
وفي حديث ما معناه : " ملعون من سأل عن شئ لم يكن " وأما ما حدث من نصب المدارس لتدريس الكتب والمؤلفات فهو إلى النفس والهوى أقرب ، ولا يخلو من ذلك إلا القليل ، واتباع الهوى مذموم حتى في العبادة ، فإن رسول الله r مر ذات ليلة بأبي بكر – رضي الله عنه – وهو يخافت في صلاته ، ثم مر بعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو يجهر في صلاته ، ثم مر ببلال وهو يقرأ من القرآن آيات من سور مختلفات ، فلما كان الغداة سأل أبا بكر عن مخافته يعني أنه يريد أن يستفهمه عن قصده ، لأن كل واحد منهم له في فعله ذلك قصد ونية فقال : قد أسمعت من ناجيت فقال : " ارفع صوتك قليلاً " ثم سأل عمر فقال : لأرضي الرحمن وأطرد الشيطان ، وأوقظ الوسنان ، فقال : " اخفض صورتك قليلاً " ثم سأل بلالاً فقال : أخلط الطيب بالطيب فقال : " لا . فإذا شرعت في سورة فأتمها " فمقاصدهم – رضي الله عنهم – كلها حسنة ، ولكن أراد رسول الله r أن يخرجهم عن أهواء نفوسهم ، ويمكنهم من حظهم من حب الله تعالى في اتباع رسوله r (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)
ورسول الله r إنما كان يقف لأصحابه ليعظهم ، ويذكرهم بالله ويعرفهم به ، لا لأنه يعلمهم أحكاماً لم تقع فيها الحادثة ، ولم يحتج إلى الحكم فيها حالاً ، والصحابة رضي الله عنهم ، كانوا إذا جاء السائل يسأل يورون له الكتاب والحديث عن رسول الله r ، حتى إن رجلا سأل ابن عمر – رضي الله عنهما – عن القنفذ ، فقرأ له قوله تعالى : (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً) إلى آخر الآية . فلما لم تنص هذه الآية على تحريمه أحله ، فلما سكت قال له رجل : إني سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : إن رسول الله r لما سئل عن القنفذ قال : " هو خبيث من الخبائث " فقال ابن عمر إن كان أبو هريرة حدث عن رسول الله r فهو ذاك . فانظر إلى حال الصحابة الذين هم قطب رحى هذا الدين ، ثم انظر ما أجهل من أفتى بكلام رجل من السلف وجده في هامش كتاب لم يعرفه كيف سنده ، ولا وجه اتصاله بقائله ، وربما كان مخالفاً لما جاء به كتاب الله وسنة رسول الله r ، ثم إذا ناقضته بالحديث عن رسول الله يقول : لو صح هذا لا طلع عليه إمامي فما أعظم هذه الرزية التي عمت ، نسألك اللهم عافيتك ، ثم يميل عن حديث رسول الله r الصحيح ، الذي اجتهد فيه السلف الصالح من الأئمة ، حتى ضبطوه وأتقنوه وأوصلوه من ثقة عن ثبت إلى النبي r
وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى : (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال) ليس المراد بيوتهم وديارهم ، بل المراد المعاصي ، أي عصيتم بما عصوا به ، وقد عرفتم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ، فإن لكل قوم نبي عصياناً غير عصيان من سواهم ، فذلك الخطاب يتناول كل عاص على تنوع العصيان ، فالذي يلوط قد تبين له في القرآن كيف فعل الله بقوم لوط ، فهو سكن في مساكنهم ، والذي يخسر الميزان قد تبين له كيف فعل الله بقوم شعيب وسكن في مساكنهم ، وكذلك سائر المعاصي ، ما من معصية إلا وقد عصى الله بها قوم ، وعوقبوا عليها بعقاب مخصوص ، فلما أجهل من عصى الله تعالى ، وما أشده عداوة لنفسه ، وقد أخبره الله تعالى في كتابه العزيز على لسان رسول الله r ما جرى للقوم الذين عصوا الله من خسف أو صيحة ، أو رمى بحجارة ، اللهم اعصمنا حتى لا نعصيك ، واكفنا حتى لا نرجو سواك
وقال رضي الله عنه : أرسل الله سبحانه رسله ، كل رسول بمعجزة غير معجزة غيره من الرسل ، كذلك أولياؤه لا يتفق اثنان في طريقة واحدة ، فقدرة الله تعالى وصنعته أبدعت كل شئ ، فكل فرد من مخلوقات بديع في خلقته ولونه ولسانه وطباعه ، فكل إنسان لم يتقدم عليه مثله من جميع الوجوه ، ولم يتأخر عنه أحد كذلك ، وإن تشابه اثنان في جزء اختلفا في جميع الأجزاء الباقية ، وكذلك غير الإنسان من الحيوانات والجمادات وغيرها ، فإن كل فرد مغاير لغيره ، حتى الشعرات فكل فرد من مخلوقاته تعالى (ليس كمثله شئ) قيل لبعض العلماء – وهو أبو يزيد رضي الله عنه - : بم عرفت الله ؟ فقال : بوحدانيتي عرفت وحدانيته ، فهو ليس كمثله شئ ، فسبحان المبدع لا إله إلا هو ، فإذا علمت أنه لا يفيد المريد تطلبه لمراده في كتاب من الكتب المؤلفات فلابد من الشيخ ، والآخذ عنه ، لأنه متفرد بطريقة لم يتقدمه أحد بها ولم يتأخر عنه أحد ، فبحضوره بين يدي شيخه تحصل له البركة ، فيفتح الله عليه بفتوح مبتدع غير فتوح شيخه ، وغير فتوح من تقدمه ومن يتأخر ؛ لأن خزائن الله ملأى لا تنقص ، وعطاياه لا تحصى ولا تنحصر ، ولا تقاس بمقياس ، ولذا قالوا : طرائق القوم عدد أنفاس الخلق ، وكذلك الأنبياء والرسل فإن لكل واحد منهم ديناً غير دين الآخر ، وشريعة جديدة ، وشريعة رسول الله r نسخت جميع الشرائع ، ومن بقي على دين من قبله من الأنبياء ولم يؤمن به فهو كافر ، فإذا عرفت هذا الباب علمت أنه لابد من شيخ تأخذ عنه ، وإلا كان خطؤك أكثر من صوابك . والله المستعان
وقال رضي الله عنه : الدليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من كل سورة : اتفاق الأمة على أن الصحابة لم يكتبوا في مصاحفهم غير القرآن ، ولم يوجد مصحف من مصاحفهم إلا وفيه بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سوءة سوى براءة ، وهذا الإجماع بعد حديث عبد الله بن مغفل ، فإجماع المصاحف على كتبها مع اتفاق الأمة أن الصحابة لم يكتبوا إلا القرآن ، والإثبات مقدم على النفي ، كما يعتبره المحدثون دليلا على ما قلنا ، وأي دليل أعظم من هذا كما ترى ؟ وغيره لما سمع ولده في الصلاة قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال : يا بني ، لا تكن أول من أحدث في الإسلام فإني صليت خلف رسول الله r ، وأبي بكر ، وعمر ، فلم أسمعهم يقولونها ، وقال الله تعالى : (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) فقال بعض الصحابة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : إنما هي ست آيات ، يعنون الفاتحة ، قال : البسملة إحدى آياتها
وقال رضي الله عنه : دعا الله عبيده إلى ضيافته بلسان خليله إبراهيم وحبيبه محمد r ، فإن الملك إذا دعا عزيزاً عند لضيافته ، أرسل إليه أكرم عبيده وأعزهم عنده ، فقال تعالى جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، يأمر خليله r : (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) وقال تعالى على لسان نبيه وحبيبه محمد r : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فما أعظم هذا التشريف الذي شرف الله به هذه الأمة ، أن بعث إليهم لضيافته رسولين هما أفضل الخلق فقال بعض أصحابه : فالذي يجاور بمكة من الحجاج بعد أن يحج هل هو باق في الضيافة أم لا ؟ فقال : باق في ضيافة مولاه
فقال بعض أصحابه : (فإذا طعمتم فانتشروا)
فأجاب :
على البديهة بأن قال : الضيافة ثلاثة ايام ، وأيام كل أحد على قدره (وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) فإن بقي الرجل في مكة مدة عمره أوفاه الله كمال ضيافته في قبره وفي الجنة ، فرقصت الألباب مما وجدت من السرور عند سماع هذا الجواب على البديهة
ثم قال رضي الله عنه : وأعظم فوائد هذه الدعوة : هو اجتماع المسلمين بعرفات ، ومزدلفة ، ومنى ، ومكة ، وفيهم الأولياء والصالحون فيشفع بعضهم لبعض ، ويهب الله مسيئهم لمحسنهم ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، والاجتماع رحمة ، والفرقة عذاب . قال الله تعالى : (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) مع أن هذه الآية في الكفار وهم لم يستغفروا ، وإنما استغفار النبي r لهم منه رائحة اتحاد الحقيقة ، فبها لم يعذبهم الله في الدنيا ، وقال تعالى : (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتسيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما) فسلم الكافرون من العذاب بمجرد اجتماعهم بالمؤمنين ، فحال الاجتماع بالصالحين حالة سلامة ونجاة ، لأ، الله ينظر إليهم فيسكن غضبه
