وسئل :

رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ؟

فأجاب :

أن لها تفسيرين : أحدهما : أن اليقين هو : الموت وهو الظاهر فتكون حتى للغاية ، الثاني : أن اليقين هو أن يرى الشئ عياناً ، ألا ترى أن الواصف إذا وصف لك شيئاً وأنت معتقد اعتقاداً صحيحاً لا يختلجك شك ، ولا ريب عندك أنه صادق فيما وصف ، لكنك لم تر ذلك الموصوف ، فأنت لا تزال تتخيل هذا الموصوف وتتصوره ، ومعلوم قطعاً أن تخيلك وتصورك لهذا الشئ الذي لم تره لا يطابق حقيقته ، كمن يصف لك مكة مثلاً وأنت لا تعرفها ، وتصورها تصويراً لا يطابق ما إذا رأيتها عياناً ، فإذا رأى الإنسان حقيقة الأمر آمن به وهو يشاهده ، وإذا آمن بما وصفه الواصف من دون مشاهدة فهو مؤمن بالغيب ، والمؤمن إذا عبد الله حق عبادته بقدر استطاعته عرفه الله سبحانه وتعالى ، وإذا عرفه فلا يشهد سواه ، حتى إنه يحول بينه وبين قلبه أي إذا رأى قلبه بعين البصيرة وجد الله حائلاً بينه وبين قلبه ، وبهذه المعرفة تنال المعارف الإلهية التي من لدنه تبارك وتعالى

وكلما صفا صوفي صفا قلبه قربت منه أشكال المعارف ، الا ترى أن الزجاج أصله حجر كثيف ، ثم لما صفى وزالت عنه الكدورات قرب الأشخاص البعيدة ، فإن الناظور يقرب الشئ البعيد ، حتى إن ما زادت تصفيته يقرأ الإنسان به مكتوباً من مسافة بريد ، كذلك المنظرة تقرب الشمس من مسيرة أربعة آلاف عام ، حتى تحرق ما وقعت عليه ، وهذا أعظم من آسف بن برخيا فإنه أتى بعرش بلقيس من مسافة ثلاثة أشهر قبل أن يرتد الطرف ، وهذه أتت بالشمس من مسافة اربعة آلاف سنة قبل ارتداد الطرف ، فإنك إذا ركبتها على شئ أحرقته بمجرد وقوعها عليه ، فالنبي r هو عين الوجود ، وواسطة عقده ، أخذ من أنوار الحق تعالى بقدر صفوه ، فالآخذ من الله تعالى بواسطته r ، ولله المثل الأعلى ولرسوله في القوى كآخذ الضوء من الشمس بواسطة الزجاجة ، وهذا تشريف لهذه الأمة وأي تشريف لأنهم الآخذون بواسطته ، والآخذ من الله تعالى من غير واسطته r كآخذ الشئ من الشمس من دون واسطة الزجاجة ، وذلك لأن الرسول r هو النور الذي قبضه الله من قبضة نوره ، قال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) فالنور : هو الرسول r إذ لو كان النور هو الكتاب لكان لفظاً متكرراً ، والحق تعالى هو سمعه وبصره وقلبه إلى آخره ، فكله r نور مع أنه متحيز في بشريته وفي عبوديته

والحق تعالى مطلق في كبريائه وفي ملكوته (وهو الله في السماوات وفي الأرض) في حال كونه على العرش استوى ، في حال كونه قلب عبده المؤمن وبصره وسمعه سبحانه ، فلرسول الله r وجهتان وجهة إلى الحق تعالى وهو المقام الذي قال تعالى فيه : (والله ورسوله أحق أن يرضوه) فأعاد الضمير بصيغة الإفراد وقال تعالى : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصلاً) فأعاد الضمير بصيغة الإفراد ، وقال r في هذا المعنى : " من رآني فقد رأى الحق تعالى " وقال r : " إن لي وقتاً لا يسعني فيه إلا ربي " ولذا قال تعالى : (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) فالحجاب المستور هو كونهم ما رأوا فيه إلا البشرية والعبودية إذ لو صدقوه لرأوا ما رأى الذين قال تعالى في حقهم : (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) فهو r أقرب الكون إلى الله ، بل فوق العرش الحجب سبعون حجاباً ما بين كل حجاب وحجاب مسافة سبعين ألف سنة ، وغلظ كل حجاب سبعون ألف سنة ، وفوق ذلك فضاء لا يعلم قدر مسافته إلا الله سبحانه وتعالى وهو الذي يقال له . عالم الرقا وهو مظاهر أسماء الله ، وهو فوق العرش والكرسي ، ووراء هذا كله نور سيد الكونين والثقلين ، الرسول الخاتم خاتم الأنبياء والمرسلين ، سيد ولد آدم أجمعين

ولذا قال r حين سأله الأعرابي أين كان الله تعالى قبل أن يخلق الخلق ؟ قال : كان في عماء بالمد والقصر ، فازداد السائل حيرة ؛ لأنه إن كان بالمد وهو السحاب الرقيق فيكون معناه (يوم يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وإن كان بالقصر فهو الغشاوة على القلب أو على العين ، فاستفاد السائل هذا العلم من رسول الله r وبه ازداد حيرة ، فالعلم بالله تعالى كلما زاد زاد صاحبه حيرة ، وفي هذا المعنى قال رسول الله r يوماً لأصحابه : " لو عرفتم الله حق معرفته ، لمشيتم على البحار ، ولزالت بدعائكم الجبال ، ولو خفتم الله عز وجل حق مخافته لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل ، ولكن ما بلغ ذلك أحد ن قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا . قالوا : ما كنا نظن أن الأنبياء تقصر على ذلك قال : الله أعظم من أن ينال أحد أمره كله ، ووراء ذلك ما لا يعلمه إلا الله "

