وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً) فقال : اذكروا الله وأتى باسمه الصريح ، ليكون أشد تشويقاً لذكره تعالى ، قال الشاعر :

فبح باسم من أهوى ودعني من الكنى ** فلا خير في اللذات من دونها ستر

ثم أطلقه في كل وقت ، ولم يقيده بوقت من الأوقات ، ثم قال : (وسبحوه بكرة وأصيلا) فقيده بالبكرة والأصيل ، وذلك لأ، الذكر في كل حالة هو المراقبة ، فإذا ذكرت الله تعالى على كل حال بقلبك ولسانك ، وتجنب ما نهيت عنه ، وامتثلت ما أمرت به كان ذكراً مطلقاً ، وأيضاً لأنك مفتقر إليه في جميع الحركات والسكنات والأنفاس والخطرات ن فما طرفة عين إلا وأنت مفتقر إليه فيها . والتسبيح : هو تنزيه الحق جل وعلا فنزهه عن أن تكون البكرة في حقه بكرة ، أو يكون الأصيل في حقه أصيلاً ، وكذلك شرع في السجود والركوع وعند القيام من المجلس ، ففي كلها تسبحه أي تنزهه عن أن يكون متصفاً بهذه الأفعال

وقال رضي الله عنه : حقيقة الزهد : أن الإنسان إذا أعطاه الله جاد ، وإذا منعه عف / فالغنى يعطيه الله سبحانه مالاً فلابد أن يسئل عنه ، فإن أنفقه في سبيل الله على تنوعه سئل سؤال تكريم ، ثم يجزى الجزاء الأوفى ، وإن أضاعه في غيرى ما يرضى الله سئل سؤال تبكيت ، وعاد عليه بالخزي والوبال وهذا معنى (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) وهو إذا أكل أكلة من رزق الله فإن أدى شكرها وهو أداء ما افترض الله عليه ، واجتناب ما نهاه عنه سئل عنها سؤال تكريم ، وإذا تقوى بها على معصية الله خاصمته تلك الأكلة بين يدي الله ، فينصفها منه لأنه عدل وكذا ركوب الخيل ، ولبس الثيات ، وجميع ما أنعم الله عليك به كلها ناطقة عليك أولاً : في الدنيا ن فإنه لو كشف لك الحجاب لسمعت الأرض التي تعصي الله فيها تقول لك بلسان فصيح : اتق الله ، وكل شئ يطلع عليك كذلك ، وثانياً : يوم القيامة ، يقوم لك كل شئ صيرته في معصية ، مخاصماً بين يدي الله ، أفتراه يظلم ولا ينصف ؟ كلا والله ، إنه هو العدل الحكيم ، ثم تشهد عليك جوارحك ، قال تعالى : (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أ، الله لا يعلم كثيراً مما تعملون) فهيهات أن يخفى ما سترته ، ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى أنعم عليك باللحم ولا يكون إلا بعد موت البهائم ، والموت إما بالذبح أو بالصيد ، فهي في نفسها ذلك الذبح بغيتها ومرامها أن يذبحها مسلم ، أو يصطادها ليتقوى بها على طاعة الله تعالى ، وهو معنى التسخير فإذا تقويت بها على معصية الله صرت غاصباً لها ، وخاصمتك بين يدي الله ، وخلاصته : أن كل ما أعطاك الله إن أنفقته بالمعروف فقد تصرفت في مال الله بالحق ، وإن لم فقد صرت غاصباً لمال الله ، لأنه أعطاك إياه وعلمك كيف تنفقه ، فإن امتثلت سعدت ، وإن خالفت شقيت

وقال رضي الله عنه : قوله تعالى : (أقم الصلاة لذكري) أي لأجل ذكري لك كما ورد في الحديث إذا قال المصلي : الحمد لله ، قال الله : أنثى علي عبدي إلى آخره

وسئل :

رضي الله عنه : إذا لحق المؤتم الإمام في الركوع هل يعتد بتلك الركعة أم لا ، مع أنه ورد في الحديث : " لا صلاة إلا بأم القرآن وهو – هنا – لم يقرأها ؟

فأجاب :

إنه يعتد بها ولو يقرأ القرآن ، وهو خاص في هذا الموضع ، لأن النبي r طول في الركوع في بعض الصلوات تطويلاً خارجاً عن العادة ، فسئل عن ذلك فقال : أمسك جبريل يدي في ركبتي ، حتى أتى على بن أبي طالب فأدرك تلك الركعة ، ثم قال : فانظروا إلى هذا التكريم الذي لعلي كرم الله وجهه ورضي عنه ، ينزل جبريل من تحت العرش بل من سدرة المنتهى بأمر الله تعالى ، فيمسك يدي النبي r حتى يأتي فيدرك الركعة ، هذا تشريف وأي تشريف

وقال رضي الله عنه : علت همم قوم من أمة النبي r ومن غيرها من الأمم ، حتى لا يريدوا سوى الله ، وإذا أرادوا الله سبحانه صارت الدنيا والآخرة تحتهم ، قيل / إن بعض الملوك قال لجواريه : كل واحدة منكن تختار ما أرادت وهو لها ، فكل واحدة اختارت شيئاً مما في ذلك المنزل ، وواحدة لم تختر شيئاً ن فقال لها : لم لم تختاري معهن شيئاً ؟ قالت : أختار سيدي ، ثم وضعت يدها على رأسه ، فقال : الدار كلها لك بما فيها ، فانظر إلى من علت همته وسلم ذوقه . وكذلك سحرة فرعون جاءوا في أول اليوم يبتغون شراً ، ويريدون ادحاض الحق بالباطل – وهو آية موسى – بسحرهم ، ثم ما مر عليهم ذلك اليوم إلا وقد سعدوا السعادة الكبرى ، وبلغوا درجة الولاية ، وأرادوا الله لا سواه ، حتى إنه لما قال لهم فرعون : (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل) إلى قوله : (والله خير وأبقى) فقالوا : والله خير وأبقى ، ولم يقولوا : والآخرة خير وأبقى ، فعل ما توعدهم به ولم يرتد منهم أحد ، ثم بعد ذلك بلغوا هذه الرتبة ساعة لم يعبدوا الله قبلها أبداً ولم يوحدوه ، فنحن أحق بذلك ، ومالنا أن لا نرجي في الله ذلك ، ونظن فيه وهو عند ظننا أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء

وقال رضي الله عنه : علم الله نبيه r ليلة أسرى به ثلاثة علوم : علم الشريعة ، وعلم الخواص ، وعلم خواص الخواص ، فعلم الشريعة في جميع الأمة يعلمها الخاص والعام ، وعلم لم يعلمه إلا الخواص ، وعلم لم يعلمه إلا خواص الخواص ، وهو معنى قول على – كرم الله وجهه ورضي الله عنه - : ههنا علم ، وأشار إلى صدره ، ما وجدت له حملة وقول أبي هريرة رضي الله عنه : أخذت وعاين من علم عن رسول الله r : أما أحدهما : فبثثته ، وأما الآخر : فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم . اللهم اجعلنا من خواص الخواص برحمتك يا أرحم الراحمين ، وبحرمة الفاتحة . آمين آمين آمين

وقال رضي الله عنه : لما حدث النبي r أصحابه بقصة موسى حين (قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) قال : تجلى تعالى للجبل بنوره بمقدار رأس الأنملة ، ثم اشار بالخنصر من اصابعه ، ووضع إبهامه على الخط الأعلى منها ، فقال الشيخ رضي الله عنه : ذلك النور الذي تجلى منه للجبل بقدر الأنملة هو نور النبي r : قال الله تعالى : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا) فالسراج هو النور والنور النبي r ، هو النور الهادي . ثم قال الشيخ رضي الله عنه : أمره الله بعد أن أفاق أن يضرب بعصاه الجبل فضرب بها فظهر سبعون ألف بحر ، في كل بحر سبعون ألف جبل ، على كل جبل سبعون الف موسى ، عليهم الكساء وبأيديهم العصى وكل واحد يقول رب أرني أنظر إليك ، فخر موسى صعقاً ، فقال : (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) وحين كلمه الله من الشجرة قال : يا رب ، أهكذا كلامك ؟. لأنه سمعه من جوانبه ومن ظاهره وباطنه فقال له الحق تعالى : يا موسى ، إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ، ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك ولو كلمتك بكنة كلامي لم تك شيئاً ، سبحان القادر الذي لا محال عليه ، وفي الحديث : أن النبي r قال : " إن الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم ولو حدثتكم بصفة كل عالم لما حملتكم قلوبكم ، سبحان الواسع الحكيم "

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى لرسوله r : " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) أي لا تكن ككليمنا موسى ، حين عجل عن قومه شوقاً إلى ربه ففتنوا من بعده ، وذلك لأن النبي يطير إلى ربه بأجنحة النبوة ، فيخلف قومه وراءه ، فأمر الله رسوله r أن يصبر مع قومه ، فيمشوا أمامه ، ويسوقهم إلى الله كالراعي يسوق غنمه

وقال رضي الله عنه : لا يخلو الإنسان من التدبير ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفة في الأرض ، والتدبير من شأن الحق سبحانه وتعالى ، فسرى سره إلى الخليفة ، وكذلك الإرادة فإنه ذكر عند أبي يزيد البسطامي : الزهد ، فقال ، الزهد ليس عندي بشئ ، إنما كنت فيه ثلاثة أيام : اليوم الأول : زهدت في الدنيا : واليوم الثاني : زهدت في الأخرى : واليوم الثالث : زهدت فيما سوى الله تعالى ، فقيل لي : ما تريد ؟ فقلت : أريد أن لا أريد ، فقال بعض المشايخ : إنه أراد إذاً

وقال رضي الله عنه : في وصف الجنة : إن أهل الجنة فيها كل واحد منهم يدرك لذة النعيم فيها بقدر إيمانه في الدنيا ، فالاثنان يشربان مثلاً من نهر واحد ، وكل واحد منهما يدرك ذوقاً غير الآخر ، وكذلك الرؤية للحق تعالى كل واحد على قدر إيمانه يحصل له التلذذ والإدراك ، وعلى هذا غيره من النعيم . وفي الدنيا القرآن وزمزم كل واحد يدرك ذوقهما على قدر إيمانه ، اللهم اجعلنا مؤمنين يا أرحم الراحمين ، ثم لا يزال يزداد معه الذوق كلما تقوى بنعيم الجنة إلى ما لا غاية له ، كلما تقوى من الرؤية مثلاً زاد ذوقه واتسعت دواعيه ، فإن لأهل الجنة سوقاً يتسوق إليه أهل الجنة في كل جمعه ، أي في محل يوم الجمعة من أيام الدنيا ، فيتجلى لهم جل وعلا ، فيأخذ كل عضو قصده وكل جارحة ثم يعود إلى محله ، وقد ازدادت خلقته ، وتنور لونه ، فيكتسب أهله من ذلك الجمال ، ثم لا تزال الأعضاء تشرب ذلك وتتلذذ ، فلا تدور مدة أسبوع في الدنيا إلا وقد أدرك داعياً للرؤية كما يدرك العطشان داعياً للماء ، فيذهبون على ذلك السوق ، والقوى والتلذذ في ازدياد إلى ما لا نهاية له ، وذلك لأنها حياة لا موت فيها " اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل "

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) إلى قوله : (لقوم يعلمون) أي إن الله سبحانه وتعالى خلق جميع المخلوقات للإنسان ، وسخر له جميع ما في السماوات وما في الأرض ، لكن للذين آمنوا منهم ، وأما الذين لا يؤمنون فليس لهم من ذلك شئ ، وإنما هم غاصبون لما في أيديهم على المؤمنين ، ولذلك كان فيأ لمن سبق إليه ، أمر الله المؤمنين أن يجاهدوا الكفار ويأخوا أموالهم الذي هم غاصبون ، وأما المسخرات كالأرض والشمس والسماء فباقيات تحت قهر الله سبحانه وتعالى كرهاً على تسخيرها للكافرين مع أنها لو خلى الله بينها وبينهم لابتلعتهم الأرض ، كما خلي بينها وبين قارون وتتفطر السماوات وتخر الجبال هداً (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة) أي هم وغيرهم لأن غيرهم من الدواب ، أوجدها من أجلهم ، فبعدمهم تعدم كل دابة ن ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ، وقوله تعالى : (خالصة يوم القيامة) أي لهم لا يشاركهم فيها ، وأما في الدنيا فإنه شاركهم فيها الكافرون غصباً

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) فكل واحد من بني آدم وغيرهم منفرد في صفة لا يشاركه أحد فيها من قبل ولا من بعد ، بل ابتدعه البديع جل وعلا في صرة لم تخلق من بعد ولا من قبل ، كل فرد له لون لا يشبهه لون أحد ولا صوت لا يشبهه صوت أحد ، وله منطق لا يشبهه منطق أحد ، فإن راعي الإبل يعرف صوت كل واحدة من غبله بعينها ، كذلك الشعرات ليست كل واحدة هي عين الأخرى ، بل كل واحدة منفردة في وصفها ، لا يعلم ذلك الوصف إلا الله سبحانه وتعالى ، ثم هو جل جلاله ناظر إلى كل فرد من جميع المخلوقات نظراً مختصاً به الموجود منها والكعدوم ، والسابق والآتي في حالة واحدة سبحانه وتعالى

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (هم الظالمون) (هم الفاسقون) هذا الحكم ليس هو مختصاً بالحاكم بل به وبكل فرد من الناس ، فكل راع ، وكل مسئول عن رعيته ، فإن الإنسان حاكم على أعضائه وجوارحه ، فإن لم يحكم فيها بما أنزل الله وهو أن يهتك بها محارمه أو يفرط بها عن واجباتها فهو ظالم ، قال رسول الله r : " أكرموا الله أن لا يراكم فيما نهاكم عنه " . ثم الحاكم بين المسلمين مخاطب بالأحكام بين الناس ، وفي جوارحه وأعضائه فهو اشد ، وأين من يحكم بما أنزل الله ، دعى أبو حنيفة ليكون قاضياً فقال : لست أهلاً لها ، فقيل له : لابد من ذلك ، فقال : قد قلت لست أهلاً لها فإن كنت في ذلك صادقاً عذرتني ، وإن كنت كاذباً فبكذبي هذا قد تحقق أني لست أهلاً لها فإن كنت في ذلك صادقاً عذرتني ، وإن كنت كاذباً فبكذبي هذا قد تحقق أني لست أهلاً لها .

وقال رضي الله عنه : لو عمل ابن آدم بعلمه أن رحمة الله وسعت كل شئ لما كان للحسد فيه مجال ، فإن كل فرد من الناس لو كان ولياً مقرباً لم يضيق أحد على أحد شيئاً في سعة رحمة الله ، ولو كان كل فرد منهم معه ملك الدنيا جميعها لم يضيق أحد على أحد شيئاً في سعة فضل الله ، قال النبي r لأبي ذر رضي الله عنه : " إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي " وذلك ليس خاصاً بأبي ذر بل كل واحد من أمته كذلك ، فهو يحب لكل فرد من أمته أن يكون رسولاً مقرباً في درجته ، صلى الله عليه وآله وسلم لعلمه بسعة رحمة الله ، ولو كانوا كذلك لما ضيق أحد على أحد شيئاً ، ففيم الحسد إذاً ؟ حسبنا الله ونعم الوكيل

وسئل :

رضي الله عنه : عن صدقة الفطر إذا لم يجد الفقير شيئاً ؟

فأجاب :

فقال : تبقى في ذمته حتى يوسر ، فإذا يسر الله عليه أخرج عما تقدم ، وذلك لأن الصوم يبقى معلقاً بين السماء والأرض حتى يخرج صدقة الفطر ، وليست مخصوصة بالأغنياء بل وبالفقراء إلا أنها في الذمة لا في المال

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام : إذا رأيت الفقر قد أقبل فقل : مرحباً بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الدنيا قد أقبلت فقل ، هذا ذنب عجلت عقوبته . والفقر الحقيقي عند أهل الله هو : فقد ما سوى الله من القلب ، وذلك أنه (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) فإذا اشتغل القلب بالمال فلا يتسع إلا له عن الله سبحانه وتعالى ، وإذا تخلى عن كل شئ سوى الله تعالى ، اشتغل بالله عمن سواه . اللهم إني أعوذ بك من كل عمل يخزيني ، وأعوذ بك من كل صاحب يرديني ، وأعوذ بك من كل أمل يلهيني ، وأعوذ بك من كل فقر ينسيني ، وأعوذ بك من كل غنى يطغيني ، وأعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك

وسئل :

رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) ؟

فأجاب :

إن الأمانة هي الشريعة لأنه هو الذي أهل لها ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان خلقه لم يخلق عليها شيئاً غيره ، فبهذه الخلقة تأهل لحمل الشريعة ثم ضرب لنا مثلاً فقال : إن المدر إذا عمل ماعوناًَ لحفظ شئ خمر الطين ، ثم يصنع ويعاد على النار فإذا كان كذلك صار أميناً لا يخون ، كذلك الإنسان خلقه في أحسن تقويم فتأهل لحمل الشريعة ، إنه كان ظلوماً أي ناقصاً بدليل ولم تظلم منه شيئاً ، جهولاً أى جاهلاً عن الشرع ، ناقصاً عن الكمال قبل حمل الأمانة فلما حملها صار تاماً عالماً ، وأي علم أعظم من العلم الذي جهلته الملائكة فعلمه هو وعلمه الملائكة ، فمن خان في هذه الأمانة وهي الشريعة بعد حملها ن فقد رد إلى أسفل سافلين ، ومن آمن بها وعمل الصالحات فله أجر غير ممنون ، ثم إذا حفظ الأمانة حق حفظها صار الحق سمعه وبصره إلى آخر الحديث ، فهذا الجوهر الإنساني أمره عظيم ، لكنه لم يعرف قدره ، فإن الله سبحانه وتعالى لما جعله خليفة في أرضه أودعه وسلط الممالك التي خلقت من أجله لينظر إلى جميع أطرافها ، فهو ما بين السماوات والأرضين السبع وجميع ما فيهن مسخرات له ن كما يضن الملك بأنفس الجواهر فيضعها في جوف سبعة صناديق ، ثم من الأمانات – أيضاً – النفس والمال ، لأن الله سبحانه وتعالى قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ، ثم أودعها إياهم أمانة ، وأمرهم أن يحكموا فيها بالعدل فقال تعالى : (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فأداء الأمانة إلى أهلها هو أن يبذل الإنسان نسه في سبيل الله إما في الجهاد الأكبر أو الأصغر ، وينفق ماله فمن فعل كذلك فقد أدى الأمانة إلى أهلها ، والله سبحانه هو أهلها (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)

فكل إنسان يحكم في أعضائه ونفسه بالعدل والعدل هو الله ن وكل إنسان في نفسه هو الناس ، والحكم بالعدل في النفس والمال اللذين هما أمانة أن تطعم هذه النفس من هذا المال ما تقوى به على طاعة الله بالمعروف من غير إسراف ولا تبذير ، ثم ما فضل منه أمرهم أن ينفقوه في سبيل الله ، وهو على سبيل القرض يدخر لهم إلى الآخرة مضاعفاً ن فإذا صار الإنسان حافظاً للأمانة هذا الحفظ ، متصرفاً فيها كما أمره صاحب الأمانة ، فهو داخل فيمن قتلوا في سبيل الله إذا ماتوا فإنهم أحياء (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم) بل شهادته أعظم من شهادة من قتل في الله بالسيف ، لأنه قتل بسيف الحب والشوق في الجهاد الأكبر ، والشهادة في الجهاد الأكبر أعظم منها في الجهاد الأصغر ، وكذلك إنفاق المال قال تعالى : (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم أن لا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض) يعني أن المال كله لله ، ثم ادعيتم فيه الملكية ن فأقركم على ذلك ، ثم اشتراه منكم وأودعكم إياه أمانة ، ثم بعد أن قبضكم إليه قسم ما لكم لمن يريد ، فأنزل آيات الميراث ، وذلك أن الأنبياء لا يورثون شيئاً لأنهم لم يدعوا للملكية ابداً ، بل ما أمنهم الله تعالى عليه من المال صرفوه فيما أمره فلم يملكوا شيئاً

وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (يوم يجمع الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب) ينسبون العلم كله لله ، وهم يعلمون بما صار إليهم من قومهم : فمنهم من قتل ، ومنهم من اتخذا من دون الله إلهاً ، ومنهم من طرد ، لكنهم وافقوا المقام هنالك لأن الله سبحانه يشتد غضبه حينئذ ، فلو أن كل واحد منهم ذكر ما صار إليه من قومه لم يوافقوا مقام الغضب ، ورسول الله r قال : (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي) مع أنه قد علم ما يفعل به وهو أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وعلم – أيضاً – بما يفعل بأمته r وفي الحديث : أن النبي r خطب خطبة من أول اليوم إلى آخره ، لم يفرق بينها إلا بالصلاة ، ذكر فيها خلق السماوات والأرض إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، فنسيها من نسى ، وحفظها من حفظ ، لكنه وافق مقام التخويف ، فإنه إذا كان رسول الله r ما يدري ما يفعل به فكيف بغيره ؟. وهو r لا يدري ما يفعل به في الجنة ، فإن الله سبحانه وتعالى يحبوه بأشياء في الجنة لا تخطر على قلب بشر ، وكذلك من دخل الجنة لهم فيها ما يشاءون ، وتفاصيلها لا يعلمها إلا الله سبحانه لأنه حي بحياة الله ، فما ظنك برسول الله r الذي هو واسطة عقد الكون ، وكذلك لا يدري ما يفعل بأمته على التفصيل ، أي كم أنفاس كل حي إلى انتهاء أجله ، وما يحدث في لمحة وخطرة ؟ فإن هذه ونحوها لا يعلم بها إلا الله ، فمقام التجوز في محله باعتبار الظاهر ، ومقام الحقيقة في محله باعتبار الباطن