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فلا يعذب سبحانه وتعالى أحدا حتى يبعث إليه رسولا ، فإن الذاهبة عقولهم والصبيان ويأجوج ومأجوج لم يبعث الله إليهم رسولا ، ولكنه في يوم القيامة يبعث إليهم رسولا وهم بمعزل من الناس ، والنار تأجج ، ولها زفير عظيم ، فيقول لهم : إنكم لم تعلموا بما جاءت به الرسل ، فكل واحد يتعذر بما كان فيه ، فيقول الذاهب عقله في الدنيا ، إني كنت لا أعقل ، ولو عقلت لآمنت بما جاءت به الرسل ، وعملت بأوامرهم ونواهيهم فيقول : أنا رسولكم من عند الله إن أمرتكم بأم تطيعوني ؟ فيقولون : نعم ، فيأمرهم بأن يلقوا أنفسهم في النار ، فمن كانت سابقته سابقة السعادة ، وفي علم الله أنه لو كان عاقلاً في الدنيا لآمن ، ألقى نفسه في النار ، فيجدها برداً وسلاماً ، ومن سبقت له سابقة الشقاوة وفي علم الله أنه لو كان عاقلاً في الدنيا لما آمن لم يمكنه إلقاء نفسه في النار أبداً ، حتى إنه ربما يهم أن يلقى نفسه مراراً فلا يمكنه ، وكذلك الصبيان ، وكذلك يأجوج ومأجوج ، ففي الحديث : أنه لما مات طفل قالت عائشة رضي الله عنها : عصفور من عصافير الجنة ، فقال رسول الله r : " من هذه المتألية على الله ؟ وما يدريك ، فإن الله خلق للجنة خلقا وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار خلقاً وهم في أصلاب آبائهم "
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى في الحديث القدسي الذي آخره : " ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " فإن النبي r خير الخلق أجمعين ، والله يذكره إذا ذكره في ملأ خير من ملئه ، فما هو الملأ الذي يذكره الله فيه ؟ وهو خير من ملئه r مع أنه خير خلق الله أجمعين ؟
فأجاب :
بأن الملأ الذي يذكره الله تعالى فيه هو ملؤه r نفسه ، ولكن لم يزل رسول الله r في الترقي ، فما ذكر الله تعالى إلا وارتقى إلى رتبة أعلى من الأولى ، فيذكره الله في ملئه ذلك بعد ترقيه ، فيكون ذكر الله تعالى في ملأ خير من الملأ الذي ذكر الله تعالى فيه ، لأنه قد ترقى إلى رتبة أعلى من الرتبة الأولى ، فالملأ واحد وباعتبار ترقيه متفاضل ، ولم يزل في ترق إلى ما لا نهاية وله ، وأصحابه r ورضي عنهم أجمعين كذلك في ترق بعده r
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) فضل الله ورحمته : هو محمد رسول الله r ، قال الله تعالى : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) أي من جن وأنس وشجر ومدر وحيوان ، فما من شئ إلا وهو مستمد من نوره r وله إليه وجهة ، وقال تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) إلى قوله : (والله ذو الفضل العظيم|) . فرحمة الله وفضله هو سيدنا محمد r ، وكذلك الأنبياء أخذ الله تعالى منهم ميثاقهم أن يؤمنوا به وينصروه ، كما قال جل وعلا : (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) وذلك رحمة بهم ليؤبروا نخل إيمانهم به r ، فامتثلوا أمر ربهم ونصروه ، بأن بشر كل نبي قومه به r ، فقال عيسى – عليه الصلاة والسلام – كما حكى عنه الله تعالى r : (وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)
وقال تعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل) الآية . فتعريف الأنبياء قومهم به r في التوراة والإنجيل هو عين نصرهم له r وعليهم أجمعين ، ولذا عرفوه كما يعرفون أنباءهم كما قال تعالى : (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) وتعريف الأنبياء قومهم به r هو لأجل أنهم إذا أدركوه عرفوه فآمنوا به وهذا هو النصر ، ولكن لم يوفق الله إلا الأقل القليل منهم . ثم قوله تعالى : (واذكر في الكتاب إبراهيم) (واذكر في الكتاب موسى) وغيرهما ، أي أدر أسماءهم على لسانك ، ففيها رحمة عليهم ، ولهم الخير الكثير في مجرد ذكرك لهم ، فانظر إلى هذا النبي الكريم الذي لا تحصي فضائله ، ولا تعد جل كماله أن يعبر عنه لسان ، وعز جماله أن يكون مدركاً للإنسان ، وتعاظم جلاله أن يخطر في جنان ، r
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن) إلى ماذا يعود الضمير في منه ؟
فأجاب :
أنه يعود إلى الشأن ؛ لأن نزول القرآن بحسب شئون رسول الله r ، فمعرفة قلب رسول الله r مترتبة على معرفة القرآن ، فمن عرف القرآن حق معرفته عرف قلب رسول الله r وشئونه ، r وخلقه القرآن ، فتارة يكون r في بسط فيباسطه القرآن بآيات البسط ، وهي الحالة التي قال فيها r : " لي حالة لا يسعني فيها إلا ربي " وطوراً يكون r في قبض لما يجد من عدم امتثال قومه لأوامره ونواهيه ، ومخالفته له وأذيتهم له ، فينزل القرآن على حسب شأنه ، وذلك كقوله تعالى : (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) وغير ذلك . فالقبض والبسط صفتان من صفات الله تعالى فإن بسط فلا هرب منه ، كما أنه إن قبض فلا فرار منه ، فلا ملجأ من الله إلا إليه
قال بعض أولياء الله – رضي الله عنه – يوماً لأصحابه : هل تعلمون ما معنى قول رسول الله r " مثل المؤمن كخامة الزرع " ؟ قالوا : لا نعلم . قال : معناه : أن المؤمن إذا اصابته ريح البسط شكر الله ، وإن اصابته عواصف القبض رضى ، وكان منزلة القبض عنده كمنزلة البسط ، كما أن الزرع إذا أصابته شمال سجد وإذا أصابته جنوب سجد إلى موضع آخر ، فلا يعتريه من إحداهما إلا ما يعتريه من الأخرى ، إنما هو يوافق ذات اليمين بسجوده إلى جهة الشمال ، ويوافق ذات الشمال بسجوده إلى جهة اليمين ، قال تعالى : (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا) الآية , ومعنى هذه الآية – بلسان أهل الحقيقة – لا تسجدوا لشمس البسط ، ولا لقمر القبض ، واسجدوا لله أي : تكون عبادتكم في كل حال خالصة لله لا معلولة ، ولا تكونوا كمن إذا أنعم الله عليه أعرض ونأى بجانبه ، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ، ولا بالعكس
كما قال : (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط) فمن كان كذلك فوجهته إلى الله تعالى في جميع الحالات من قبض وبسط وغيرهما ، وهو الإخلاص ، والإخلاص : أن لا يكون العمل إلا لله في قبض وبسط ، ولا يكون لأجل خوف من النار ولا شوق إلى الجنة ، فإن الله تعالى يقول : (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) والجنة هي مال ، فمن ألهاه مال الجنة عن ذكر الله فقد نال من الخسران حظه ، لكنه دون من ألهاه مال الدنيا الفانية لأن الله تعالى يقول : (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) ومن لازم إخلاص العمل التوكل الذي هو الدرجة العظمى ، ولا ينالها إلا من خلصه الله عن جميع الشوائب
فإن بعض الصالحين قال : كل مقام – بحمد الله – وصلت إليه ومكثت فيه إلا هذا التوكل المبارك ، فما شممت له رائحة ، ومعنى التوكل أن جميع الحالات التي تصيبه من قبض وبسط ونفع وضر ، وجميع الحالات التي تعتري الشكل الإنساني بمثابة واحدة ، لا ينازع الله في شئ ولا تفرحه السراء ولا تزعجه الضراء ، بل إذا اصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر ، ومما يعين على التوكل عدم الركون إلى الذين ظلموا ، قال الله تعالى : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) أي نار البعد والقطيعة ، والذين ظلموا هم الذي نقصوا ، وكل ما سوى الله ناقص ، وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، فإن أصحاب رسول الله r لما امتثلوا ما أمرهم الله تعالى به من الجهاد ، مع ما هم فيه من الضعف والفقر ، حتى أنهم كانوا يأكلون أوراق الشجر في الغزوات ، ويتقون الحفا بالرقاع ، لكنهم توكلوا على الله وامتثلوا ما أمر الله من غير ركون إلى أنفسهم ، نصرهم الله وقمع بهم شوكة الكفر ، مع ما كان عليه الكفار من القوة والعدد ، والمدد
وأصحاب طالوت لما ركنوا إلى أنفسهم واتكلوا على أهوائهم (إذ قالوا لنبي ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) فلما بعث لهم ملكاً صار منهم ما صار ، وتولوا إلا قليلاً منهم ، ومثل هؤلاء من أنزل الله فيهم قوله تعالى : (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) فحقيقة التوكل : أن لا يتمنى الإنسان شيئاً من العبادات أو غيرها ، لأنه ربما يدرك الإنسان في نفسه قوة فيتمنى عبادة أو جهادا فهذا هو الركون إلى النفس ، وإذا جاءه من الله أمر امتثله ، ولو كان يرى أنه عاجز فتوكل على الله تعالى ، ونهض له متوكلاً على الله لا راكناً إلا نفسه ولو كان في غاية الضعف ، فقط أعطى التوكل على الله حقه ، وهذا هو الظافر