ومع هذا فهو r في حيرة ، ولذا قال : " رب زدني فيك تحيراً " وهو – أيضاً – مع كونه في مقام الأمن والقرب أخوف الخلق من الله تعالى ، وفي مقام الخوف قال r : " ليت رب محمد لم يخلق محمداً " يعني أنه يتمنى أن لو لم يقبض الحق تعالى قبضة من نوره لتحيز البشرية بل كانت مطلقة في أصلها ، وقال أبو بكر الصديق بل كانت مطلقة في أصلها ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ليت أبا بكر كان شجرة فعضدها جمل في فيه فكان بعراً ولم يكن بشراً ، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف ، وله r وجهة إلى الخلق قال تعالى : (واعلموا أن فيكم رسول الله) وقال تعالى : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله) فقال : لتؤمنوا وجعله المرسل والمرسل إليه

وقال r : " لا تدخل الشوكة في رجل أحدكم إلا وجدت ألمها " فهو r حقيقة الكون كما أن الشجرة لها ورق وغصون وفروع ، وعروق وجذوع ، وزهر وثمر ، وحقيقة الكل شجر ، فجميع دعائه r بصيغة الإفراد المراد به أمته ، فدعاؤه لنفسه عين دعائه لأمته ، فمن صفاً قلبه من أمته r وتوجه به على الله بواسطة رسول الله r ، تفجر من قلبه ينابيع الحكمة وأخذ قلبه أنوار العلم الإلهي ، فقوى بقوة قابلية الواسطة r ، ومن كان كذلك فهو الوارث الذي قال فيه r : " العلماء ورثة الأنبياء " ومن لفظ الصفاء أخذ الشاعر تسمية الصوفي صوفياً فقال :

لا تحسبن لباس الصوف لابسه                        يدعي به بين أرباب العلى صوفي

تنازع الناس في الصوفي واختلفوا             وكلهم قال قولاً غير معروف

ولست أمنح هذا الاسم غير فتى               صفا فصوفي حتى سمى الصوفى

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى – لرسوله r : (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فسأل رسول الله r جبريل عليه الصلاة والسلام عن معنى ذلك ؟ فقال جبريل : حتى أسأل ربي فقال تعالى : أن تعفوا عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتحسن إلى من اساء إليك وأما قوله تعالى : (وأعرض عن الجاهلين) فليس المراد إعراض غضب ، بل معناه : لا تؤاخذهم بجهلهم ، لأن الإنسان ربما حفر حفرة وفي علم الله أنه لا يقع فيها إلا ذلك الحافظ لها لكنه جاهل لذلك ، ولو علم لما حفرها فهذه حالة الجاهل ، فأذيتهم لك هي عين أذيتهم لأنفسهم ، لكنهم جهلوا ولو عرفوا لما آذوك ، فأعرض عن جهلهم هذا ، وتخلق بأخلاقنا فإنا نعرض عمن جهل علينا فعسى أن يتوب منه (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من علم منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ) فأتمر r لأمر رهب وأعرض عن جهلهم ، حتى أنه طلب منهم أن يقتصوا منه حقوقهم إن كان لهم عليه حقوق فقال r : " أيها الناس لعله أن يكون ([1]) قد دنا مني حقوق وأنا بين أظهركم ، فمن كان له على محمد حق من مال أو شعر أو بشر ، فهذا مال محمد وشعره وبشره ، ولا يقولن أحدكم إني أتخوف العداوة والبغضاء من محمد فإنهما ليستا من خلقي ولا من طبيعتي ، وإن أولاكم بي رجل كان له على شئ من ذلكم فأخذه أو يحللني ، فألقي ربي وأنا محلل لي " ثم قال تعالى : (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) أتبع تعالى هذا الآية التي قبلها وذلك لأن الشيطان مجالاً عند هذه الخلال والاستعاذة من الشيطان هي : التلفظ بلفظ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ومعنى قول النبي r : " وأعوذ بك منك " أن الله هو الآخذ بناصية إبليس باسمه المضل قال تعالى : (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) فلا سلطان له على عباد الله

وقال رضي الله عنه : الصراط المستقيم الذي هو أحد من السيف وأدق من الشعر ، هو في الدنيا قبل الآخرة ، وفي الآخرة مروره على قدر الاستقامة عليه في الدنيا ، وهو في الدنيا في جميع الأمور وهي لا تحصى ، فمن ذلك أن تؤمن بالقدر خيره وشره ولا تحتج به ، ومن ذلك أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى قلب عبده المؤمن وسمعه وبصره في حال كونه على العرش استوى ، في حال كونه في السماوات وفي الأرض في حال كونه (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) من حيوان وإنسان ونام وجماد وجامد ومائع ، ومعيته مع كل شئ من ذلك غير المعية التي مع الآخر ، وهو ناظر إلى كل فرد من أفراد الكون نظرة غير نظرة الآخر ، وناظر في كل شعرة غير نظرة الأخرى ، ومصاحب لها من غير أن يشتمل عليه تعالى زمان ولا مكان ن فهو كما كان وكما يكون دائماً أبدياً سرمدياً باطناً في حالة ظهوره

ومن جملة أدعية الصوفية : كيف أعرفك وأنت الباطن الذي لا تعرف ، وكيف لا أعرفك وأنت الظاهر الذي في كل شئ تتعرف ، وهو تبارك وتعالى أول في حال كونه آخر سبحانه وتعالى ، ومن ذلك أن تباشر الأسباب ولا تقف معها كأن تمتثل قوله سبحانه وتعالى : (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) وقوله تعالى : (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) ولكن لا تقف معها فمن اشتغل بها عن الله تعالى فقد خسر ، كما أنه تعالى أمر بالتزويج ليكون بسببه النسل ، وبالتكسب ثم قال : (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) وهو معنى قوله r : " اعقلها وتوكل "

