بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلي الله وسلم على رسوله الأمني ، وآله الطاهرين وصحبه أجمعين .... (وبعد) :0

فهذا ابتداء الكلام على نقل ما سمعته من الشيخ سيدي أحمد بن إدريس ، أزاح الله بشمس علمه ظلم التلبيس ، وهدانا لاقتباس نور علمه ، ورزقنا حفظ ما قنص من شوارد المعاني بشباك ذوقه السليم وفهمه ، (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم)

سئل :

(رضى الله عنه) : ما معنى الدعاء المأثور عن رسول الله r : "اللهم رضنى بقضائك ، حتى لا أحب تأخير ما عجلت ، ولا تعجيل ما أخرت " ؟

فأجاب :

إن معنا التسليم لله تعالى ، حتى إن المصيبة العظيمة تكون عند وقوعها أحب إليك من عدم وقوعها ، وإن كانت النفس لا تشتهي إلا عدم وقوعها ، فإن الخير لك في وقوعها باعتبار المآل ، فإن الله سبحانه لا يفعل إلا ما يعود عليك نفعه ، فإن المصائب مثلاً مقدمات للنتائج ، لو اطلعت عليهن لتمنيت وقوع المصيبة عند عدم وقوعها ، فإن الله سبحانه جعل الوجود خيراً من العدم ، فأوجدك من العدم ، بحيث لم يكن لك اختيار.

فكن في الوجود كأنك في العدم ، وربما منع عنك ما نفسك وهواك يشتهيانه ، ولكن الخير لك في منعه ، ألا ترى أن الصبي ربما أنس إلى النار فسعى نحوها ، والمشفق عليه يدرؤه عنها فيبكي من ذلك المنع ؟ ولكن لو علم أنها تحرقه حمد المانع له بعد سعيه إليها ، وذلك التسليم هو الذي أوصى به غبراهيم بنيه ويعقوب حيث قال تعالى :

(ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسملون)

ثم قال : انظر إلى تسليم ابي بكر الصديق رضي الله عنه لما مرض المرضة التي مات فيها ، قيل له : هل نأتي لك بطيب ؟ فقال : الطيب أمرضني ، يعني أن الطبيب الأعظم – وهو الله جل وعلا – أمرضني ، فعلمت أن ذلك المرض عين الطب ، ثم انظر إلى إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام ، لم يسأل ربه حين رماه النمروذ في النار ، بل لما تعرض له جبريل عليه السلام ، وهو في الهواء قال : ألك حاجة ؟ قال أما إليك فلا ، وأما الله فبلى ، قال : سل ربك ، قال : علمه بحالي يغني عن سؤالي ، فهذا غاية التسليم عند وقوع الحادثة ، وأما عند كون الدعاء عبادة فدعاؤه عليه الصلاة والسلام كثير ، كما في قوله : (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون) فتأمل موافقته للمقام ومطابقته للحال

ثم سئل :

(رضي الله عنه) : ما الدليل على وجود الحق سبحانه وتعالى ؟

فأجاب :

أن انظر إذا خرجت إلى البر ، فرأيت هناك خيمة أنت تعلم أن لها ناصباً ، لأنها لا تنصب نفسها علماً ضرورياً ، كذلك تنظر إلى خيمة السماء المرفوعة بلا عمد ، بهذا الإتقان والإحكام ، فتعلم علماً عقلياً ضرورياً أن لها صانعاً سبحانه وتعالى ، وهو لا يتحيز جل وعلا في مكان ن وانظر إلى السمن في اللبن لا يتحيز في جهة ، بل هو في جميع أجزائه (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا)

وسئل :

(رضي الله عنه) : هل صح أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ؟

فأجاب :

إن ذلك من عند خلق آدم ، وأما الدنيا فلا يعلم ابتداء خلقها إلا خالقها ، فإن رسول الله r سأل جبريل عن عمره ، فقال : لا أعلم غير أن كوكباً يطلع في الحجاب الرابع في كل اثنين وسبعين ألف سنة مرة ، وقد رأيته اثنين وسبعين ألف مرة ، فقال النبي r : " وعزة ربي أنا ذلك الكوكب " فسبحان العالم لا إله إلا هو .

