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) (وسيق الذي اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) بل ما كان في علم الله تعالى فهو مشاهد معاين عنده سبحانه وتعالى ، فإن علمه عين إبصاره ، فكل ما يكون في يوم القيامة مشاهد له من قبل خلق كل شئ ، فإنك ترى المنى حال نزوله من الصلب وهو ماء ، والله سبحانه وتعالى يراه على الخلقة التي سيكون عليها ، ويرى في ذلك المنى عيونه بقدر حجمها ، وسمعه وبصره ، وجميع جوارحه وأعضائه على ما ستكون عليه ، بل يراع كذكل قبل خلق كل شئ ، وعلمه بالشئ تعالى عين رؤيته له ، ويرى عياناً ذرية تلك النطفة إلى ما لا نهاية له ، أرى الله سبحانه وتعالى نبيه r عياناً ليلة الإسراء كل ما سيكون ، كالمرأة تخدشها هرة ، فإنه رآها r عياناً مع أن تلك المرأة في البرزخ ورآها r كذلك في النار ، وفي الحديث : أن رسول الله r كان يوماً جالساً بين أصحابه ، فقال : " إني أرى حجراً ألقى من شفير النار ، وله سبعون سنة يهوى فيها ، وهو الآن وصل قعرها " فلما سكت r سمعوا وجبة عظيمة حتى حصلت رجفة ، وما سكنت تلك الوجبة حتى سمعوا صياحاً في بيت رجل من المنافقين مات في تلك الحالة ، وعمره سبعون سنة ، فكل حياته يهوى في النار وحال مماته وقع في قعرها (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) فعبر r بالحجر عن ذلك المنافق ، ورآه رأى العين مع أنه في تلك الحالة في بيته لم يخرج منه ، فانظر إلى بطلان قول أهل المعاني : يؤتي بصيغة الماضي في محل المستقبل لتحقق وقوعه ، بل هو واقع وصيغته مطابقة لمعناه . والله المستعان
وقال رضي الله عنه : أعظم البلايا والرزايا والامتحانات واقعات على الأنبياء والأولياء من عباد الله تعالى ، وذلك لأن كل اسم من اسماء الله تعالى له تأثير في خلقه ، فكل واحد يطلب حظه ، فحظ المنتقم والضار والجبار منهم في الدنيا ، والخير كل الخير لهم في ذلك ، فإنه لا يبقى بينهم وبين النعيم المقيم سوى الموت ، وبقدر المشاق تكون لذة الراحة سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه : يا رب لم تعطي الدنيا الكفار والمجرمين وتزويها عن عبادك الصالحين ؟ فكشف له عن حالة من ابتلاه الله في الدنيا من المؤمنين ، فلما رآه وما هو فيه من النعيم قال : لا يضره إذا ما ابتلى به في الدنيا ، ولو سحب على منخره من أول حياته إلى آخرها ، وكشف له – أيضاً – عمن أنعم عليه في الدنيا من المجرمين ، فلما رآه وما هو فيه من العذاب قال : لا شئ ما كان فيه ولو ملك جميع الدنيا وما فيها ، ولا شك أن كل ما فقد ولو كان أعلى وأغلى وأعز ما في الوهم فهو كلا شئ ، قال الشاعر :
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
وقال آخر :
إن التجار إذا عادوا وقد ربحوا أنساهم الربح ما عناهم السفر
هذا من غير نظر إلى أن جميع ما في الدنيا الفانية لا يعدل ما يكون لأدنى أهل الجنة الباقية ، فإن الدنيا تتصور يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء ، وتسأل الله أن يجعلها لأدنى أهل الجنة ، فيقول : لا . يا لا شئ ، أي أنت أهون أن تكوني لأحد من أوليائي ، هذا وفي طي ابتلاء المؤمنين حكم ، قال تعالى : (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)
ألا ترى أن الصحابة في أحد وقع عليهم ما وقع ليبتليهم ؟ قال تعالى : (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) يعني : الهزيمة ، وأي ابتلاء أعظم من هذا ؟ رسول الله r فهيم ، وهم المحقون وعدوهم المبطلون ، ويريدون إعلاء كلمة الله تعالى ، ثم حصل عليهم ما حصل قال تعالى : (وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم) لأن الفتنة هي الاختبار يقال : فتنت الذهب أي ألقيته في النار ليختبر ، ويظهر هل هو ذهب أو لا ؟ وهل هو جيد أو ردئ ؟ ولذة قال منهم قائل : (لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا) وقال البوصيري في الدرر المضية في مدح خير البرية :
لو يمس النضار هون من النار لما اختير للنضار الصلاء
فإذا عرفت وأمعنت فكرك فيما سنح هان عليك جميع مصائب الدنيا ، وتعلم أن في طيها مع الصبر عليها كل الخيرات ، ونيل الدرجات ، وكفى لك أسوة بصاحب المعجزات والكرامات عليه وعلى آله أفضل السلام وأزكى التحيات (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد)
وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) معناه في الظاهر قال رسول الله r : " صلوا في نعالكم " وفي الباطن " زينة الإنسان في صلاته حضور قلبه وإخلاص عمله " ومعنى الإخلاص أن تكون صلاته تلك خالصة لله تعالى كما يستحق كماله وجلاله له ، لا لطمع في شئ ولا لنجاة من شئ ، وإنما يسأل الله الجنة لكونها محل رضاه ، ويتعوذ من النار لكونها محل سخطه ، قال رسول الله r : " لا تكن كالأجير السوء إن أعطى عمل ، وإن لم يعط لم يعمل ، ولا تكن كالعبد السوء إن خاف عمل ، وإن لم يخف لم يعمل " هذا فإن بلغ العبد إلى هذه الرتبة فقد أخذ زينته ، والزينة هي مقامه في محل العبودية من جميع الوجوه
واستؤذن رضي الله عنه : من بعض من ينسب إليه في أن يقرأ في كتاب من الكتب المؤلفات فأعرض عن الجواب ، ثم قال : استأذن فيما سلف رجل شيخه في أن يدرس كتابا من المؤلفات فقال له : على اختيارك ما ظهر لك عملت به ، وهذا التلميذ المستأذن رجل غريب ، فدرس في مسجد تلك البلدة التي هو فيها ، فلما سمع شيخه بذلك قال له : يا رجل ، إنك مازلت مطاوعاً نفسك لم تقنع بشهرتك ورياستك في بلدك ، حتى أردتهما في غربتك ، يعني أن وضع التدريس كما يفعل الآن للشيطان والنفس فيه مجال تصعب السلامة منهما ، لأن بسبب ذلك يظهر ويشتهر والظهور يقصم الظهور ، والظهور نقمة والنفس تهواه ، والخمول نعمة والنفس تأباه ، ولكن الذي كان عليه الصحابة وأهل الله من بعدهم أنهم لا يفتون إلا عند الحادثة ، حتى إن عمر – رضي الله عنه – كان إذا استفتى عن شئ يقول : أوقع ذلك ؟ فإن قالوا : لا . قال : لا تسألوا حتى يقع ، وإذا وقع فتح الله فيه ، وروي ذلك – أيضاً – عن مالك رحمه الله تعالى