ألا ترى أنه r لما وصل بالبراق إلى بيت المقدس ربطها في الحلقة التي كانت الأنبياء تربط فيها ، مع أن البراق مأمور فأين يهرب ؟ وأين يذهب ؟ ومن ذلك أنه تعالى أمر بالأسباب التي توصل إلى الجنة والتي تقرب عبده منه ، ثم أمرنا أن لا نقف معها ، فقال تعالى : (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً) فإذا ركنت إلى عملك فقد اتخذت من دون الله أولياء ، قال الله (فاعبده وتوكل عليه) أي تقرب بالعبادة التي هي السبب ولا تركن إليها ، بل توكل عليه سبحانه وتعالى ، فإذا اراد الله بعبده خيراً سلك به الصراط المستقيم فلا يميل عنه ولا يحيف ، بل كلها عثر أو كاد قادته يد التوفيق ، وعلى قدر هذا السلوك يكون المرور على الصراط يوم القيامة الذي هو ألف سنة صعوداً ، ومثلها هبوطاً ، ومثلها استواء أيضاً ، فمنهم : كطرفة العين ، ومنهم : كالبرق الخاطف ، ومنهم : كالريح القاصف ، ومنهم : من دون ذلك ، ومنهم : على قدمه وحبواً ، اللهم ثبت اقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام يا ارحم الراحمين

وقال رضي الله عنه : معنى نية المؤمن ابلغ من عمله : أنه قد يحج الإنسان وهو في بيته من دون سفر ولا تعب ، وذلك كأن تمنعه عن الحج موانع الشرع ونيته منطوية عليه ، ولولا أنه عاقته عوائق قدمها الشرع على الحج لأتى مكة ولو حبواً ، ومن ذلك أن أهل الجنة يخلدون في الجنة ابداً مع أنه لم يعمل كل واحد إلا مدة عمره ، وكذلك من خلد في النار فهو ما عمل عمل أهل النار إلا مدة عمره ، والله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم أحداً ، لأن نية المؤمن أنه لو عمر في الدنيا أبداً مؤبداً لبقي على حالته التي هو فيها يعبد الله فيها ، ولا يشك به شيئاً ويؤمن بالله ورسوله فأبدته وخلدته نيته ، وكذلك الكافر فإن نيته لو عمر أبداً لبقي كافراً قال تعالى : (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) فخلدته نيته في النار . نسأل الله العافية والسلامة

وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) زعم المفسرون : أنهم أناس استوت حسناتهم وسيئاتهم يبقون بين الجنة والنار ، وهذا غلط لأنه لا دليل لهم أن في الآخرة دار ثالثة ، بل أصحاب الأعراف رجال من أولياء الله ، أودع الله فيهم هذا السر وهو كونهم يعرفون كلا بسيماهم ، ولذا أتى بالنكرة التي تقتضي التعظيم بقوله : وعلى الأعراف رجال ، أي أي رجال مثل قوله تعالى : (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) ومثل قوله تعالى : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدا الله عليه) فقولهم : أناس استوت حسناتهم وسيئاتهم لم يفسره الرسول r بذلك ، حتى إنا نعتمده كما فسر المغضوب عليهم : باليهود والضالين : بالنصارى ، فيجب الوقوف على كلامه r ، وإن كان لفظ المغضوب عليهم يتناول كل من غضب الله عليه كقاتل العمد قال الله تعالى : (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه) وكذلك الضالين

وأما أصحاب الأعراف فلم يفسرهم الرسول r بذلك التفسير الذي فسروه ، فمن أين أخذه ؟ مع أنه قد انقطع الوحي بموته r ، فما بقي إلا أنهم فسروه من جهة عقولهم ورأيهم ، وليس للعقل والرأي في الشرع مجال ، والمعنى الظاهر من اللفظ في قوله : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم) أن هذا السر وهو المعرفة السيما

في ذلك اليوم الذي يقوم فيه كل الناس حتى الأنبياء : نفسي نفسي ، لا يودعه الله غلا في رجال اصطفاهم لذلك الخطاب في يوم تطيش فيه الألباب ، فقال تعالى حاكياً عنهم : (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) ثم قوله : لم يدخلوها أي أصحاب الجنة وهم يطمعون في دخولها (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) فهؤلاء أصحاب الأعراف هم كبار الأولياء لأنهم حكموا بحكم الله في ذلك اليوم الذي قال فيه تعالى : (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) فهل يتكلم في تلك الحالة غير من كان من أهل الله ، لا ينطق بحكمه قبل وقوعه ، ويعرفون كلاً بسيماهم ، يا هل ترى أن يتكلم أحد في (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) ؟ فكل مشتغل بنفسه ، بلى . فلا – والله – يتكلم هناك (إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)

وقال رضي الله عنه : قال موسى عليه الصلاة والسلام : يا رب ، خصني بشئ أقدسك به دون غيري ، فقال : قل : لا إله إلا الله ، فقال : يا رب ، علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به ، فقال : قل : لا إله غلا الله ، فقال : يا رب ، أما هذه فكل أحد يقولها ، فقال تعالى : يا موسى ، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري (وقوله وعامرهن غيري بالغ في الكلام لأنه بالنسبة إلى أن الله هو الذي عمرها فليست ثقيلة ولا في عمارتها كلفة بل هي بكلمة كن ، ولفظة كن لا تعدل لا إله إلا الله ، فانظر إلى هذه البلاغة ، ثم لم يقل في الأرضين وعامرهن غيري لأنه كذلك في السماوات ، وإنما الأرضون أهون وأدون) والأرضين السبع في كفة ، ولا إله إلا الله في كفة ، لرجحت بهما لا إله إلا الله