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) أي أنهم حذروا الموت الذي هو عكس الحياة الدائمة التي قال فيها تعالى : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) فقوله : (إن الله لذو فضل على الناس) مثل قوله : (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) فأرادوا هذه الحياة (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) أي : (قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) أي : يسمع دعاءكم ويعلم ما في قلوبكم ، فإن كان طلبكم للقتال لأهواء نفوسكم فالله يعلمه ولا تنصرون ، وإن كنتم مخلصين لله في ذلك فالله يعلمه ، وأنتم المنصورون الغالبون ، وإن قتلتم فهي بغيتكم ونحن نحييكم الحياة الدائمة ، فعلم الله منهم صدق النية ، فأحسن متقلبهم ومثواهم ، وأنالهم مشتهاهم
وبالعكس قوم طالوت كان النبي r يقول لأصحابه : انظروا إلى هؤلاء يعني قوم طالوت والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، والفرق بين الفريقين : القصد والنية ، اللهم أحسن نياتنا وعاقبتنا في الأمور كلها ، يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله ، في كل لمحة ونفس ، عدد ما وسعه علمك آمين
وسئل :
رضي الله عنه : عن استدلال من منع قراءة المؤتم الفاتحة في الجهرية
خلف الإمام بقوله تعالى : (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ؟
فأجاب :
ليس ذلك بدليل لهم ، والجواب على من استدل به أوضح من الشمس : وذلك أن الله تعالى يقول : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وهو r قال : " صلوا كما رأيتموني أصلي " وثبت في الأحاديث الصحيحة التي ليست بمعارضة ولا منسوخة أن رسول الله r كان يسكت بعد تكبيرة الإحرام سكتة طويلة ، ومثلها بعد تمام الفاتحة ، ويقف على رؤوس الآي ، فالمؤتم مخير في أن يقرأ الفاتحة ، إما في السكتة الأولى ، وإما في السكتة الثانية ، أو كلما وقف الإمام عند رؤوس الآي ، فإن فعل كذلك فقد فعل ما أمره رسول الله r في قوله : " لا صلاة إلا بأم القرآن " وقوله : " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج " ثلاثاً . أي إن لم يأت فيها بأم القرآن واستمع قراءة الإمام وأنصت لها في حال قراءته ، ولم ينازعه بالقراءة ، فإن لم يسكت الإمام في هذه المواضع فهو الذي فرط . وأما المؤتم فلا تسقط عنه قراءة الفاتحة لأنه مأمور بالإتيان بها ، والإمام هو الذي ألجأه واضطره إلى أن ينازعه بالقراءة ، فالتفريط من الإمام إذا لم يسكت في المواضع التي كان يسكت فيها رسول الله r ، والله المستعان
وسئل :
رضي الله عنه : عن الأوقاف التي وقفها الواقفون على أئمة الصلاة والمقيمين مع أن الأجرة محرمة عليهما ، لأن أجر الصلاة على الله تعالى ، قال تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً) ونحن مأمورون باتباعه r ، وقال رسول الله r : " اجعل لمسجدك مقيماً لا يتخذ عليه أجراً "
فأجاب :
أنه ينبغي للإمام والمقيم إذا صرف إليهما شئ من هذه الأوقاف أن يتورع عن الأكل منها ، فيأخذان ما صرف فيهما ، ثم يصرفانه على مستحقيه : ظاهراً إن لم يخشيا على نفسهما الرياء ، أو باطناً إن خشياه ، والصارف الذي هو المتولي على تلك الأوقاف يصرفها فيهما امتثالاً لأمر واقفه ، إلا أن يظهر له أنه لولا هذه الأجرة : ما صلى الإمام ، ولا أقام المقيم ، فلا يجوز له الصرف فيهما وإن خالف أمر الواقف ، ولا ينبغي له أن يفتش عن ذلك ولا يبحث عن قصدهما ، بل يحملهما على الظاهر ، والظاهر في حقهما أن أخذهما لها ليس في مقابلة الصلاة ، وإنما أخذهما لها لكونه وقف الواقف عليهما ، كأن يقف الواقف على رجل وقفاً وليس هو بإمام ولا مقيم فهو يأخذها امتثالاً لأمر الواقف ؛ لأنه وقفها عليه ، فالظاهر من قصدهما هذا ، ولا يبحث عن غيره ، وبالله التوفيق
وسئل :
رضي الله عنه : عما إذا وجد الإنسان في ثوبه منياً ، وتيقن أنه احتلم ولكنه ما عرف في أي نومة هو ؟
فأجاب :
أنه يحمله على آخر نومة نامها ، ولا يعيد من الصلوات إلا ما بعدها بعد أن يغتسل ، فإن مثل هذا اتفق لعمر رضي الله عنه : وهو أنه صلى بالناس صلاة الصبح ، ثم خرج إلى بلاد له فرأى في ثوبه منياً تيقن منه أنه احتلم ، فاغتسل ثم أعاد صلاة الصبح فقط ، ولم يأمر أحداً ممن صلى معه أن يعيدها ، فعلم أنه حمل ذلك الاحتلام على آخر نومة ؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل
وسئل :
رضي الله عنه : عن الحديث الذي سماه أهل المصطلح مقلوباً ؟
فأجاب :
إن ذلك غلط وليس بمقلوب ، وهو قوله r : " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه " ففهم الناس أن البعير إذا برك قدم يديه ، فإذا وضع الإنسان يديه قبل ركبتيه فقد تشبه بالبعير الذي نهى عنه r ، فألجأهم هذا الفهم إلى أن يقولوا : مقلوب وإنه انقلب على الراوي ، وإلا فآخر الحديث : " وليضع يديه قبل ركبتيه " وهذا غلط فأحش ، نسخوا أمر الرسول r بهواهم ، وليس إلى الهلم فيه سبيل ، والحديث تفسيره ظاهر فإن قوله r : " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير " والبعير يبرك على ركبتيه ، وإن كانتا في يديه لأن ركبتي البعير في يديه ، وركبتي الإنسان في رجليه ، ولذا أتى بالعطف التفسيري بقوله : " وليضع يديه قبل ركبتيه " ليزيل الوهم الذي وقعوا فيه ، فإذا قدم الإنسان وضع ركبتيه على يديه ، فقد تشبه بالبعير في كونه يبرك ركبتيه من غير نظر إلى كونهما في يديه ، وركبتا الإنسان في رجليه ، وركبتا الجمل لغة وعرفا في يديه ، وأما ما رواه وائل بن حجر قال : رأيت رسول الله r إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه فإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه فذلك فهم الصحابي وفهم الصحابي ربما يخطئ ، لأنه ليس بمعصوم ، فلا يقابل ما قاله رسول الله r ، والله الهادي إلى الصواب
ومما أورده رضي الله عنه من الأحاديث : الحديث الأول : قال رسول الله r : " ثلاثة لا يحبهم ربك : رجل سكن بيتاً خرباً ، ورجل نزل في محل السيل ، ورجل أرسل دابته وجعل يقول : يا رب احبسها ، يا رب احبسها " الثاني : ثلاث من فعلهن فقد استكمل الإيمان : بذل السلامة للعامة ، والإنصاف من نفسك ، والإنفاق من الإقتار " الثالث : " من حضر إملاك امرئ مسلم فكأنما صام يوماً في سبيل الله ، اليوم بسبعمائة يوم ، ومن حضر ختان امرئ مسلم فكأنما صام يوماً في سبيل الله ، اليوم بسبعمائة يومن نفسك ، والإنفاق من الإقتار " الثالث : " من حضر إملاك امرئ مسلم فكأنما صام يوماً في سبيل الله ، اليوم بسبعمائة يوم ، ومن حضر ختان امرئ مسلم فكأنما صام يوماً " الرابع : قال رسول الله r : " بعد قليل ثم يظهر الجور ، ما ظهر شئ من الجور إلا ذهب مثله من العدل ، حتى يولد ناس في الجور لا يعرفون غيره ، ثم يأتي الله بالعدل كلما ظهر شئ من العدل ذهب مثله من الجور ، حتى يولد ناس في العدل لا يعرفون غير " الخامس : قال أصحاب رسول الله r : خرج علينا رسول الله r ذات يوم وهو قابض على يديه يمينه وشماله ، فقال للذي في يده اليمنى " هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة ، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم ، ثم أجمل على آخرهم لا يزداد فيهم ولا ينقص ثم قال للذي في شماله : هذا كتاب من رب العالمين ، فيه أسماء أهل النار ، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم ، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص ، ثم قال r : فرغ ربكم "
وسئل :
رضي الله عنه : هل يستنبط من سر ألسنة العرب أنه يجب على كل قارئ تجويد القرآن ؟ وذلك مثل قولهم في لفظ الحلق : فإن فخمته كان اسماً لمجرى الأكل والشرب من أقصى اللسان ، وإن رققته كان اسماً لحلق الشعر مصدر حلق ؟
فأجاب :
أنه لا يجب ذلك ، فإنه موسع فيه أن يقرأه كل أحد بما يطيقه لسانه ، والمراد منه : العمل به ، قال تعالى : (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) فقوله : (يتلونه حق تلاوته) أي يؤمنون به لا أن معناه يقيمونه في ألسنتهم
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول من قال : الحمد لله كما يستحقه وأضعاف ما يستحقه ، كيف تكون مضاعفة ما يستحقه من الحمد مع أنه لا يحصر ؟
فأجاب :