وسئل :

(رضي الله عنه) : عن القدر ؟

فأجاب :

أن لا يملك الإنسان لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ويقول الله تعالى في كتابه العزيز (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) وقال تعالى : (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) وقال تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام : (الذي خلقني فهو يهدين والذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) ثم لما نسب المرض إلى نفسه التي لا تنفع ولا تضر ، أعقبه بالدعاء بغفران ذلك الذنب فقال : (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)

وزعم بعض المفسرين أن الخطيئة هي أنه قال عليه الصلاة والسلام : (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) وهو كذب وليس كذلك فإنه معصوم ، ولا يجوز عليه الكذب بل المعنى : (بل فعله كبيرهم) وهو الله جل وعلا ، لأنه إله الآلهة ، وهم مقرون بالحق جل وعلا ، ويقولون : (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فأجاب على ما عندهم ، مطابقة للمقام فقال : بل فعله كبيرهم ، وقوله : هذا مبتدأ محذوف الخبر أي : (هذا) قولي (فاسألوهم إن كانوا ينطقون)

وسئل :

(رضي الله عنه) : عن قوله تعالى : (فويل للمصلين الذين هم عن

فأجاب

هم الذين يصلون وقلوبهم مشتغلة بغير الله سبحانه وتعالى ، انظر إلى المصلي إذا توجه إلى غير الكعبة ، هل تصح صلاته ؟ كذلك إذا توجه بقلبه إلى غير الله تعالى بل توجهه بقلبه إلى الله تعالى أحق من أن يتوجه بقالبه إلى الكعبة ، فوصفهم سبحانه وتعالى بأنهم : (عن صلاتهم ساهون الذي هم يراؤن) يعني يصلون بقوالبهم لا بقلوبهم ، ألا يراؤون ، والرياء هو الشرك نسأل الله السلام والعافية (ويمنعون الماعون) وهو الإناء يعني أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ، وخلق قلبه إناء له سبحانه وتعالى ، فمنعه وشغله بغيره ، وكذلك جميع الذات لم يخلقها الله تعالى إلا ماعوناً ، أي إناء لذكره وعبادته ، بدليل قوله سبحانه وتعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقوله تعالى لموسى : (واصطنعتك لنفسي) فإذا منعتها مما خلقت له ، وشغلتها بغير ما خلقت له ، فأنت ممن يمنع الماعون .

وما فسر المفسرون في الماعون داخل تحت هذا المعنى ، فإن يعقوب عليه الصلاة والسلام لما اشتد حبه ليوسف ، والقلب لا يسع إلا الواحد ، فرقه عنه تأديباً له ، ثم خفى عليه وهو في الجب بالقرب منه لما أراد أن يفرقه عنه ، وحين أراد اتصاله به ، وجد ريحه من مصر إلى كنعان ، فسبحان القادر لا إله إلا هو ، وكذلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما عظم في قلبه حب إسماعيل ، وذلك لكونه بشر به ، وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر ، فبلغ به الحب إلى الغاية ، فبلاه الرب جل وعلا بذلك البلاء العظيم ، وهو ذبحه له ، فسلم غاية التسليم ، ثم فداه الله سبحانه بذبح عظيم ، وهذا كذلك لكون القلب لا يسع إلا الواحد ، مع كونه قد عظم حب إسماعيل فابتلاه بذلك ؛ ليخلي قلبه له جل وعلا .

والذبيح إسماعيل بلا شك ، لا كما قيل : هو إسحاق ، لثلاثة أدلة :

الأول : أن الله سبحانه وتعالى ذكر قصة الذبيح إلى آخرها ، ثم قال : (وبشرناه بإسحاق) وذلك الترتيب في كتاب الله تعالى تقتضي الحكمة فيه ذلك .

الثاني : أن إسحاق لم ينقل أحد ولم يسمع أنه سكن مكة ، بخلاف إسماعيل فالنص القرآني (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) والذبح وقع بمنى

الثالث : أن الله سبحانه وتعالى بشر إبراهيم بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب في حالة واحدة ، ولو كان إسحاق لما صح الابتلاء ، وهو يعلم أن في صلبه يعقوب ، كما بشره الله به .