ومعنى هذا قصة الله تعالى في القرآن لرسوله r ، قال تعالى : (وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى) فعجل إلى الله سبحانه وتعالى شوقاً إليه ، وخلف قومه وراءه ، وطمعاً أن ينال منه تعالى شيئاً يختص به ، فأدبه الله تعالى بأن فتن قومه بعده وأضلهم السامري ، ثم لم يخصه بشئ دون غيره ، بل قال له : قل : لا إله إلا الله ، فأمر أن يقول هذه الكلمة التي عم بها الأقصى والأدنى من المسلمين ، وذلك ليعلم أن فضل الله لا ينحصر في أحد ، ولا يختص به أحد ، بل فضله شامل وعطاؤه سبحانه عام ، وخزائنه لا تفنى ، ولو كان جميع ما خلق الله تعالى من جن وإنس وغيرهما في درجة موسى لم ينقص من سعة فضل الله أحد منهم ، وأدب الله تعالى بهذه القصة رسوله الأعظم ونبيه الأكرم r ، ولذا قال لأبي ذر : " إني أراك ضعيفاً ، وإني أتمنى أن تكون مثلي " أي من جميع الوجوه وذلك لعلمه r بسعة فضل الله ورحمته ، وهو يتمنى ذلك r لكل فرد من أمته ، وأمره الله تعالى أن يصبر نفسه مع أمته فقال : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) فهو يسوق أمته r ، ويجعلهم أمامه وظهره للملائكة ، وذلك أن قوة النبوة لا يلحق بها غيرها ، فلو لم يسقهم لتخلفوا وراءه وفتنوا r

وسئل :

رضي الله عنه : هل يستفاد قبول شورى المرأة من قبول شعيب r شورى بنته لما قال له (يا أبت استأجره) فقبل ذلك بقوله : (إني أريد أن أنكحك احدى ابنتي هاتين) ؟

فأجاب :

فقال : لا يستفاد ذلك بل يشارون ويخالفن ، وأما مقام الأنبياء فهو معصوم فيسرى سره على من لسي في مقامه ، فتستفاد الشورى عن المرأة وغيرها ببركته هو ، فإن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله r أن يشاور أصحابه فقال : (وشاورهم في الأمر) مع أنه r أعقل العقلاء ، وأكمل الكملاء ، وأعرف بعواقب الأمور ، وقطب الكون الذي عليه رحاه يدور ، لكنهم بسبب صحبتهم له r تدفق عليهم أنوار أسراره ، فلا ينطقون إلا بالصواب ولا يتكلمون إلا بفصل الخطاب ، فلا يقاس على مقام الأنبياء ووقتهم ولا يضاهي ، بل مقامهم معصوم ، يختص بما لا يطلق على العموم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل

وقال رضي الله عنه : إذا أراد الله سبحانه بعبده خيراً رضاه بما هو فيه ن حتى يعتقد أن حصول ما هو فيه خير من عدم حصوله ، فإن أهل سبأ كانت لهم الجنتان اللتان وصفهما الله في القرآن بقوله : (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) وتانك الجنتان مسافة شهر أو أكثر ، فإنهما من قرب صنعاء اليمن إلى قرب الشام قال تعالى (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) ووصفها تبارك وتعالى بأنها طيبة ، فإنها من طيب هوائها لا يعيش فيها البق ، ولا البرغوث ، ولا القمل ، ولا العقرب ، ولا البعوض ، ثم تضع المرأة المكتل على رأسها ، فتمضي بين الجنتين بقدر سويعة وأقل ، فلا تقطعها إلا وقد امتلأ المكتل مما تساقط من الثمار من جميع الفواكه ، مع أن الله سبحانه وتعالى قدر السير فيما بين القرية إلى القرية بحيث يمكن المسافر أن يتغذى في قرية ويتعشى في أخرى ، ويبيت في ثالثة ، فلم يرضوا بهذه الحالة بل بعضهم قالوا : لو طالت المسافة بين القرى فقالوا : (ربنا باعد بين أسفارنا) بصيغة الأمر

وبضعهم قالوا : لو قربت المسافة بين القرى ، فقالوا : ربنا باعد بين اسفارنا بصيغة الماضي على جهة الإخبار ، فلما لم يرضوا بما هم فيه ، قال تعالى في حقهم : (وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق) وبدلهم تعالى بجنتيهم (جنتين ذواتى أكل خمط وأثل) وهذان النوعان ليس فيهما منفعة سوى الحطب ثم قال : (وشئ من سدر قليل) أي وهذا النوع الذي فيه بعض منفعة دون غيره من الفواكه فإنه أقلها منفعة فلله تعالى فقال : (وشئ من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) فكفران النعمة هو عدم الرضا بها وإن كانت في الظاهر ليست نعمة ، فكل ما هو من الله سبحانه وتعالى فهو نعمة ن فإن في الأسقام والأمراض نعمة للعبد ، لو يعرف قدرها لاختار وجودها عند وجودها على عدمها ، اللهم رضنا بقضائك ، وبارك لنا فيما قدرت لنا ، حتى لا نحب تأخير ما عجلت ، ولا تعجيل ما أخرت ، ونسألك العافية من كل بلية ، ونسألك تمام العافية ، ونسألك الشكر على العافية ، ونسألك الغنى عن الناس ، ولا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم

وقال رضي الله عنه : المشايخ يمتحنون تلاميذهم بأمرهم بفعل شئ مما يخالف عاداتهم ، ليعرف الصادق من غيره ، ولهم في ذلك حكايات عجيبة ليست هذه الكراريس موضع ذكرها ، ومعهم على ذلك دليل من كتاب الله تعالى ، قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن) والمؤمنات يشمل الذكور والإناث ، فالمؤمنات صفة للنفوس ، أي النفوس المؤمنان ، وقد أطلق سبحانه وتعالى لفظ النفس على الأشخاص فقال تعالى : (إن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) إلى آخر الآيات ، ثم قال : (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) فعلى قراءة الكسر يعود الضمير إلى النفس وعلى قراءة الفتح يعود إلى الأشخاص المؤمنات ، بدليل أن النبي r لما نزلت عليه (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين) على قوله : (إن الله غفور رحيم) كان يبايع الذكور والإناث بهذه الصيغة على هذه الشروط ، فيقول للذكور : " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تسرقوا ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف " فدل على أن المراد بالمؤمنات : النفوس