بأنه لا ينحصر وما ذلك إلا تفويض إلى الله تعالى في إدراك معناه ، وفي الحديث ما معناه : " أن العبد إذا ذكر ذكراً يمكن الملائكة ضبطه وحصره فعلوا ، وإن لم ، أمرهم الله أن يكتبوه في صحيفة العبد بلفظه ، ووكلوا حصره وضبطه إلى الله تعالى " وهو تعالى يعلم كل شئ بقدر علمه وقدرته ، وعنه r أنه قال : " مثقال حبة من خردل من أعمال القلب خير من أمثال الجبال الرواسي من أعمال الجوارح " وسئل رسول الله r : أي الحجاج أعظم أجراً ؟ وأي المصلين أعظم أجراً ؟ وأي المزكين أعظم أجراً ؟ وأي المجاهدين أعظم أجراً ؟ فقال رسول الله r : " أكثرهم لله عز وجل ذكرا "
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم)
هل المعية بالذات والعلم ، أو بالعلم فقط
فأجاب :
بأن المعية منه سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله ، وكما يعلمها لنفسه ، فإن العقل لا يهتدي إليها ، ولو كلف الله العقول بمعرفتها لحملها ما لا طاقة لها به (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) فإن الأعمى الأكمه إذ قال لمبصر : صف لي السواد واجتهد لي في وصف حتى تخليه لي تخييلا لا يخطئ حقيقته ، فلا يقدر المبصر أن يزيد على قوله : سواد ، فيقول الأكمه : ما معنى سواد ؟ فإذا أراد المبصر أن يزيده تقريباً يقول له : عكس البياض ، فهل تراه يستفيد الأكمه بهذا الوصف ؟ بل لا يعرف إلى ما ذهب إليه وهمه إلا الله ، فتعرف أنه لا يتميز له السواد إلا إذا خلق الله له عينين ، ثم بعد أن يصير مبصراً تقول له : هذا السواد فيراه عياناً
فإذا عرفت أيها السائل هذا المثال علمت أن كلنا في ذات الله كمه وفي الحديث : " كلكم في ذات الله حمق وأنا أعرفكم طريق النجاة " وأنت لابد أن تسئل يوم القيامة عن ذلك وإذا سئلت فلابد من الجواب ، وإذا قلت : يا رب وكلت الأمر إليك في ذلك ، وآمنت في ذلك بالغيب ، لأني لم أقف على كلام منك ولا من رسولك . أن المعية بالذات والعلم ، أو بالعلم فقط ولا علم لي بشئ إلا ما أتى عنك أو عن رسولك ، فإذا كان هذا جواب أتراه يعطب أم ينجو بين يدي العدل الحكيم ؟ وإذا قال : يا رب ، خشيت أن يضل عبادك إذا أبقيت الآية على ظاهرها فقلت : بالعلم لا بالذات ، يقول له الحق : لا محالة أنا أقول : إن القرآن هدى وأنت تقول : مضل ، ولولا كلامك أنت لضلوا بكلامي ، فلولا أنت قطرت القرآن إلى اعتقادك لضل الناس ، وهل أنا قلت في كتابي العزيز خطاباً لرسولي : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) أو قلت : ليبينه للناس فلان فهذا عاطب ، هنالك قامت عليه الحجة كالشمس إلا أن يتجاوز الله عنه . اللهم ألهمنا رشدنا حتى لا نتكلم إلا فيما يعنينا ، يا أرحم الراحمين
والفار من قوله : بالذات وقع في حفرة أعظم مما فر منه ؛ لأنه أراد أن ينزه الحق تعالى عن قوله بالذات ، والذي ألجأه إلى هذا الفرار أنه قاس على الذوات المعروفة بالعيان ، ومن شرط القياس المماثلة ، والله ليس كمثله شئ ، فإنه لا يعلم قدره عيره ، ولا يبلغ الواصفون صفاته ، فإن موسى – عليه الصلاة والسلام – رآه ولم ير إلا النار هناك ، مع أنه بعد ترقية عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات نبوته ، ونيله لمرتبة الرسالة وهلاك عدوه قال : (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) وذلك لأنه سأل الله أن ينظر إليه في كنه جلاله وجماله ، الذي لا يكون من المخلوقات شئ له قابلية تقدر على أن يتجلى لها به وأمنا بقدر قابليته عليه الصلاة والسلام فقد تجلى له في النار قال تعالى : (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) ثم في تكليمه تعالى له لما أدرك في كل عضو منه ، وكل شعرة وكل جارحة منه تلذذا لا يضبطه قياس ، ولا يعرفه إلا من ذاقه ، قال : يا رب ، أهكذا كلامك ؟ قال : إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ، ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك ، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تكن شيئاً ذا في السماع من وراء الحجاب ، فكيف الرؤية
ثم تجلى تعالى للجبل وجعله دكا وخر موسى صعقا ، وإنما تجلى له كما قال الصادق المصدوق r : بقدر ثلث الخصر من جميع الذات ، فانظر إلى بطلان كلامن من فكر بعقله فقال : بالعلم لا بالذات ، أتضبط ذات من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفاته بعقل ؟ بل ما يكون من نجوى ثلاثة من جميع الخلق صامت وناطق ، وجامد ومائع ، وساكن ومتحرك ، لأن كل شئ له مع الله مناجاة ، لأن الصلاة مناجاة بين العبد وربه ، وقال تعالى : (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) (إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) مع أن كل شئ مشتمل عليه زمان ومكان ، وهو تعالى – كما كان – لا يشتمل عليه زمان ولا مكان في حال كونه تعالى العرش استوى ، وفي حال كونه – تعالى – سمع عبده الذي يحبه ، وبصره ويده إلى آخر الحديث من غير مزج وكيفية ، ولا يرجع العبد ربا ولا الرب عبداً ، بل كيف يشاء وأين يشاء ، كما يعلمه لنفسه ونقول : آمنا بالله على مراد الله ، ووكلنا كل الأمور إليه ، ونقول ما قالت الملائكة – الكرام عليهم الصلاة والسلام – (لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)
وسئل :
رضي الله عنه : ما معنى الاعتبار ؟
فأجاب :
قال : هو المجاوزة يقال : عبرت الوادي بمعنى جاروته ، وعبرت الرؤيا : أي جاوزتها إلى المعنى المقصود منها ، وقوله تعالى : (فاعتبروا يا ألي الأبصار) أي جاوزوا ما أبصرتم من الآيات الذاتية والآفاقيه ، وما سمعتم من الآيات القرآنية إلى غيرها ، وهو الله تعالى ، فكل ما في الوجود يدل عليه سبحانه وتعالى ، وهو معنى قول القائل : والله ما رأيت شئياً إلا رأيت الله معه ، والآخر قال : إلا رأيت الله قبله ، أي استدل بالله تعالى على مخلوقاته ، فهذا الأخير أعلى درجة ، لأن الله تعالى عند من عرفه حق معرفته لا يستدل عليه ، بل هو الدليل على وجود مخلوقاته سبحانه وتعالى ، اللهم عرفنا إياك حق المعرفة يا أرحم الراحمين ، يا أقدر القادرين ، إنك تفعل ما تشاء وأنت أكرم الأكرمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين
وسئل :
رضي الله عنه : ما معنى قول النبي r في حجة الوداع : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت منه لم أسق الهدى ، ولجعلتها عمرة " ؟
فأجاب :
بأنه r ساق الهدى ، فنزل عليه الوحي بأن يحج قارنا فتبع الحق مراده ، كما تبع الحق مراده ومراد أصحابه في أسرى بدر ، لما قبلوا منهم الفدية ، فعاتبهم الله تعالى بعتاب لطيف حيث قال : (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) ثم اتبع الحق مرادهم بأن قال : (فكلوا مما سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) ثم أتبع الحق مرادهم بأن قال : (فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم) فأحل – تعالى – لهم الغنيمة اتباعاً لمرادهم مع أنها كانت محرمة على من قبلهم ، وكانت تنزل نار من السماء تأكل الغنائم ، وهذه معاملة الحبيب لحبيبه ، تعود الجمرة تمرة ، فالنبي r لو لم يسق الهدى لما أوحى إليه أن يحج قارناً ، وهو قوله r : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت منه لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة " ومن هذا الباب يدور الحق حيث دار عمر ، والله ورسوله أعلم
وقال رضي الله عنه : لما سئل عن معنى قول الله تعالى : (فأوحى إلى عبده ما أوحى) أعطى الله رسوله r ليلة أسري به ثلاثة علوم : علم أمره بتبليغه ، وعلم أمره بكتمانه ، وعلم خيره فيه . فالذي أمره بتبليغه : هو علم الشريعة ومن قام بها حق القيام من غير تبديل ولا تغيير ، بل سلك الطريق التي نهجها له الكتاب والسنة بحسن نية وإخلاص ، تولى الله سبحانه وتعالى تعليمه العلمين الأخرين ، وهو معنى قوله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) وقوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وذلك لأن هذه الشريعة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، هي أصل كل سعادة ، ومنها تتفرغ الخيرات وتنو البركات ، وهي الحبل الممدود من السماء إلى الأرض ، فمن حفظ هذا العلم هذا العلم الظاهر حق حفظه حتى عمل بمقتضاه ، علمه الله أسراره ، وأسراره هما العلمان الآخران ، لأن القرآن جامع لثلاثة علوم ، فمن فتح الله بصيرته اطلع على أسراره ، ولا يكون ذلك إلا بالقيام بحق ظاهره من جميع الوجوه . رزقنا الله ذلك ، وبلغنا ما هنالك . آمين يا رب العالمين