وسئل :

رضي الله عنه : عن الحق تعالى هل يرى ؟

فأجاب

نعم . بلا كيفية ، وتتلاشى عند رؤيته الحواس ، فإن رآه رآه بجميعه ، وإن سمعه سمعه بجميعه ، لا يجارحه فقط ، ولهذا قال ابن الفارض :

إذا ما بدت ليلى فكلي أعين            وإن هي ناجتني فكلي مسامع

وسئل :

رضي الله عنه : عن أهل الطريقة ، هل جميعهم عارفون بالشريعة ولا يفتون إلا بها أم لا ؟

فأجاب :

إن منهم من يكون عالماً ومن لا يكون ، إنما العالم منهم يكون نطقه إذا افتى بالكتاب أو بالسنة ، والذي ليس بعالم قد يأتي بلفظ يصيب به المعنى المقصود من الشارع لكن بعض إصابة ، وقد يخطئ بذلك اللفظ المعنى الذي أراده الشارع ، لأنه ليس بمعصوم ، إذ لا يكون معصوماً إلا كلام الله ، أو كلام الرسول r

ثم قال : والفرق بين المعجزة من النبي والكرامة من الولي ، أن المعجزة تكون على جهة التحدي والإعجاز ، ليعلموا أن تلك المعجزة لا تدخل تحت طوق البشر ، وأما الكرامة فتنقسم إلى قسمين باختيار الولي وبغير اختياره ، فالتي بالاختيار كشرب خالد ابن الوليد رضي الله عنه للسم ؛ لأنه رمى بقطرة من ذلك السم بعيراً فتفتت أعضاؤه ، فتناول الإناء الذي فيه السم وشربه جميعه ، والقوم ينظرون ، فهذه باختياره متيقناً أنه لا يضره لأنه لو شربه غير متيقن أنه لا يضر كأن آثماً ، لأن قتل النفس حرام

وكما اتفق للشيخ محيي الدين بن العربي حين جاءه رجل ، يعتقد أن التأثيرات للطبائع في الثمار وفي المخلوقات ، فدارت المذاكرة في إلقاء النمروذ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار ، فقال ذلك الرجل / ليست النار هذه التي تحرق بالطبع ، إنما هي نار الغضب ، وليس هناك نار تأجج ، فقال الشيخ محيي الدين : أهذه النار التي تراها هي التي تحرق بالطبع ؟ قال : نعم ، فقال لبعض أصحابه : هات تلك النار ، ثم مد كم قميصه وقال : ألقها على كم القميص فألقاها ، وجعل يحدث ساعة ، ثم كشف كمه ، وإذا النار قد عادت فحما ولم تحرق شيئاً من ثوبه ذلك ، فكانت سبب توبة ذلك الرجل ، وما أبداها إلا لهذا الغرض ، إذ لو كانت على جهة التفاخر لكانت مذمومة عقلاً وشرعاً

فإن رجلاً منهم جاء إلى رجل يتصيد الحوت في البحر ، ولكنه لم يقبض شيئاً فأدخل ذلك الولي يده في الماء ، فخرج في كل شعرة من شعر يده حوت ، فقال ذلك الصياد : وهو منهم – أتفخر علي ؟ ثم أومأ إلى البحر أن هيا الرواح ، فجعل الماء يمشي بعده ، فكلا الرجلين بقيا زماناً يجاهدان في أن يعودا إلى الدرجة التي كانا فيها فما أمكن

وسئل :

رضي الله عنه : عن قوله تعالى (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)؟

فأجاب :

قال : العفو : هو أن تعفو عمن أساء إليك ، وإذا كنت كذلك فقد اتصفت بصفة من صفات الله تعالى ، فحقاً عليه أن يعاملك بما اتصفت به (سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) لا كما قيل : من أن العفو هو ما فضل من القوت ، بل قال الله تعالى / (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ومنه ذلك العفو ؛ لأنه أحب ما يكون على الإنسان ، سيما عند احتياجه إليه في يوم القيامة ، والقرآن يخدم بعضه بعضاً

وقال رضي الله عنه : إن (كان) إذا دخلت على اسم من أسماء الله تعالى ، فإن عملت في الاسم الرفع وفي الخبر النصب فلا تسمى ناقصة تأدباً ، إنما يقال لها : الحرف الرافع للاسم الناصب للخبر ، وإذا لم تعمل سميت التامة ، وكذلك الذي تسميه النحاة زائداً ؛ لا يقال له في القرآن : زائد ، وليس بزائد بل تحته معنى ، نحو قوله تعالى : (حتى إذا ما جاؤها) بقيت ما هنا النافية لتؤدي معنى ، وهو أن يبقى في الإثبات شم من النفي ؛ لأنهم ما جاؤها هم باختيارهم ، إنما سيقوا إليها (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) فبقيت النافية لتؤدي هذا المعنى ، وكذلك قولهم في قوله تعالى : (فاتوا بسورة من مثله) إن من هنا زائدة ، وليس كذلك تعالى الله ، بل لا يستقيم المعنى إلا بها ، لأن قوله : (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله) أي من مثل عبدنا ، فالضمير راجع إلى عبدنا ، ولا يصح المعنى إلا بها فتأمل .