وسئل :

رضي الله عنه : هل لمن أراد أن يأخذ شيخاً أن يطلب منه كرمة ليطمئن بها قلبه ، لأنه ربما يكون ذلك الشيخ متطفلاً وليس بأهل للمشيخة ، ثم إذا طلبها هل للشيخ أن يظهر له كرامة أم لا ؟

فأجاب :

بأنه لا ينبغي لمن أراد الأخذ أن يطلب من الشيخ ذلك ، ولا ينبغى للشيخ أن يظهر له ذلك ، لأنه إن كانت له عناية وجذب من الله تعالى ، فهو يرى جميع حركات الشيخ وسكناته كرامات إذا كان صادقاً وإن لم يكن له عناية فربما يتأول التلميذ الكرامة الظاهرة كما حكى الله سبحانه عن الكفار بقوله : (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) وقال تعالى (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) الآية . ثم إذا ظهرت له الكرامة ولم يتلقها بالقبول الصادق فذلك الخطر العظيم ، لأن بني إسرائيل لما سألوا عيسى أن يسأل ربهم أن ينزل عليهم مائدة من السماء قال الله تعالى : (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين) فلو لم يسألوا ذلك لكان عذابهم كعذاب غيرهم إذا كفروا فتأمل ما أخطر الإنكار بعد ظهور الحجة

ثم ضرب رضي الله عنه مثلاً فقال : إذا أراد الإنسان أن يضع شيئا من زيت أو سمن في إناء ليحفظه له ، هل يحفظه التراب إذا صبه عليه ؟ لا ، بل إذا أراد الإنسان أن يصنع من التراب إناء فلابد أولاً أن يعجنه بالماء ، ثم يخدمه حتى يمتزج بالماء ثم يهيئ صورة الإناء ، ثم ييبس في الشمس وقتاً من الزمان ، ثم توقد النار فيدخل فيها حتى ينضج نضجاً كاملاً ، ثم يخرج منها فيختبر ، فإن لم يحفظ الماء أولا أعيد في النار ، ثم يخرج ويطلى بطلاء ثم يعاد في النار ، فبعد ذلك لا يخون ، فتضع فيه ما شئت من زيت أو سمن أو غير ذلك فإنه يحفظه

كذلك الأسرار لا توضع في صدور الرجال إلا بعد تعجب ورياضة ، وخدمة من الشيخ : بالتعليم والاختبار والامتحان للرجل الذي يريد وضع الأسرار فيه ، فإن علم أنه قد صار حافظاً لا يخون وضعها فيه وإلا أمسك ، وهذا التدبير هو الذي أجرى الله عليه الكون ، فإنه تعالى كان قادرا أن يعطينا الخبز على صورة لا يحتاج معها إلى شئ من الخدم ، لكنه أولاً ألهمنا وأمرنا أن ندفن الحب في التراب ، ثم نسقيه بالماء حتى تمتد عروقه في الأرض فينبت ثم يسنبل ، ثم يحصد ثم يداس ، ثم يطحن ثم يعجن بماء ، ثم ينضج في النار ، ثم يؤكل ، وهذه قاعدة كلية في كل شئ أنه لا يحصل للإنسان شئ إلا بعد أن يدأب فيه بجد وجهد ، حتى يحصله بعد زمان وإمعان ، فقال له السائل : فبم نعرف صدق الشيخ من عدم صدقه ، فقال : بالصدق ، فإذا عاملت الله سبحانه وتعالى بالصدق واستخرته ، فحق عليه إذا عرف صدقك أن لا يدلك إلا على الصدق (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)

وقال رضي الله عنه : إسرائيل نبي الله r لما حرم على نفسه لحم الإبل حرمها الله على أولاده ، ثم زاد على ذلك بأن حرم عليهم كل ذي ظفر تبعاً له ، لكونه حرم على نفسه ما أحل له ، قال تعالى : (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة) ونبينا محمد r لم يقره الله على ما فعل من تحريم نسائه ، بل عاتبه فيها وذلك عناية به r ، ورحمة من الله لأمته ، لأنه لو أقره لكان مشروعاً لأمته ، لأنه r أبو المؤمنين وما فعلته الآباء يثبت في الأبناء من خير وشر ، قال تعالى في قصة الخضر مع موسى : (وكان أبوهما صالحاً([2]) وكان أبواه مؤمنين)

وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) وقال تعالى في عكس ذلك : (ولا يلدوا إلى فاجرا كفارا) وذلك أن النبي r : حقيقة المؤمنين قال r : " لا تدخل الشوكة في رجل أحدكم إلا وجدت ألمها " وقال الله تعالى : (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) الواو – هنا – تفسيرية أي واستغفر لذنبك الذي هو ذنب المؤمنين والمؤمنات ، وأما هو r فمن أين له ذنب ؟ وإذا فرض أن له ذنباً من حيث إنه يعده هو ذنباً وليس بذنب ، لأنه لما عرف الله تعالى حق معرفته نزل نفسه r منزلة المقصر في حق من عرفه ، فقد غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر ، فعلم أنه r حقيقة المؤمنين فأمره الله تعالى بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ليتحقق له الشفاعة ، فهو r ينوب عن أمته ويشفع لهم ، والرزية كل الرزية في الذنب من المؤمن إذا أذنب وحقيقته الرسول r . اللهم إنا نسألك العافية ، ولذا كلما ازداد الإيمان في امرئ كان الذنب منه أعظم منه من غيره

وسئل :

رضي الله عنه : كيف تكون آداب التلميذ بين يدي شيخه ؟

فأجاب :

إن الأدب كل الأدب من التلميذ : أن يعي لما سمعه منه بأذنه وقلبه ، فيقتدي به قولاً وفعلاً وعقيدة ، وأما آداب الهيئات : فيجمعها ثلاث كلمات : وهن : كن مع أهل الظاهر بالظاهر ، ومع أهل الباطن بالباطن ، وكن مع أهل الله كيف شئت ، فإنهم لا يرون الأفعال كلها إلا لله ولا يشهدون سواه ، فلا قبيح عندهم ولا شين ، بل كل ما فعل الحبيب مليح .