وقال رضي الله عنه : في التوكل قالت رسل الله : (وما لنا أن لا نتوكل على الله ) الآية أي فلي أمورنا جميعها ، وهو سبحانه قد هدانا سبلنا ابتداء منه ، وليس لنا اختيار ، فأوجدنا من العدم ، وعرفنا التوحيد ، ولم نتطلب معرفته قبل وجودنا ، فكيف لا نتوكل عليه الآن ؟ فنحن في التوكل عليه ووجودنا كعدمنا ، وتوكلهم عليه سبحانه توكل مطلق لا لينصروا ، فالتوكل على الله سبحانه وتعالى هو التوكل المطلق ن لا لأجل علة فأما إذا كان معلولاً فلا يسمى توكلاً ، فإن الله سبحانه كان وكيلاً لنا قبل وجودنا ، خام عنا الملائكة حين قالوا : (أتجعل فيها من يفسد فيها) ثم جعل اسمه الرحيم وجميع أسماء الرحمة غالبة لأسماء الغضب فسبقت رحمته غضبه ، ثم جعل باب التوبة مفتوحاً إلى أن يغرغر ، ثم هو كل يوم ينادي في الثلث الأخير من الليل : هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ الخ

فهو سبحانه يدعونا إليه حتى الأعضاء منا تدعونا إليه ، فإن الأعضاء تناشد الإنسان تقول له : استقم فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا ، ثم كل يوم يقول للإنسان : أنا يوم جديد ، وأنا على ما تعمل في شهيد ، فاغتنمي فإني إذا غربت شمسي لم تدركني ، وكل ليلة تقول : يا ابن آدم ، أنا ليلة جديدة ، وأنا على ما تعمل في شهيدة ، فاغتنمي فإني إذا طلع فجري لم تدركني ، وكذا جميع ما في الكون يدعو إليه ، وأعظمها الرسل والقرآن

ثم لما كان لنا وكيلاً قبل وجودنا هدانا سبلنا لمعرفة هذه كلها بالعقل والنقل قبل أن نتوكل عليه ، فكيف بعده ؟ ولذا قالوا : وما لنا أن لا نتوكل على الله الآن ، وهو سبحانه يريد بذلك كله نجاتنا لأنه وكيل ، والوكيل لا يريد إلا جلب المنافع لموكله ، ودفع المضار بقدر علمه ، فكيف الوكيل الذي يعلم غيب السماوات والأرض وربما يحصل للمتوكل حقيقة ما يكرهه في الظاهر لكن الخير له فيه فإن الطبيب ربما يكوي بالنار من طبه ويجرعه شرب المر ، لكن لشفائه في ذلك ، فإن الله سبحانه كتب علينا القتال فهو في الظاهر كره ، لكنه الدواء الأعظم الذي به السعادة التي ليس مثلها سعادة ، كذلك الملائكة – عليهم الصلاة والسلام – كرهوا أن يكون آدم خليفة في الأرض ، فكان الخير في ذلك ، فأول من نال الخير منه هم بتعليمه لهم الأسماء : (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم) فالأنبياء والرسل لما توكلوا على الله وصبروا على اذى قومهم (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكنكم الأرض من بعدهم)

وحكى أن ابا يزيد استدان ديناً صيره في مرضاة الله سبحانه متوكلاً على الله في قضائه ، ثم لما مرض مرض الموت أقبل غرماؤه يطالبونه فأتاه أحد أصحابه وأخبره بأن فلاناً يسأل عنك أي من أصحاب الديون فرفع يده وقال : اللهم إنك جعلتني رهناً في أيدي هؤلاء فكيف تقبضني قبل أن توفيهم ، فما استتم كلامه حتى سمع بمناد ينادي في الأسواق ألا من كان له على أبي يزيد دين فليأتنا ، ثم قضى عنه ، ثم فاضت روح ابي يزيد فرآه بعض أصحابه في المنام فقال : ما صنع الله بك ؟ فقال : أكرمني إلا أنه عاتبني على ذلك الدين فقال :  أخذت من الدنيا شيئاً قليلاً وضمنتنا إياه ، فلو أخذت الدنيا بحذافيرها وأنفقتها في مرضاتنا ترى هل نؤديها عنك أم لا ؟ وقدر ذلك الدين عشرة آلاف دينار . ثم هو سبحانه وتعالى ينذرنا بالمرض قبل الموت ، لنتقيظ للتوبة ، يقول : هذا نذير الموت فهل من توبة ؟ فإني أقبلها ما لم تغرغر ، ولذا استعاذ النبي r من موت الفجأة فمن كان هذا فعله بعبده كيف لا يوكله في جميع أموره ؟ فلا يكون لنفسه اختيار في شئ ولا تدبير ، حسبنا الله ونعم الوكيل

وقال رضي الله عنه : لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعاتب رسوله r أتى بضمير الغائب فقال : (عبس وتولى) إذ لو أتى بضمير الخطاب لا نفطر قلبه r ، وحين كلمه بما يسره أتي بضمير الخطاب فقال : (ألم نشرح لك صدرك – ما ودعك ربك وما قلى) ثم لما أراد أن يعاتبه بصيغة الخطاب فقال (عفا الله عنك لم أذنت لهم)

وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : (يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) فقوله : (إن جاءكم فاسق) ليس المراد الاحتراز عن المؤمن ، بل كل من جاء بالنبأ فليس بمؤمن ، بل هو فاسق لأنه نمام ، والنمام فاسق ، فكأنه يقول : إن من فعل ذلك يقول بلسان الحال : أنا فاسق لا تصدقوني ن فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ، أي يصبح من اصاب قوماً بجهالة نادماً على تلك الإصابة عقب أن يصيبهم يندم ، وذلك أنه لابد أن يتيقن أنه مخطئ بتلك الإصابة غما بظلمة في القلب إن كان متيقظاً ، أو بعقوبة تحدث له ، والمخاطبون بهذا الخطاب هم المؤمنون الذين يعملون من اين أتوا ن لا من كثرت ذنوبهم حتى لا يعلموا من أين أتوا ، فإنه قال بعض الصالحين : إني لأفعل الذنب فاراه في خلق دابتي وأهل ، وأما من كثرت ذنوبه فلا يعلم من اين يؤتي ، بل لا يرى ظلمات بعضها فوق بعض .