وكذلك قوله تعالى : (إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) فهي وإن كان المعنى للثبوت ، لكن أتى بالنافية – هنا – ليبقى للنفي شم ، وهو يؤدي معنى أنهم غير واثقين بالتقوى منهم ، وذلك شأن المؤمن فإنه ورد في حديث بعض السلف : أنه عرف (كذا) عدداً من الصحابة كلهم يخشى على نفسه النفاق ، ذكره البخاري ، فتأمل فائدة الإتيان بها .

وقال رضي الله عنه : في العالم الإنساني : ما اشرف هذا الجوهر ، لو عرف بقدره ، فإن الإنسان إذا ملك جوهرة نفيسة يحرص عليها غاية الحرص ، ويضن بها فيضعها في صندوق ([1]) ، من فوق سبع سماوات ، ومن تحت سبع ارضين ، وهو في بطنهن ، وجميع ما فيهن مسخرات له ، قائمات في خدمته : شجر الدنيا وحجرها ومدرها وحيواناتها وجميع ما فيهن مسخرات له ، قائمات في خدمته ، وجامدها ومائعها ونجوم السماوات وشمسها وقمرها وسحابها ومطلعها وما فيها ، حتى الملائكة أسجدها له ، ومن أبى منهم صار طريداً بعد أن كان قريباً ، ملعوناً بعد أن كان في جيش الملائكة . وجميع الملائكة في السماوات حتى حملة العرش في خدمته : (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) ثم لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال : (للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)

هنا ذكروا المساوئ ولم يذكروا المحاسن ، مع أن في بني آدم محاسن ، لكن حملتهم الغيرة على التكلم بذلك ، وحق لهم أن تعتريهم الغيرة على الخلافة ، فقال : (إني أعلم ما لا تعلمون) ولما أراد أن يظهر لهم سر الخلافة (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) أي في زعمكم ذلك (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) هذا كان موضعه عند قوله : (إني جاعل في الأرض خليفة) وهذه الآية وهي قوله : (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) ينبغي لكل طالب للعلم أن يقرأها عند ابتداء كل حضور في موقف شيخه ، وبالله التوفيق ؛ لأن الملائكة لما قالوها ، كذلك أمر آدم أن يعلمهم الأسماء

(استدراك من قوله : ما أشرف هذا الجوهر) لكنه أهمل نفسه ووضعها في غير موضعها ، وتكلف مالا يعنيه ، وتحمل مشقات من الدنيا لم يخلق لها ، كما قال تعالى / (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) فما أحسن هذا الشاهد في حقه ، وقد أثقله الحمل ولا شئ على ظهره .

وقال رضي الله عنه في الصحابة رضي الله عنهم : هم مخصوصون بأمور لا تعم جميع الأمة ، فلا يقول العالم : أحكم باجتهادي وأقيس ، عملاً بقول معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي r إلى اليمن وقال له : " بم تحكم " قال : بكتاب الله قال : " فإن لم تجد " قال : فبسنة النبي r قال : " فإن لم تجد " قال : أجتهد رأيي ؛ لأن معاذاً قال فيه النبي r : " أعلمكم بالحلال والحرام " ، وجاء في الحديث أنه يحشر يوم القيامة في مقام العلماء ، والعلماء بعده بقدر رتوة ([2]) حجر ، وفي بعض روايات هذا الحديث أنه قال النبي r - بعد أن قال : أجتهد رأيي – " فثبت حتى تعلم أو تكتب إلى " فلا يجوز للعالم الآن أن يجتهد رأيه في حكم من الأحكام ، أو يقيس ؛ لأنه يحكم بما لا يعلم لما في حديث مسلم : " حاكم في الجنة وحاكمان في النار : فالذي في الجنة : رجل علم الحق وعمل به ، واللذان في النار : رجل حكم بالجهل ، ورجل علم الحق ولم يحكم به "