وقال رضي الله عنه : أخوف شئ على المريد : التهاون بحقوق الخلق وإن قل ؛ لأنه الذنب الذي لا يتركه الله تعالى وإن كان مثقال ذرة ، فإن رجلاً وقف على جزار ليأخذ منه لحماً فلما وصل إلى يده أرجعه عليه ولم يأخذه ، فخاصمه بين يدي الله وقال : يا رب ، أخذ مني هذا لحماً فأرجعه ، فوزن ما لصق بيده منه فجاء مثقال ذرة ، فكان مكملاً لحسناته التي بها يدخل الجنة ، وطرح في ميزان الجزار على حسناته فدخل الجنة ، وكان متمماً لسيئاته التي يدخل بها النار ، وطرح في ميزانه فوق سيئاته فدخل النار ، نسأل الله العافية والسلامة

وروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مناماً بعد أن مات بشهر فقيل له : كيف كان قدومك ؟ فقال : الآن فرغت من الحساب ، حتى إني حوسبت على بقرة رأيت امرأة تحلبها وهي رابطة لضرعها ليجتمع اللبن ، فقيل لي : رأيت بقرة تعذب ولم تنقذها . وبعض الصالحين نحت تراباً من جدار على كتاب كتبه ولم يجف منه المداد ، لعلمه أنه لا يساوي ثمناً ، ولا له قيمة ، فسمع هاتفاً يقول : سيعلم المتهاون بالتراب ([3]) ما يلقى غداً من طول الحساب

وقال رضي الله عنه : قول الله تعالى : (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك) من باب تكليم الخصم ليلقنه حجته ، فلو قال : غرني كرمك لفاز ونجا ، وأي غنيمة ومنجاة أعظم من الغرور برحمة الله ؟ لكنه لم يقل كذلك ، ولذا رد عليه تعالى بكلمة الردع التي هي أشد توبيخاً فقال : (كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين) إلى آخرها ، فكانت أعماله السيئة أنه مكذب بيوم الدين ، لا أنه مغرور برحمة الله

وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " وفي رواية " لم ينجس " فعلم بهذا التحديد أعنى : القلتين أنه لا ينجس ولا يحمل الخبث إذا كان قلتين ، ثم في حديث آخر : " الماء طهور لا ينجسه شئ إلا ما غلبت على ريحه أو طعمه أو لونه " ولم يحده بحد([4]) فعلم من التحديد الأول أنه لا ينجس ولا يحمل الخبث بما غلبت على ريحه أو طعمه أو لونه إلا إذا كان أقل من ذلك التحديد ، وأما إذا كان قلتين فلا ينجس ولو غلبت على أحد أوصافه

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) فقدم بعد قوله : (نبئ عبادي) الغفران ، ثم أتى باسمه الغفور بعد أن أتى بالضمير المنفصل الذي للتأكيد ، ثم أتى باسمه الرحيم ، ثم عطف عليه العذاب ، ولم يأت باسم الانتقام فيقول : وأني أنا المعذب مثل قوله : (أني أنا الغفور الرحيم) ، ولذا غلبت رحمته غضبه ، ثم بعد هاتين الجملتين قص سبحانه وتعالى قصة إبراهيم مع أضيافه ، والنكتة في ذلك أن إبراهيم لما نزل عليه أضيافه أكرمهم غاية الإكرام ، وتولى خدمتهم بنفسه إكراماً لهم ، قال تعالى : (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ

دخلوا عليه فقالوا سلاما)([5]) (قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم) فهذا عبد من عبادي يكرم أضيافه النازلين عليه هذا الإكراه ، فكيف بالرحيم الكريم إذا نزل عليه عبده ضيفاً عند الفاقة ، والاحتياج إلى الرحمة والإكرام ؟ فجعل سبحانه وتعالى الجملة التي فيها التخويف وهي قوله : (وأن عذابي هو العذاب الأليم) متوسطة بين جملة الرجاء وهي قوله : (نبئ عبادي) وبين قصة إبراهيم . وهذا سر حكمة ترتيب القرآن

وقال رضي الله عنه : ما أخل بالملوك وأفسد عليهم أمر دينهم ودنياهم إلى الجور وعدم العد ، فإن نظام الملك وزينته وروحه العدل ، فإن من اتصف بالعدل منهم – ولو كان كافراً – ظهر سره في صلاح أمور رعيته ، وانتظم ملكه وبورك في عمره ، وصار ممدوحاً مذكوراً خلفاًَ عن سلف ، فإن كسرى لما ذهب سمعه رآه بعض أصحابه وهو يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : فقد سمعي ، وليس بكاؤه لمجرد فقده ، ولكنه إذا أتى مظلوم يصيح لم يسمع صياحه ، ثم قال : الحمد لله أن ذهب سمعي ولم يذهب بصري ، وأمر أن من ظلم لبس الثوب الأحمر ، فيكون علامة لكل من ظلم ، ثم لما بنى الإيوان وكان مما يليه بيت لعجوز ساومها فيه فلم ترض بيعه فأبقاه لها ، ثم أمر بأن يعوج الإيوان من الجانب الذي يليه بيت تلك العجوز