وقال رضي الله عنه : في تفسير قول الله تعالى : (والتين والزيتون) ابتدأ سبحانه بالتين لأنه من أحسن ما يستمد منه الجسد ، وهو الذي بسبب أكله أخرج آدم من الجنة ، ثم أتبعه بالزيتون ، لأنه ضرب الله به المثل في قوله تعالى : 0الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) على قوله : (ولو لم تمسسه نار) فهو يستمد منه الروح هنا فأتبع ما يستمد منه البدن بما يستمد منه الروح ، ثم أتبع ذلك بقوله : (وطور سنين) وهو الذي ناجى عليه الحق سبحانه وتعالى موسى عليه الصلاة والسلام ، ثم أتبعه بما يناجي الله فيه عبيده وهو (البلد الأمين) فإن الله سبحانه يناجي الحجاج إذا قالوا : لبيك اللهم لبيك يقول : لبيك عبدي وسعديك إذا كان مال الحاج من حل ن ثم يقول أبشر بما يسرك ، وإذا كان ماله حراماً يقول : لا لبيك ولا سعديك ، ثم يقول : ابشر بما يسوءك ، ثم جعل فيه سبحانه وتعالى الحجر الأسود يمين الله ، يصافح بها عبيده كما في الحديث ، ثم في الحديث – أيضا – من قبل الحجر الأسود فقد بايع الله أن لا يعصيه ، ومن فاوض الحجر الأسود والركن اليماني فإنما يفاوض الرحمن عز وجل ، هكذا لفظ الحديث ، وفي الحديث أيضاً : " من طاف وسعى وشرب من ماء زمزم خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " وفيه – أيضاً – " الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والفضة " ثم تأخير البلد الأمين في القسم وهو أشرف مما تقدم ، ليتصل بأشرف المخلوقات وهو الإنسان

وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً) فالحنيف هو الذي مال بكليته على الله تعالى ، ولم تبق له وجهة إلى سواه ، والخلة هي كصبغ الثوب فالعرض الجوهر والجوهر العرض ، فمن اسلم وجهه لله أي اسلم نفسه فلم يبق له في نفسه تصرف ولا تدبير ، وصار حنيفاً مائلاً بكليته إلى الله لا يرى سواه ، صار بصره الذي يبصر به

وقال رضي الله عنه : عن سؤال إبليس حيث قال : يا رب ، جعلت لعبيدك رسلاً فما رسلي ؟ قال : الكهنة قال : وجعلت لهم كتاباً فما كتابي ؟ فقال : الوشم قال : وجعلت لهم حبائل فما حبائلي ؟ قال : النساء . قال : يا رب ، جعلت لعبيدك مساجد فما مساجدي ؟ قال : الأسواق ، قال : جعلت لهم قرآنا فما قرآني ؟ قال : الشعر ، قال : جعلت لهم أذاناً فما آذاني ؟ قال : المزمار وأما أن النبي r لم ينه عنه حين سمعه فهم في حقه r لم يكن ملهياً وكذلك أصحابه وأولياء الله تعالى ، فإنهم لم يشهدوا في كل شئ سوى الله تعالى ، ولم يسمعوا كل شئ إلا منه ، قال الشاعر

إذا زمرت ورق على غصن بانة              وجاوب قمري على الأيك ساجع

فأنذى لم تسمع سوى نغمة الهوا               ومنكم فإني لا من الطير سامع

فباختلاف القوابل تختلف الأشياء ، ألا ترى أن شجرة الحنظل إذا كان بجنبها شجرة الحبحب شربتا من ماء واحدة ، فقابلية كل واحدة منهما أحالته على حقيقتها فصار في الحنظل مرا ، وفي الحبحب حلواً ، كذلك إذا هبت الريح اذكت ناراً وأطفأت أخرى . وأن القرآن كل إنسان له ذوق منه غير ذوق غيره بقدر القابلية ، قال سبحانه وتعالى : (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) كذلك بنو آدم منهم من قابليته تقل الإيمان ، ومنهم من لم تقبله قال الله تعالى : (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) وقال تعالى : (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليبتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) وآدم عليه الصلاة والسلام حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها لم يأكلها إلا وهو في وجل وخوف ، وذلك لعلمه أنها التي نهاه الله عنها ، ولكن لما وسوس لهما الشيطان تحركت في طيهما النسم التي تعمل الأعمال التي يستحقون بها النار ولا يحنون إلا إلى المعاصي ، فلم يملكا نفسيهما حتى أكلا ، وذلك كما تؤلم الإنسان الدماميل ، فلا تسكن غلا إذا انفجرت ، وقد سبق قضاء الله بذلك ، فإنه قال سبحانه وتعالى للملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة) ولم يقل في الجنة