وقال رضي الله عنه : من علت همته في طاعة الله تعالى ، ورسخ قدمه فيها قصد معالى الأمور في الأفعال والأقوال ، وقصد في معاني ما علمه الله تعالى من النطق ما علا ، وما ينتهي إلى ذلك إلا أنظار من نور الله تعالى بصائرهم ، وإذا أردت أن يسلك بك هذا المنهاج فأنا أشير إليه بتفسير قولك : الحمد لله . فمعناه : أن الله هو الذي حمد نفسه بلسان عبده ، وتفضل سبحانه على عبده بأن أجرى حمده على لسانه ، فإذا قصد العبد هذا المعنى فمن أين يبقى للعجب أو للرياء مدخل ؟ ثم إذا تقرب العبد من ربه جل وعلا ، حتى صار الحق سمعه وبصره ولسانه ، فهنالك الدرجة العليا والمرتبة العظمى ، فيصير معنى قول من كانت هذه صفته : الحمد لله . حمد الله تعالى نفسه بنفسه ، ومحيت عنه ظلمة البشرية بأنوار الأحدية ، فيصير جميع تصرفاته تصرفات الحق تعالى ، وهو معنى الغفر ، أي تغفر البشرية بمعنى تغطى ، لأن غفر الشئ تغطيته ومنه المغفر وهو الذي يغطي به الرأس ، فإذا قال : رب اغفر لي ، فمعناه : غط بشريتي وامحها بأنوارك . وهذا مسلك هذا اللسان ومشرب أهله (قد علم كل أناس مشربهم) وحسبنا الله ونعم الوكيل
وقال رضي الله عنه : للقرآن بطن وظهر ، وحد ومطلع ، فبطنه : يعلمه الخواص ، وظهره : علم الشريعة ، والحد : هو معنى كونه جامعاً لمعرفة الله تعالى وضابطاً لها ، والمطلع : لا يعلمه إلا الله تعالى ويعلمه لمن يشاء ، وهو كونه في كل كلمة منه كل شئ ، وفي كل حرف منه جميع الحروف ، وذلك كالعالم الإنساني جميعه من أوله إلى آخره ، جميع ما فيه في إنسان واحد ، فإن قولك : هو حرف واحد ، وإنما أتى بالواو عند إشباع الضمة ليمكن النطق بها ، هو حرف واحد وهو اسم الذي أوجد جميع الكون من العدم سبحانه وتعالى ، ولهذا كان أنين المريض توحيداً ، لأنه أتى بالهاء في قوله : آه . وإنما أتى بالهمزة قبلها ليمكن النطق بالهاء (وما يعلم تأويله إلا الله)
وقال رضي الله عنه كلما قرب العبد من الحق تعالى زاد ذلاله فإنه إذا صار الحق سمعه وبصره إلى آخره ، قوى أثر العبودية في الضمير المتصل بالبصر في قوله : " كنت بصره " وكلما تذلل قوى اتصاله
ولما سئل :
رضي الله عنه : عن القدر ؟
فأجاب :
وقد تقدم الخوض فيه في أثناء هذه الكراريس ، ولكن هذا تتمة له ، ضرب مثلاً في مجرد قصته فقال : كان بعض الملوك يقرب أحد وزرائه ، فحسده الآخرون ، فأراد أن يظهر وجه حبه له وتقريبه ، فبعث بجوهرة ثمينة لا توجد إلا في خزائن الملوك إلى كل واحد من الوزراء ، وأمر كل واحد منهم أن يدقها دقاً ناعماً ، فكل واحد منهم فكر في نفسه وقال : ما أراد الملك بهذا إلا اختباري ، فيصحب معها هدية ثم يرجعها إلى الملك ، ويقول له : يا سيدي ، هذه الجوهرة عظيمة القدر ة، وقد أمرت أن أدقها فلم أستحسن ذلك ؛ لأن إتلافها محض إسراف وإضاعة مال ، وليس في دقها فائدة ، فيقول الملك : أحسنت . فبعث بجوهرة إلى ذلك الوزير المقرب وأمره بدقها ، فبمجرد ما وصلت إليه أمر بالمهراس ثم دقها دقاً ناعماً وجعلها في قرطاس ، ودخل على الملك فناوله القرطاس ، فقال : ما هذا ؟ قال : هذه الجوهرة التي أمرتني بدقها ، قال : كيف هذا ؟ أتتلفها وقد علمت ما هي عليه من النفاسة وتعلم مقدار ثمنها ؟ فلم يحتج عليه فيقول : أنت الذي أمرتني بل قال : قد أخطأت ولكن العفو ، فنسب الخطأ إلى نفسه ، فازداد قرباً لديه
وقال رضي الله عنه : من لم يشرب من مشرب أهل الله تعالى فهو غبي عن حالهم ، فأولى له السكوت عنهم وإن لم يقبل كلامهم عقله ، فإن بعضهم لما سمع قول الله تعالى )إن بطش ربك لشديد) نزل به حال فقال : بطشي أشد ، ففي الظاهر : أن هذه الكلمة بشعة ، وليست كذلك فإن معناها مستقيم : وهو أن الله سبحانه وتعالى إذا بطش لم يفرغ في بطشه ذلك جميع ما يقدر عليه من القوة والبطش ، لأنه ليس لذلك حد ، بخلاف الإنسان إذا غضب وأراد أن يبطش أفرغ جميع ما يقدر عليه من القوة والقدرة ، وهذا معنى مستقيم لا شئ فيه من الغلو . وقال بعضهم : الله لا يعلم الغيب ، فظاهره فيه بشاعة ، وليس كذلك بل معناه : أنه ليس عند الله غيب حتى يعلمه بل الغيب عنده مشهود ، وإنما يعلم الغيب باعتبار ما عند العبد ، وهذا المعنى لا غبار عليه ، والله الهادي إلى الصواب ، ومن ظن فيهم ظن السوء وكذبهم فقد دخل في معنى قوله تعالى : (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) لأنه لا سبيل إلى الإحاطة بما يكنه باطن الإنسان ، بل لا يحيط بما يشتمله ظاهرة ، فاعتقد تغنم ، أو سلم تسلم ، وفائدة الاعتقاد لا تحصل في الانتقاد ، وأرض المنتقد لا تساوي سماء المعتقد . اللهم أعد علينا من بركات أوليائك ، واجعلنا من صالحي خير أمة لخير أنبيائك وأصفيائك ، آمين يا رب العالمين
وقال رضي الله عنه : لما سئل عن قول الله تعالى : (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ما السر في جمع الظلمات وإفراد النور ؟ النور مفرد : للفرد الصمد جل جلاله ، والظلمات للمتعددين ممن سواه ، وجميع الآيات التي في القرآن المذكور فيها النور والظلمات لا يؤتي فيها بالنور إلا مفرداً ، والظلمات جمع ، مثل قوله تعالى : (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) والتي قبلها (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وقوله تعالى : (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور) وغير ذلك من الآيات
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) ما حقيقة هذا الوحي ؟
فأجاب :
بأن هذا الوحي بواسطة نبيهم مثل قوله تعالى : (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) وهو لم ينزل إليهم ، وإنما نزل إليهم بواسطة نبيهم
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وأوحينا إلى أم موسى) مع أنه قال تعالى : (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) ؟
فأجاب :
أن الوحي الذي أوحى الله تعالى إلى أم موسى ، وإلى مريم بنت عمران ، وحي غير وحي الرسالة لأن وحي الرسالة لا ينبغي إلا للرجال ، لأن رتبة النساء التأخير وقوله تعالى : (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) ليس بحصر للوحي ، إنما هو حصر للرسالة ، وكذلك المكالمة فإنها ليست للأنبياء خاصة ؟ ، فقد تكون للأولياء ، وإنما مكالمته تعالى للأنبياء المرسلين على قدر مقامهم ، وهو تبليغ الرسالة ، ومكالمة الولي فيما هو فيه خاصة
ثم ضرب رضي الله عنه مثلاً بأن قال – ولله المثل الأعلى – ألا ترى أن الملك يكلم سواس الخيل بما هم فيه من إصلاح أطعمتها وأشربتها وعدتها ، ويكلم الأمير بما هو فيه من ترميم أحوال المتآمر عليهم ، والسيرة الحسنة فيهم ، ويكلم خواصه بالأسرار التي لا يريد أن يطلع عليها أحدا ، والذي ألجأ من بني على عدم التكليم إلا للرسل أنه جعل باب المكالمة واحداً ، ولو اطلع على ذلك لما حكم . وقول الله تعالى : (وكلم الله موسى تكليماً) ليس بحصر ، إنما هو تعالى يكلم كل أحد بقدر قابليته ، فهو تعالى كلم موسى تكليما كاد يذوب منه ويتلاشى تركيبه ، فمن شدة ما حصل معه قال : يا رب ، أهكذا كلامك ؟ فقال : إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ، ولي قوة الألسن كلها ، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تكن شيئاً ، وقابلية موسى – عليه الصلاة والسلام- في ذلك الحين تقوى على ذلك ، ولم يزل بعد ذلك مترقباً ، والنبي r قال : " أوتيت جوامع الكلم " فهذا أعلى مقامات الكلام في أعلى مراتب القوابل ، فإنها لم تنته قابلية أحد من المرسلين إلى أن تقبل جوامع الكلم ، الله صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، وأذقنا حلاوة الإيمان بما جاء به
وقال رضي الله عنه : في معنى الدعاء النبوي – على صاحبه أفضل الصلاة والسلام - : " اللهم حبب الموت إلى من يعلم أن محمد r رسولك " معناه : أنه لم يحب الموت إلا من كثر شوقه إلى لقاء ربه ، ولم يرض بالحياة الدنيا ولم يطمئن بها . وأما من رضي بها واطمأن بها فإنه لا يحب الموت . قال تعالى في حق أهل الكتاب : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) وقال تعالى في حق المؤمنين : (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) وأما قول عائشة رضي الله عنها : كلنا نكره الموت يا رسول الله ، فهو – هنا – في حال مخصوص ، وهو أنه قد يعتري المؤمن خوف من أن يلقي ربه ، وهو غير ذاك من جميع الوجوه ، أو يذكر ذنوبه فيظن إنها لم تغفر ، فهو يحب الحياة لا لكونه راضياً ولا مطمئناً بها ، وإنما يحبها لأجل أن يدأب في الأعمال التي تقربه إلى الله ، وتغفر بها ذنوبه ويترقى في معالي الأعمال ، وهو لا يحصل له ذلك إلا في قيد الحياة ، وحسبنا الله ونعم الوكيل
وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى – في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام - : (وألقينا على كرسيه جسد ثم أناب) ليس كمال قال المفسرون : أن الجسد غير سليمان بل هو سليمان نفسه ، بينما هو في ملكه نافذاً أمره فيمن تحت مملكته ، إذ سلب عنه السر الذي به انقيادهم وتسخيرهم له ، فلم يلتفت إليه ولم يطع أمره ، قال تعالى : (ثم أناب) أي رجع إلى ربه لتنبهه إلى أنه تبارك وتعالى فتنه بذلك ، والفتنة : هي الاختبار ، قال الله تعالى : (ولقد فتنا سليمان) وذلك بعد أن قطع رؤوس الخيل وسوقها جاءت الفتنة ، وحين أناب قال : (رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) وقد يظن أنه – عليه السلام – سأل ربه الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده محبة له وطمعاً فيه ، وليس كذلك ، ولكن سأل ذلك رحمة وشفقة وتخفيفاً لمن بعده ، لأن على الملك لكل واحد ممن تحت وطأته حقاً بالغين ما بلغوا ، فإن قلوا فبحسبهم ، وإن كثروا فبحسبهم ، وصاحب الحق له مقال . قال r : " دعه فإن لصاحب الحق مقالاً " وهو المعنى الذي أشار إليه عمر رضي الله عنه حيث قال لأحد أولاده : أتحسب أن أباك ملك ، إنما هو عبد للناس ، أي خادمهم وهو سيدهم ، لأن خادم القوم سيدهم ، وهنا جاءت مسألة الدور فكل من الراعي والرعية سيد ومسود ، وهي العلة التي بها اختار نبينا r العبودية ، حيث خير بين أن يكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً ، لأنه لا يريد أن يشغل قلبه بحق لغير الله تعالى . قال r : " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً "
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف : (وجئنا ببضاعة مزجاة) ما معنى مزجاة ؟
فأجاب :
بأن المزجاة : القليل ، ويدل على ذلك ما بعده (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) أي لا تنظر إلى ما جئنا به فإنه قليل ، وكذلك قول اله تعالى : (ألم تر أن الله يزجى سحابا) أي ينشئه ضعيفاً قليلاً ، ولذا قال تعالى (ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماَ) أي يكثره وينميه بعد أن كان ضعيفا قليلا ، وكذلك مخلوقات الله تعالى كلها أو ما يبرزها جل وعلا إلى الوجود في غاية من الضعف ، ثم ينميها ، فإن النخلة أول ظهورها من جوف النواة في غاية من الضعف ، ثم لا تزال تنمو حتى تصير إلى ما ترى من التفرع والكبر ، كذلك كل مولود وذلك أشد دلالة على القدرة الباهرة ، سبحانه وتعالى ما أقدره ، نعم . وقولهم في حلية النبي r : أزج الحاجبين أي : قليل شعر حاجبيه ، وقلة الشعر في الحاجبين : هي غاية الكمال r
وسئل :
رضي الله عنه : ما معنى الحديث : " الرؤيا على جناح طائر إذا قصت وقعت " وفي لفظ : " الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث صاحبها فإذا حدث بها وقعت ، فلا تحدث بها إلا صديقاً : صاحباً ، أو ناصحاً ، أو حبيباً " فإذا معنى ذلك المراد التعبير ، فإذا عبرها أحد وقع ذلك التعبير ، وقد تعبر ولا يقع في الغالب ؟
فأجاب ؟
بأن معناه بالفعل فإن بعض المشايخ رأى كأنه أعطى تلميذاً له عمامته ، ثم قام إلى التلميذ فقال له : إني قد رأيت كذا ، وكنت أريد أن أعطيك عمامتي في اليقظة ، ولكن أخشى أن يكون ذلك تعبيرها ، فلا أعطيك إياها ليبقى تعبيرها بيد الله سبحانه وتعالى . وكذلك رأى بعض المحدثين : أن النبي r سقاه لبناً ، فقام من نومه يتقيأ لينظر صحة الرؤيا فحرم تعبيره ، إذ لو لم يتقيأه لأعطي من العلم بقدر ذلك اللبن . والله أعلم
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) وقال تعالى : (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) ثم مقت سبحانه على الكفار لما قالوا كذلك ، فقال حاكياً عنهم : (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ) وقال تعالى في الرد عليهم : (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) وذلك لأنهم قالوا كلمة حق يريدون بها باطلاً ، وليس قولهم ذلك تصديقاً وإيماناً ، ولكنهم قالوا احتجاجاً بالقدر فكان مقتاً عليهم ، والاحتجاج بالقدر هو الخطر العظيم ، وكذلك عدم الإيمان به ، والصراط المستقيم في ذلك – لمن أراد أن يسلك أسلم المسالك – هو الإيمان بالقدر مع عدم الاحتجاج ، وحسبنا الله ونعم الوكيل
وقال رضي الله عنه : القرآن : قد يحتمل العدل ، ويحتمل الرحمة في كثير من الآيات كقوله تعالى : (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وقوله تعالى : (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الظالمون) ومثل ذلك كثير ، فحمله على معنى الرحمة أولى وأحسن ، وهو معنى قول رسول الله r : " القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه " لا على ما زعم كثير من الناس أن المراد بذلك تفسيره على أحسن وجوهه ، فأدى هذا إلى أن كل واحد يفسره على قدر ما سنح له من الرأي ، فأوقع كثيرا في الغلط ، وحملهم على التلاعب بمعاني القرآن بالتأويلات الفاسدة ، وأخرجوه عن معناه الظاهر الذي هو بيان وهدى ، قال تعالى : (هذا بيان للناس وهدى) فإذا عرفت هذا علمت أ، المراد بقوله : " فاحملوه على أحسن وجوهه ؛ لأن رسول الله r بعث متمماً لمكارم الأخلاق ، فإذا احتملت الآية خلقين أحدهما أحسن من الآخر عمل بالأحسن فالصبر أولى من المعاقبة ، والتصدق بالقصاص أولى من القصاص ، وغير ذلك . والله الموفق والهادي للصواب
وقال رضي الله عنه في معنى قول رسول الله r : " اللهم ما أصبح بي من نعمة ، أو بأحد من خلقك ، فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر " معناه : أن من قال كذلك صباحاً أو مساءاً ، فقد صار نائباً عن جميع المخلوقات : ناطق وصامت ، وجامد ومائع ، ومسلم وكافر ، في الحمد ، فيعود عليه أجر ذلك الحمد عن كل فرد من المخلوقات ، وهذا شئ لا يعلمه ولا يحصره إلا الله سبحانه وتعالى ، فسبحانه ما أكرمه جل وعلا ، يجازي بهذا الجزاء الذي لا يعد ولا يحصى على كلمة واحدة ، ثم انظر بلاغة كلام من لا ينطق عن الهوى الذي أعطى جوامع الكلم ، r
وقال رضي الله عنه : خلوص العمل : هو أن لا يعمل الإنسان لأجل شئ : فإن عمل لأجل دنيا ، أو لخوف من النار ، أو لطمع في الجنة ، فهو العمل المعلول ، قال رسول الله r : " لا يكن أحدكم كالأجير السوء إن أعطى عمل ، وإن لم يعط لم يعمل ، ولا كالعبد السوء إن خاف عمل وإن لم يخف لم يعمل " فقال بعض الحاضرين : ففي الحديث : " سبعة يظلهم الله في ظلة يوم لا ظل إلا ظله " ومن جملتهم : " رجلان تحابا في الله " فإذا أحب إنسان إنساناً لأجل ذلك أهو معلول ؟ قال : نعم . هو معلول ، وإنما أخبر رسول الله r أنهما ممن يظلهم الله في ظله جزاء لهما ، وأما هما فليسا بعالين حال تحابهما بهذا الجزاء ، أو عالمين لكنهما لم يتحابا لأجله ، بل تحابا في الله ، اجتمعا على رضاه وافترقا على رضاه من غير نظر إلى شئ فكان ذلك جزاءهما ، قال الله سبحانه وتعالى : (ألا لله الدين الخالص) اللهم اجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهك الكريم . بحرمة القرآن العظيم والنبي الكريم ، والصحابة أجمعين وعبادك الصالحين
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (افحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) فكل من سوى الله جاهلية ، فإذا لم يرض العبد بحكم الله تعالى فيه فقد بغى حكم الجاهلية ؛ فإن المرض – مثلاً – وجميع البلايا التي هي من الله سبحانه وتعالى هي حكم الله في عباده ، فإذا تلقاها بالرضا والتسليم فقد امتثل لحكم الله تعالى ، وعلم أن كل ما كان من الله تعالى فهو خير ، وإن كان في الظاهر شراً ، فلو كشف له الغطاء لاختار ذلك الابتلاء ، اللهم بارك لنا فيما قدرت لنا ورضنا بقضائك ، حتى لا نحب تأخير ما عجلت ولا تعجيل ما أخرت ، يا ارحم الراحمين ومن لم يرض إلا بما هويته نفسه فقد بغي حكم الجاهلية ، ولو اتصل بكل ما هويته نفسه لتغير حاله وفسد ، حتى لو كشف له ذلك لفر مما هويته نفسه أعظم فرار ، قال الله تعالى : (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)
وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) الإشارة في قوله : (ولذلك) عائدة إلى أمة واحدة باعتبار الأمر ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالاجتماع ، ونهى عن الافتراق ، قال الله تعالى : (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) وقال تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي يجتمعوا على عبادتي وهي عائدة إلى ، ولا يزالون مختلفين باعتبار الإرادة ، لأن الله سبحانه وتعالى خلق خلقاً للنار ، ولذلك وقه الاختلاف بين أهل الجنة وبين أهل النار (فريق في الجنة وفريق في السعير)
وقال رضي الله عنه : تكبيرة الإحرام للصلاة : هو أن ينسى المصلى كل شئ سوى الله ويسبح في الكبرياء والعظمة ، ثم كلما انتهى إلى نهاية في الكبرياء فالله كبرياؤه فوق ذلك ، ولهذا يجدد التكبير عند الركوع فيقول : الله أكبر ، أي أكبر مما انتهيت إليه في السباحة في كبريائه ، ثم هكذا إلى وسط الصلاة ، فيتحقق عجزك عن أن تسبح في جدول من بحور كبريائه فتعود ، ثم تصل إلى الخلق في آخر الصلاة فتقول : السلام عليكم ورحمة الله ؛ لأن التسليم لا يكون إلا من عائد من سفر ، فأما الذي هو حاضر فيلتفت على من على يمينه ويقول : السلام عليكم ، وعلى من على يساره ويقول : السلام عليكم ، فهو يعد من الجنون لأنه ليس بمشروع في حقه
وقال رضي الله عنه : إذا اطلعت على عصيان عاص فاكره منه ذلك الفعل في تلك الساعة ، ولا تحمله عليه من بعد ، لأنه ربما يكون ذلك الرجل مغفوراً له ولا يضره ذنب ، فإن الصحابه – رضي الله عنهم – لم تضرهم الذنوب ، ولا عبادة الأصنام ، ولا قتل البنات ، بل هم خير الخلق بعد الأنبياء ولهذا قال الله تعالى في كتابه العزيز – مخاطباً لرسوله r : (فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون) فأمره تعالى بأن يتبرأ من عملهم لا منهم ، ثم رسول الله r ، لما بلغه أن خالد بن الوليد قتل الذين قالوا : صبأنا وهم قاصدون بذلك الشهادة والإسلام ، قال : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ولم يقل : من خالد . فهذا الصراط الذي به النجاة . ثم إن الله سبحانه وتعالى قال : (إن الحسنات يذهبن السيئات) فينبغي التخلق بأخلاق الله تعالى ، لا كما هو عادة الناس إذا رأوا رجلاً فعل معصية حملوه عليها ورأوه بها مدة حياته ، نعوذ بالله من هذه الأخلاق بل إذا مرت ساعة يمكن التوبة فيها ، فلا تحمله على ذلك الذنب ولا تره به ، وإذا صلى إماماً صليت معه ، ولا تتخلق بعكس أخلاق الله تعالى وتجعل السيئات يذهبن الحسنات . اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت ، يا أرحم الراحمين
ومما أورد رضي الله عنه : من الأحاديث عن رسول الله r : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " وعنه r قال : " يا عائشة ، لا تأكلي الطين ، فإن الله خلق آدم من الطين ، فحرم الطين على ذريته " وعنه r أنه قال : " من مات وفي بطنه مثقال حبة من خردل من طين ، كبه الله في نار جهنم على وجهه " وعنه r أنه قال " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " وعنه r أنه قال : " من بنى فوق عشرة أذرع ناداه ملك ، إلى أين يا عدو الله ؟ "
ورأى r رجلاً يصلي وثيابه مسبلة فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة ، فصلى على ذلك الحال ، وجاء إلى النبي r ، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة ، فقال له رجل : يا رسول الله ، رأيتك أمرته بإعادة الوضوء والصلاة مرتين ؟ فقال له r : " إنه صلى مسبلا ، ولا يقبل الله صلاة مسبل " وعنه r أنه قال : " ائتزروا كما تأتزر الملائكة عند رب العالمين ، قالوا : كيف تأتزر الملائكة عند رب العالمين ؟ قال : إلى أنصاف سوقها " وعنه r أنه قال : " من أرخى سراويله حتى تدخل تحت قدميه فقد عصى الله ورسوله ، ون عصى الله ورسوله فله نار جهنم " وعنه r أنه قال : " يا سعد بن زرارة لا تسبل إزارك فإن الله لا يحب المسبلين " وعن عبد الله بن عمر قال : رآني رسول الله r وإزاري مسبل ، فقال : " من هذا ؟ قلت : عبد الله قال : إن كنت عبد الله فارفع إزارك "
وعنه r أنه قال : " إذا وقع في رجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصراً ، وللقوم زاجراً وقم عنهم " وعنه r أنه قال : " من اغتاب مسلماً جاء يوم القيامة ولسانه معقود إلى قفاه ، لا يحله إلا عفو الله أو عفو من اغتابه " وعنه r أنه قال : " الغيبة أشد من ستة وثلاثين زانية في الإسلام " وعنه r أنه قال : " أول من تسعر بهم النار ثلاثة : عالم ، وشهيد ، وغني " وعنه r أنه قال : " من شفع شفاعة فأهدى إليه هدية فقبلها ، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا " وعنه r أنه قال : " إن الله نظيف يحب النظافة " وعنه r أنه قال : " لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد ، والموقدين عليها السرج " وعنه r أنه قال : " نظفوا أفنيتكم فإن اليهود لا تنظف أفنيتها " وعنه r أنه قال : " أيما امرأة تطيبت ثم خرجت فهي زانية " ونهى رسول الله r أن يجصص القبر ، وأن يبنى عليه ، وأن يكتب عليه ، وأن يوطأ وعنه r أنه قال : لعن الله اليهود ، اتخذوا قبول أنبيائهم مساجد " وعنه r أنه قال : " إن الميت يسمع الآذان والإقامة ، والسلام من المسلم عليه ما لم يطين عليه القبر ، فلا تطينوا قبول موتاكم " وعنه r أنه قال : " كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً "
وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) المراد : العلماء بالله تعالى ، لأن من علم به تعالى خشية ، ألا ترى أن العالم بالحية أن فيها سما قاتلا يخشاها ويخاف منها ؟ والذي لا يعلم كالصبي يميل إليها ويأنس بها ، ويعجبه ما عليها من النقوش والصفاء ، فيباشرها بيده ولا يخافها ولا يخشاها ، لأنه لا يعلم أن هناك سما ، فقول الله سبحانه وتعالى في ابن أم مكتوم : (وأما من جاءك يسعى وهو يخشى) فشهادة الله له بالخشية عين شهادته له بالعلم ، وشهادة الله مستمرة ، لأن علمه تعالى بما سيأتي كعلمه في الحال ، فالخشية في ابن أم مكتوم بشهادة الله تعالى مطلقة : ماضياً ، وحالاً ، واستقبالاً ، ولهذا خلقه النبي r في المدينة في أكثر غزواته ؛ لعلمه بالله تعالى
وسئل :
رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين)
فأجاب
بأن الظن يحصل للإنسان من قبل نفسه فيصدقه عليه الشيطان ، ولذا قال تعالى : (وما كان له عليهم من سلطان) أي إبليس لا يجئ للإنسان بالوساوس إلا بعد أن يؤتى من قبل نفسه ، فيلقى إبليس المجال ، وليس أنه لولا إبليس ما عصى الله تعالى ، فإن إبليس عصى من قبل نفسه وليس له شيطان ، وهو – أيضاً – يخطب على منبر في النار بما حكى الله تعالى عنه في القرآن : (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) وهذا الظن وقع فيه الناس إلا من عصمه الله تعالى ، ولذا قال تعالى : (إلا فريقاً من المؤمنين) يعني لا المؤمنون جميعهم ، بل فريق ، نسأل الله العافية والسلامة ، فإنك ترى أنك لولا سعيك في الرزق لما أكلت ولا اكتسيت ، وهذا ظن اتبعته ، ورميت اليقين وهو قول الله تعالى : (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقال تعالى : (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) وهذا وإن كان في بني إسرائيل فهو عام ؛ لأن القرآن أنزل على رسول الله r ليتخلق به هو وأمته
وقوله تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق) أي لهم (وما أريد أن يطعمون) وقال تعالى : (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) أتى بقوله : الله يرزقها بإضافة الرزق إليها ثم عطف بقوله : وإياكم تنكيتاً لابن آدم ، لو فهم أن الدابة لما لم تحمل رزقها ابتدأناها بالرزق ، كما قدمناها في اللفظ بقولنا : الله يرزقها ، وابن آدم لما كان له سعي في رزقه أخرناه في الرزق ، كما أخرنا لفظه بقولنا : وإياكم ، فهذا هو ظن من قبل نفس الإنسان ، فلما ألقى إبليس المجال بهذا الظن صدقه ، فصار الإنسان عازماً جازما بأنه لو لم يسع لما رزق أصلا