وسئل بعض ملوك الكفار : ما السبب في أنهم يعمرون ، وملوك الإسلام أسرع ما يزولون من ملكهم ؟ فأراه شجرة عظيمة ثابتة في الأرض غاية الثبوت ، فقال : هل يستطيع أحد أن يزيل هذه الشجرة ؟ قال : لا ، قال : هذا جوابك ، فبقي الرجل مفكرا في تلك الشجرة ما معنى كونها هي الجواب ، وبقيت همته متعلقة بها فلم ، فلم يلبث إلا يسيراً إذا هو قد سمع بهدة عظيمة فسأل عنها فقيل له : الشجرة الفلانية انقلعت ، وإذا هي تلك الشجرة فطلبه الملك فقال له : عرفت ما معنى أن هذه الشجرة جوابك ، قال : لا ، قال : إنها كانت ثابتة ذلك الثبوت الذي ليس معه لأحد قدرة على إزالتها ، فلما بقيت همتك متعلقة بها أزالتها ، فهذه همة رجل واحد أزالت شجرة عظيمة ، فكيف إذا تعلقت همم جميع الرعايا بملك جائر ، كل واحد منهم يريد زواله

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يوسع الحرم النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام ، وكان مما يليه بيت العباس رضي الله عنه فطلبه ، وقال له : إني أريد أن أوسع مسجد رسول الله r ، فإن أردت أن أبني لك بيتاً مثل بيتك في جهة أخرى ، أو أعطيك ثمنه ، وندخل بيتك ف المسجد ، فأبى العباس رضي الله عنه ، فقال عمر رضي الله عنه : لابد أن تفعل ، قال العباس رضي الله عنه : سمعت رسول الله r يقول : " إن الله تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس فعمد إليه ليبنيه فوجد إلى جنبه أرضا ، فأراد أن يأخذها ، فأوحى الله إليه : " إني أمرتك أن تبني لي بيتاً فأردت أن تغصب بيت عبد من عبادي ، عقوبتك أن لا تبينه " فقال عمر رضي الله عنه : لابد أن تأتيني ببرهان على ذلك ، فذهب إلى الصحابة رضي الله عنهم وقال : أنشدكم الله هل سمعتم رسول الله r يقول ذلك ؟ فقالوا : نعم ، فقلع عمر رضي الله عنه الميزاب الذي في بيت العباس رضي الله عنه وهو كان إلى سطح يصب في المسجد ، فقال العباس : بئسما صنعت ، فإنه وضعه رسول الله r بيده ، فقال عمر رضي الله عنه : لابد أن تطلع على ظهري أو على كتفي ، ثم ترد الميزاب حيث كان ، ثم بعد ذلك سمح العباس رضي الله عنه ببيته ذلك من غير ثمن ولا عوض ، فانظر إلى العدل وأهله تزدد معرفة بمقدار العدل ، ثم إن كل إنسان ملك على جوارحه وأعضائه فإذا كانت سيرته فيها بالعدل نال الخيرات ، واتصف بمحامد الصفات ، والعكس بالعكس ، نسأل الله العافية

وسئل :

رضي الله عنه : عن قول الله تعالى في الصوم : (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ؟

فأجاب :

إنه في صدر الإسلام قبل نزول : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) كان الصوم ليس بواجب ، بل من أراد أن يصوم صام ، ومن أراد أن لا يصوم افتدى بإطعام مساكين ، ثم بعد نزول آية وجوب الصوم وهي قوله تعالى : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) بقى حكم قوله : (وعلى الذين يطيقونه) على الحامل والمرضع لأنها تطيق الصوم ، ولكن لها أن تفطر إذا خشيت ضرر ولدها أو حملها وتفدي ثم تقضي ، وأما الشيخ الهرم والذي لا يطيق الصوم بعلة فحكمه مأخوذ من قراءة : وعلى الذين يطيقونه فله أن يفطر ويفدي ولا قضاء عليه . وأما قولهم : يقدر حرف نفي تقديره : (وعلى الذين – لا يطيقونه) فهذا كلام فاسد لا يقول به عارف ، وكيف يزاد في كلام الله شئ ليس من كلامه ؟ اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان

وقال رضي الله عنه : (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) أتى – هنا – بزيادة الحرث مع أن نعيم الجنة لا يزول ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وفيها التجليات الإلهية وليس فيها أسقام ولا آلام ، ولا حر ولا برد ، ولا تعب ولا نصب ، أهلها (على سرر متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون) فذكر الزيادة في هذا الحرث بقوله : (نزل له في حرثه) ثم قال : (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) الدنيا جميعها لا تعدل عند الله جناح بعوضه ، وكم ملوك في الدنيا على زعمهم وكم تجار ، ومن زراع ، وكم صناع وغير ذلك ، فكم قسم الواحد منهم من جناح البعوضة ؟ ثم مع هذا أتى بمن التي للتبعيض فقال : (نؤت منها) فتأمل أين زيادة الحرث الأول ؟ وقدر حصة الرجل الواحد من جميع من في الأرض من حب الدنيا من قلوبنا ، واجعل حبك أحب الأشياء إلينا ، وأصلح فساد قلوبنا ، وألهمنا رشدنا يا أرحم الراحمين

وقال رضي الله عنه : أرواح الأموات في البرزخ : كل روح على صورة جثمانها من جميع الصفات ، حتى إن الرائي إذا رأى تلك الروح لا يراها إلا على صورة صاحبها ، مع أن الجسم قد بلى في الجدث ، وأرواح الشهداء الذين قال الله تعالى فيهم : (ولا تحسبن الذي قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم) إلى آخر الآيات . المراد بها : الأرواح ، وإنما مثل الفرق بينها وبين غيرها كمثل الرجل اليقظان والنائم ، فأرواحهم كاليقظان وأرواح غيرهم كالنائم ، فأرواح الشهداء في تلذذها بالنعيم ، وبالبشارات عند ربهم ، والأرزاق وفرحهم كاليقظان ، وأرواح غيرهم في تلذذها وفرحها كالإنسان إذا رأى في منامنه ما يسره . ثم قال : هذا أقرب مثال يكون فهم