وإنما كانت تلك الخطيئة سبباً لخروجهما لحكمة منه تعالى ن وهي أنه لو قال لهما : اهبطا إلى الأرض من دون خطيئة ، لشق عليهما فراق الجنة ولصعب عليهما السكون في الأرض ، لكن لما وقعت الخطيئة لم يباليا بفراق الجنة ن ولا بتعب الدنيا بل صارت بغيتهما ، ومرامها الغفران ، فلما غفر لهما هان عليهما كل شئ ، ثم إخراجه تعالى لأدم من الجنة من النعم عليه ، وعلى المؤمنين من ذريته ، فإنهم بعد التعب في الدنيا والنغص واحتمال المشاق والخوف ، يعرفون قدر النعيم في الجنة ولذة الامن بعد الخوف قال الشاعر

أحلى من الأمن عند الخائف الوجل

فما يعرف قدر كل شئ إلا بضده ، فقلوب المؤمنين بشوقها للقاء حبيبها تهون عليها المشاق ، وترتكب الأخطار ، وتقتحم العقبة الحائلة بينها وبين محبوبها ، فيصير العسير يسيراً ، والصعب ذلولا يذللون بشجاعتهم كل صائل ، ويجوزون بشوقهم كل شامخ حاسئل ، ولم يلههم عن محبوبهم عاجل ولا آجل ، مشمرون للسباق عن ساق :

إذا كان المآل لقاء ليلى                         فما لاقيت من تعب نعيم

فإن الأجير في الطين مثلاً ، في شدة ايام الحر لولا أن الأجرة تبعثه وتعينه على احتماله لما أمكن ، فإن المستغني عن الأجرة كالمستحيل في حقه ذلك الاحتمال وكلما كثرت الأتعاب زادت الأجور وتراكم الثواب

وقال رضي الله عنه : قال موسى عليه الصلاة والسلام : (لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) هذا من الإيثار ن وهو أنه نسب الاصطلاء إلى أهله ولم يقل لعلنا نصطلي ، ثم قوله لهم : امكثوا ، يعني : أنه يمشي إلى النار وحده حتى إذا كان فيها شئ من المكاره وقع فيها هو وحده ، فبهذا القصد صدق الله وجاءه وحققه بأن عاد بالخير الذي ما مثله خير ، وبه خير الدنيا والآخرة ، فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ، أي موسى والملائكة وسبحان الله رب العالمين ، أي تنزه سبحانه وتقدس أن يتحيز في مكان ، ثم اتصف برب العالمين ، أي كيف يتحيز وهو رب العالمين( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم اينما كانوا) ثم قال له تبارك وتعالى ( وما تلك بيمينك يا موسى) فلما عرف أن الحق تبارك وتعالى يريد أن يباسطه باستفهامه ذلك مع أنه يعلم خائنه الأعين وما تخفى الصدور ، انبسط وأطنب فقال : هي عصاي ، هذا جواب السؤال ثم قال : (أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي)

ثم لما انفتح له باب الإطناب ذكر أن بكلامي هذا يفوتني كلام الحق تبارك وتعالى لي ، فطوى جميع المنافع التي فيها بقوله : (ولى فيها مآرب أخرى) ولما نسب العصا إلى نفسه وقال : (أتوكأ عليها) والتوكؤ هو الاعتماد قال : ألقها أي هذه التي تنسبها إلى نفسك وتعتمد عليها ن القها لنريك حقيقتها ، فألقاها فإذا هي حية تسعى ، فولى مدبراً لما رأى حقيقتها ، ولم تبق له علاقة إلا بالله ، وخاف هنالك لأنه ذكر قتله للقبطي فقال سبحانه وتعالى : لا تخف إن لا يخاف لدي المرسلون ، لأن الرسول إذا كان في مقام مرسله الذي هو الملك العظيم ، كيف يخاف إلا من ظلم ، أي فإنه يخاف إشارة إلى قتل القبطي بغير أمر من الله ، ثم اراد أن يؤمن روعته فقال : (ثم بدل حسنا بعد سوء فإنى غفور رحيم)

وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) إن من اتخذ من دون الله أولياء ليس هو مقتصراً على من عبد الصنم والشمس وغير ذلك ، بل إذا ركن الإنسان على نفسه في رزقه : بحرفة ، أو سعى ، أو بمال ، أو على مخلوق مثله ، فقد اتخذ من دون الله أولياء ، ولو تحقق الأمر لعلم أنه معتمد على بيت عنكبوت يظن أنه ثابت وهو طائح . كذلك إذا اتكل الإنسان على عمله ، ولو عمل عملاً لم يعمله أحد ، وعبد عبادة الأنبياء والأولياء فقد اتخذ من دون الله أولياء ، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ، وما أسفه وأغفل من اتخذ بيتاً وظن أنه يقيه من الحر والبرد مثل بيت العنكبوت . ففي الحديث ما معناه : أن رسول الله r قال لأصحابه : " إنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ، فقالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، غلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " أيقدر هذا العبد الضعيف الذي عمله أضعف منه أن يجر فضل الله العظيم بما هو أهون من كل شئ ؟ هيأت ، ولكن المؤمن حقيقة إذا أعطاه الله تعالى عملاً صالحاً ، فهو منة ونعمة ، ومن حق النعم الشكر عليها ، وإذا شكر زاده الله منها إلى ما لا نهاية له ، ويظن في الله سبحانه ما يشاء ويوسع ، فإن الله سبحانه لا يتعاظم شيئاً ولا نهاية لعطائه وكرمه ، فاقطع عنك جميع الوسائل من جميع الوجوه ، وتوسل إليه سبحانه وتعالى به .