كذلك العلم ظن الإنسان من قبل نفسه أن العلم هو ما عليه الناس الآن مكبون ، المنطق والتعمق في النحو والصرف وعلم الأصول ، فصدقه عليهم إبليس وصاروا عازمين جازمين بأن ذلك هو العلم لا علم غيره ، ثم يصدق الرجل قول الرجل إذا نقله له عن صاحب مذهبه ويعلم أنه صادق لا ريب فيه فيحكم به ، وهو يعلم علماً يقيناً أن الشاهد الواحد لا تقبل شهادته حتى ينضم إليه آخر أو امرأتان ، فيرمي هذا اليقين الذي هو من قبل الله تعالى ، ثم يعمل بظنه الذي حصل عن إخبار المخبر له : بأن صاحب مذهبه قال كذا ، فيصدقه عليه إبليس ، ويرى أن ذلك هو الحق
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
ثم قد يكون كلام إمامه معارضاً لكتاب الله تعالى ، أو لسنة رسوله اللذين جميع الأمة متلقية لهما بالقبول عن النقل الصحيح ، الذي لا يشك في صحة نقلهما من له أدنى مسكة بالإسلام ، فإن وجد تأويلاً قطر كتاب الله وسنة رسوله إلى قول إمامه ، وإن لم يجد تأويلاً رماهما وعمل بقول إمامه ، ويقول : لو كان هذا الحديث صحيحاً لعلمه إمامي ، فهذا معنى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) وإضافة الظن إلى إبليس : لكونه كان بسببه المجال لإبليس في كونه صدقه عليهم ، وإلا فالظن والتصديق منه ، لكن لما صار التصديق له صار الظن داخلاً تحت ، فانقلب الظن له ، وصار الظن والتصديق كلاهما له . اللهم أعذنا من الشيطان حتى لا يكون له علينا سلطان ، وروي ابن ماجه أنه r قال : " عليكم بالبغيض النافع : التلبينة ، فو الذي نفسي بيده ، إنه ليغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه " وروي أحمد والبخاري ومسلم أنه r قال : " التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن " انتهى
وقال رضي الله عنه : ما أعظم غلطها الزمخشري في تفسير قول الله تعالى : (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون) فجعل هذا دليلاً أ، جبريل عليه السلام أفضل من رسول الله r ، ومن أين له دليل في هذا اللفظ على أنه فضل منه ؟ ولم ينظر في ليلة الإسراء حين وصل جبريل عليه السلام إلى سدرة المنتهى ووقف ، فقال له رسول الله r : " أتتركني في هذا الموضع وحدي ؟ فقال : وما منا إلا له مقام معلوم ، ولو جاوزت قدر أنملة لاحترقت " فهذا محل الاستنباط بأن مقام رسول الله r أعلى ؛ لأنه رقى – حتى سمع صريف القلم في اللوح – إلى محل لا ينتهي إليه أحد ، وأما قول رسول الله r لما رأى الرفرف هو وجبريل عليه السلام قال : أما جبريل فغشى عليه ، وأما أنا فلم يغش على ، قال : فكان جبريل أعلم مني ، فلا يدل هذا على الإطلاق أنه أعلم منه بل في ذلك الشئ بخصوصه ، فلا يضر السلطان أن يكون الخياط أعلم منه بالخياطة
وأما قوله r : " لا تفضلوني على يونس بن متى ، ولا تفضلوني على موسى " فذلك وقع منه r في مقام افتخار كانت اليهود تقول : لا أفضل من موسى افتخاراً منهم ، فقال r في هذا المقام : " لا تفضلوني على موسى " وأما يونس فإنه لما وقعت مذاكرة في موقف ابن دقيق العيد في التوحيد ، سألوه : ما الدليل على أن الله سبحانه وتعالى لا يتحيز ؟ فقال : قول رسول الله r : " لا تفضلوني على يونس بن متى " فقالوا : من أين يكون الدليل في هذا القرآن ؟ فقال : لا أقول لكم حتى تقضوا دين هذا الرجل ، وهناك رجل عليه دين ، فكل واحد منهم قضى عنه بعضاً من دينه حتى قضوه كله ، فقال : وجه الاستنباط منه أن قوله r : " لا تفضلواني على يونس بن متى " أي في القرب من الله تعالى ، فإن قربي ليلة أسري بي وأنا في الأفق الأعلى ، وكنت قاب قوسين أو أدنى ، كقرب يونس بن متى منه ، وهو في بطن الحوت في قعر البحر
ولما كان المقام مقام التحدث بنعمة الله تعالى قال r : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " . أ . هـ . وعنه r أنه قال : " الزهد في الدنيا : أن تحب ما يحب خالقك ، وأن تبغض ما يبغض خالقك ، وأن تتحرج من حلال الدنيا كما تتحرج من حرامها ، فإن حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، وأن ترحم جميع المسلمين كما ترحم نفسك ، وأن تتحرج عن الكلام فيما لا يعنيك ، كما تتحرج من الحرام ، وأن تتحرج من كثرة الأكل كما تتحرج من الحرام ، وأن تتحرج من كثرة الأكل كما تتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ، وأن تتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما تتحرج من النار وأن تقصر أملك في الدنيا . فهذا هو الزهد في الدنيا "
وعنه رضي الله عنه : قال : قال رسول الله r : " ما هو لك فهو آتيك على ضعفك ، وما ليس لك فلن تدركه بقوتك " وعند قال : قال رسول الله r : " من بنى بنياناً ، أو غرس غرساً ، من غير ظلم ولا اعتداء ، كان له أجره باقياً ما انتفع به أحد من خلق الله تعالى " وعنه قال : قال رسول الله r : " أيما قوم بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله " وعنه قال : قال خالد بن الوليد رضي الله عنه : جاء رجل إلى رسول الله r فقال : يا رسول الله ، إني سائلك عما في الدنيا والآخرة ؟ قال له r : " سل عمنا بدا لك " قال يا نبي الله ، أحب أن أكون أعلم الناس ، فقال له r : " اتفق الله تكن أعلم الناس " قال : أحب أن أكون أغنى الناس ، قال له r : " كن قانعاً تكن أغنى الناس " قال : أحب أن أكون خير الناس ، قال له r : " خير الناس من ينفع الناس فكن نافعاً لهم "
قال : أحب أن أكون أعدل الناس ، قال له r : " أحب للناس ما تحب لنفسك تكن أعدل الناس " قال : أحب أن أكون أخص الناس قال له r : " أكثر ذكر الله تكن أخص العباد إلى الله تعالى " قال : أحب أن أكون من المحسنين ، قال له r : " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك تكن من المحسنين " قال : أحب أن يكمل إيماني ، قال له r : " حسن خلقك مع الناس يكمل إيمانك " قال : أحب أن أكون من المطيعين ، قال له r : " أد فرائض الله تكن مطيعاً " قال : أحب أن ألق الله نقياً من الذنوب ، قال له r : " اغتسل من الجنابة متطهراً تلق الله وما عليك ذنب " قال : أحب أن أحشر في النور ، قال له r : " لا تظلم أحداً تحشر في النور يوم القيامة "
قال : أحب أن يرحمني الله ، قال له r : " ارحم نفسك وارحم خلق الله يرحمك الله " قال : أحب أن تقل ذنوبي ، قال له r : " استغفر الله تقل ذنوبك " قال : أحب أن يوسع على في الرزق ، قال له r : " دم على الطهارة يوسع عليك في الرزق " قال : أحب أن أكون أكرم الناس ، قال له r : " لا تشك الله إلى الخلق تكن أكرم الناس " قال : أحب أن أكون من أحباء الله وأحباء رسوله ، قال له r : " أحب ما أحب الله ورسوله وأبغض ما أبغض الله ورسوله ، تكن من أحباء الله وأحباء رسوله " قال : أحب أن أكون آمناً من سخط الله ، قال له r : " لا تغضب على أحد تأمن من غضبه وسخطه " قال : أحب أن يستر الله عيوبي ، قال له r : " استر عيوب إخوانك يستر الله عيوبك "
قال : فما الذي يمحو الخطايا ؟ قال له r : " الدموع والخضوع والأمراض " قال : فأي حسنة أفضل عند الله ؟ قال له r : " حسن الخلق والتواضع ، والصبر على البلية ، والرضا بالقضاء : قال : فأي سيئة أعظم عند الله ؟ قال له r : " سوء الخلق والشح المطاع " قال : فما الذي يسكن غضب الرحمن ؟ قال له r " إخفاء الصدقة وصلة الرحم " قال : فما يطفئ نار جهنم ؟ قال له r : " الصوم " أ . هـ
وقال رضي الله عنه : قال سيدنا ومولانا رسول الله r : " والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً لتفترقن أمتي على أهل دينها وجماعتها على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضلة تدعو إلى النار ، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله ، فإن فيه نبأ ما قبلكم ، ونبأ ما يأتي بعدكم ، والحكم فيه بينكم ، من خالفه من الجبابرة قصمه الله ، ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، وشفاعته النافعة ، عصمة لن مسك به ، ونجاة لمن تبعه ، ولا يعوج فيقام ، ولا يزيغ فيشعب ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلقه كثرة الرد ، هو الذي سمعته الجن فلم تنته أن ولوا إلى قومهم منذرين قالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم " وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله ، في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
*******************