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) أي إن الأمانة جعلها الله سبحنه وتعالى وظيفة عظيمة ، لا يقوم بها إلا من كان في أحسن تقويم ، فكل شئ غير الإنسان خلقته قاصران عن حملها ، ولذا أبين أن يحملنها وأشفقن منها ، ولما خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، قدر على حمل الأمانة ، فمثل ذلك كأن يفصل الإنسان ثوبا طويلا عريضاً ، موفر الأذيال في أعلى مرتبة الكمال ، فكل من لبسه إذا لم يكن في غاية الطول والعرض يأبى أن يلبسه ؛ لأنه يعذب بلبسه ، ولا يقدر أن يسير به ولا يتمتع به بوجه من الوجوه ، فإذا عرض ذلك الثوب على إنسان في غاية الطول والعرض ، كامل الذات ، قبله وتمتع بلبسه وانتفع به ، كذلك الأمانة إذا لم يخنها الإنسان فهي أعظم وأكبر نافع له ، ثم قال تعالى : (إنه كان ظلوما جهولا) أي قبل حمل الأمانة أتراه جاهلاً بعد أن حملها ؟ وهو الذي علم الملائكة الأسماء ، بل الملائكة عبدت الله في الأزل ، وترقت فيها وما بلغت معرفة الأسماء حتى علمهم آدم عليه السلام ، فانظر إلى شرف الجوهر الإنساني إذا أدى الأمانة ولم يخنها ، خلقه الله أولاً في أحسن تقويم

ثم أعطاه الأمانة التي هي سبب – إذا لم يخنها – لنيل الدرجات التي لم ينلها غيره من المخلوقات ، وإذا لم يخنها صار الحق سمعه وبصره إلى آخره ، وإذا لم يخنها أدخله الله الجنة التي فيها يبيح له النظر إلى وجهه ، ويحيا بحياة الله ، وملكه الملك الدائم ، حتى إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فأي نوع أشرف من هذا ؟ وأي مزية أعلى من هذه ؟ ويا ضيعة بل يا خيبة من رغب عن هذا الفاني ، وباع الدار الباقية بهذه الدنيا الفانية التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ففي الحديث : أنها تأتي يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء ، وتسأل الله أن يجعلها لأدنى أهل الجنة ، فيقول : لا ، يا لا شئ ، اللهم اجعلنا ممن أدى الأمانة ، يا أرحم الراحمين

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق) المراد بالنافد : هو الوهم الذي نتخيله عندنا ، والوهم قتال لأن الدنيا أسحر من هاروت وماروت ، فيخيل لنا أن هناك شيئاً ولا شئ ، كالسراب (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) وأما من عرف منا قدر الدنيا ونزلها منزلتها ، وسلك فيها الصراط المستقيم فهو الفائز (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)

وقال رضي الله عنه : في قول الملائكة عليهم الصلاة والسلام حين شاورهم الحق تبارك وتعالى في آدم : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) معنى نسبح بحمدك ونقدس لك : أي مخلصين لوجهك الكريم ، لا أن ذلك التسبيح والتقديس معلولان لأجل جزاء أو غير ذلك ، وهذه الدرجة هي أعلى درجات العبادات التي من حازها فقد صار ولياً ، وأما الأنبياء فكلهم كذلك ، وهي مراد كل مترق ، ولكن كم تلقى دون هذه الرتبة عاثراً ، وكيف تلقى عنها مقهقراً ، وما ينالها إلا من تولاه الله وسلم أموره لله ، فأخذ بيمناه فإن الملائكة – عليهم السلام – فروا من التسبيح والتقديس المعلولين ، لكنهم أخذتهم الغيرة على الخلافة فوقعوا فيما فروا منه

وقال رضي الله عنه : (إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم) وذلك أن قصة الإفك اتفقت فيها متفقات ، احتوت على كرامات ، وظهرت فيها خفيات ، فمنها : التنويه بشأن أبي بكر رضي الله عنه ، بقول الله تعالى : (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يفغر الله لكم والله غفور رحيم) فجعله من أولى الفضل ، من صفات الله تعالى  والله ذو الفضل العظيم ، والسعة هي سعة الله عنه هي سعة الله ، لأن المؤمن المتوكل على الله خزانته عند الله ، ومن كانت خزانته عند الله فتلك سعة الله .

ومنها : إظهار مزية مسطح – رضي الله عنه – عند الله ، فإن من أحبه الله تعالى قاد إليه الذنب خيراً كثيراً ، فإن مسطحاً أتي بهذا الذنب العظيم الذي هو من أعظم الذنوب وأخطرها ، فكان بسببه الخير الكثير ، بأن وصفه الله تعالى بأنه من أولى القربى ، أي من الله تعالى ففي الحديث : " من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعاً ، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً " وبأنه من المساكين أي إلى الله تعالى ، وهم الذين سكنوا إليه تعالى ، الذين قال رسول الله r في حقهم : "اللهم أحيني مسكيناً ، وأمتني مسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكن " وشهد له بأنه من المهاجرين في سبيل الله ليخرج ممن هاجر لأجل مال يصيبه أو امرأة يتزوجها ، وهذا سر قول رسول الله r : " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم " ثم أتى تعالى بصيغة الأمر (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) ليتخلقوا بأخلاق الله تعالى فيعاملهم بها


 

([1]) قوله : قد دنا الخ هكذا في الأصل ، وحرر لفظ الحديث أ هـ . مصححه  

([2]) قوله : (وكان أبواه مؤمنين) لا مناسبة لقصة الغلام بما نحن فيه . أ . هـ مصححة

([3]) في نسخة قدره في يوم الحساب بدل قوله : ما يلقى غدا من طول الحساب . أ . هـ مصححه

([4]) قوله : فعلم الخ هكذا في الأصل ، وهو خلاف المذاهب المشهورة . أ هـ

([5]) قوله : (قال سلام) الخ هذه من الذاريات والآية قبلها من الحجر . أ هـ مصححه