أيا جود معن ناد معنا بحاجتي                فليس إلى معن سواك سبيل

قال بعض الصالحين لبعضهم : بم تلق ربك ؟ قال :  بفقري وفاقتي ، قال : تلقاه إذا بالصنم الأعظم قال : فبم ألقاه ؟ قال : القه به ، فهو سبحانه وتعالى الجواد الكريم الأعظم يعطي عبده كل ما ظن به بالغاً ما بلغ ، فكل عظيم عنده حقير ، ثم يعطي سبحانه فوق ما تظن قال سبحانه وتعلا : (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) فهي وإن كانت في سياق تعذيب الكفار ، فهي كذلك في جزاء المؤمنين ، سبحانه وتعالى ما أكرمه

وسئل :

رضي الله عنه : بم يتميز الخاطر الرحماني من الخاطر الشيطاني ؟

فأجاببما معناه : أن من قوى غيمانه فلابد أن يتميز بمجرد وروده ، لأنه ليس للشيطان عليه سلطان (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) فبضفعه وعدم سلطانه يتميز ، قال الله تعالى : (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فإذا استوى الخاطران فالتنازع ثبت هنا ، وقال الله سبحانه : (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) فيعرض كل واحد منهما على كتاب الله ، وسنة رسوله فما قبلاه منهما فهو الخاطر الرحماني ، مثل أن يخطر أمر يفضى بصاحبه إلى أنه يدبر رزقه ، ولولا أنه يسعى لرزقه لما رزق ولا أكل ، ويفضي به إلى أنه يدخر المال ويشح به أو إلى أنه يقصد مخلوقاً وما يشابه ذلك ، فإنه إذا عرضه على كتاب الله تعالى وجده لا يقبله ، فإن الله يقول : (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم) ثم إذا خطر خاطر يخوف صاحبه من أي شئ سوى الله سبحانه وتعالى كائناً ما كان فليعلم أنه من الشيطان ، قال الله تعالى : (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) وربما جاء خاطر إبليس من طريق إنسان في صورة ناصح صديق لك إذا عرف أنه لا يقدر عليك ، فيأتيك صديقك يشير عليك وينصحك فأعرضه – ايضاً – على كتاب الله وسنة رسوله r ، فإن قبلاه فهو رحماني ، وإن لم فهو شيطاني ؛ لأنه إذا لم يقبله القرآن ولا السنة فهو النجوى الذي قال تعالى فيه : (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون)  

وقال رضي الله عنه : قصة آدم مع إبليس أدب الله تعالى بها الأكابر ، فإن إبليس عبد الله سبحانه بمدة عمر الدنيا اضعافاً مضاعفة ، ثم أخرج من النور إلى الظلمات ومن القرب إلى البعد ، بسبب عدم سجدة واحدة ، وسبب عدم السجود هو اشتغاله بغير الله تعالى ، لأنه قد كان ثبت عند الملائكة أن واحداً منهم لا يسجد ، فكل واحد منهم عند أمر الله تعالى لهم بالسجود بادر إليه ، خشية ان يكون هو الذي لم يسجد وإبليس لم يبادر إلى السجود بل بقى يفتش من هو الذي لم يسجد منهم ، فلما اشتغل بغير الله كان هو ، ومن حينئذ صارت الملائكة جميعهم في خوف ، وكذلك الأنبياء فإن شعيباً لما قال له قومه : (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا) فعلق ذلك بمشيئة الله لأنه يعلم أن الأعمال بخواتيمها ، ثم الخليل قال كما حكاه الله عنه : (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شئ علماً) ثم نبينا محمد رسول الله r وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام ، قال في التسليم على أهل القبور : السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين ، ونحن – إن شاء الله – بكم لاحقون أي في الإيمان ، فعلق الإيمان – هنا – بمشيئة الله لا الموت ن لأ، الموت قد شاء الله كونه على كل حي ، فهؤلاء الأنبياء والملائكة خائفون من سوء الخاتمة ، فكيف بغيرهم ؟ فإن إبليس لم تفده الأعمال التي كأمثال الجبال بسبب سوء الخاتمة . اللهم إنا نسألك – يا ارحم الراحمين – حسن الخاتمة ، وأن تحسن عاقبتنا في الأمور كلها بحرمة الفاتحة ، وبكتابك العزيز ، وأسمائك الحسنى

وقال رضي الله عنه : القول بلا علم من خطوات الشيطان ، قال الله تعالى : (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ثم في آية الإفك : (يا ايها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ابداً ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم ) بعد قوله : (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم) ثم قال تعالى في الوعيد لهم : (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم) فقدم الألسن على غيرها ، وفي غيرها من المواضع يقدم السمع أو غيره على حسب ما يقتضيه المقام ، والمقام – هنا – يقتضي تقديم الألسن لأن الإفك وقع بها ، فانظر أيها المسترشد في تسمية الله – سبحانه وتعالى – للقول بغير علم : خطوات الشيطان فلا ينبغي أن يقول الإنسان إلا ما يعلم ، والعلم ليس إلا من عند الله ورسوله ، وهو : " آية محكمة " ، أو سنة ماضية ، أو لا أدري " قال رسول الله r لأبي هريرة : " يا أبا هريرة ، علم الناس للقرآن وتعلمه ، فإنك إن مت وأنت على ذلك زارتك الملائكة كما يزار البيت العتيق ، وعلم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك ، وإن أردت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حداً برأيك " وعدم الاعتماد على هذا هو الذي أنشأ الخلاف في الأمة والشقاق ، ولو وقفوا عند الكتاب والسنة ، لكان الأمة في طريق واحدة التي سلكها الصحابة رضي الله عنهم ، الذين هم واسطة عقد نظام الأمة فمنشأ الخلاف من حين ابتداء التأليف والقول بغير : قال الله ، قال رسوله ، وإحداث في الدين ما ليس فيه . إنا لله وإنا إليه راجعون