فهذا الذي حكم بالجهل وإن طابق الحق لكن لا يعلم به ، وهذا الحاكم برأيه إذا قلت له : أتحلف بالله العظيم أنه الحق ، فإن بذلها فلابد أن تطالبه بدليل ، ولا يكون إلا من الكتاب أو السنة ، وإن رجع علم أنه ما بين الخطأ والصواب ، وما ألجأه أن يوقع نفسه في هذه الورطة مع أنه في النار إذا اصاب ، فكيف إذا أخطأ ، فالحكم في هذه القضية ، إما أن يكون في الكتاب أو في السنة ، إنما هو مقصر في البحث ، أو مسكوت عنه فهو عفو ، ألا ترى أن الحق تعالى نهى عن السؤال في المسكوت عنه والكتاب ينزل ، فقال : (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) فإن من قبلنا سألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكاً ؛ ليقاتلوا في سبيل الله ، وكانوا في فسحة غير مأمورين بالقتال ، ولا مكتوباً عليهم ، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ، وذلك عقوبة لهم ، لأنه ما طلبوا الملك إلا وكل منهم طامع أن يكون هو ذلك الملك ، فلما لم يكن واحد منهم بل بعث فيهم طالوت وهو أفقرهم ، ولا كان منظوراً بعين من يملك الملك بل هو أضعفهم قالوا : (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال)

وفي مثل من أمثال الصوفية ، لو نزلت قلنسوة من السماء لوقعت على رأس من لم يردها ، فإن طالوت لم يرد أن يكون ملكاً ، فلو لم يسألوا لكانوا في راحة من هذا كله ، ثم القليل اتبعوا الملك ، فابتلوا بالنهر وذلك قوله تعالى : (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم) فانظر إلى هذه العقوبة ، والحال أنهم سألوا أنبياءهم ما لم يكتب عليهم ، فكيف إذا سأل الرجل نفسه . ما لم يكتب عليه ، ثم أجاب من نفسه فالله المستعان .

ثم ضرب مثلاً إن بعض الملوك كان مشغوفاً بفرس ، فمرضت ، فقال : لو أخبرني أحد بأنه مات لأضربن عنقه ، فلما مات قال بعض غلمانه : إن الفرس احتوى والتوى ومد قوائمه إلى الهواء ، فقال السيد : مات ، فقال الغلام : من فم سيدي سمعناه ، فلا يقف الإنسان إلا عند الكتاب والسنة ، فإنهما لم يتركا شيئاً ، بل هذه الشريعة ليلها كنهارها قال الله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

ورسول الله r قد بين لنا الحلال والحرام ، وسكت عن أشياء رحمة بهذه الأمة ، كما قال r " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " (وما كان ربك نسيا)

وأيضاً فإن الصحابي إذا حكم برأيه فهو إذا غلط رجع عنه لا محالة ، ولابد من عرضه على رسول الله r والقرآن ينزل ، وأما الآن إذا غلط فمن يرده إلى الصواب ؟!

ثم قال رضي الله عنه : واعلم أن الجماعة المنبه عليهم بقوله : " يد الله مع الجماعة " هم القافلون أثر كتاب الله وسنة رسول الله r ، وإن كان واحداً فإن النبي كان وحده في أول البعثة ، وكذلك إبراهيم قال تعالى : (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين) ثم قال رضي الله عنه : في حق الصحابة : إن من رأي النبي r سمى صحابياً ولا يدخل النار ، فقيل : إن لهب رآه ، فقال : رآه إنه ابن أخيه ولم يره أنه رسول الله r ، والفوائد في العقائد .

ثم قال : وإياك أن تخوض في الصحابة بشئ ، فإن الجناب خطر ، قال تعالى : (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) واعلم أن رسول الله r قال في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه : " اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه" وجرى بينه وبين معاوية ما جرى ، فلا تنظر إلى ظاهر الأمر وانظر إلى حقيقته ، فإن معاوية رضي الله عنه من الصحابة ، وأيضاً فإنه خال المؤمنين ، فإن أم حبيبة أخته ، وهي زوج النبي r توفى وهي تحته بإجماع الأمة ، والنبي r أبو المؤمنين فإن في بعض الآيات : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) وهو أب لهم (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض)

فإذا عرفت فسأضرب لك مثلاً ، إذا جئت وأبوك وخالك يختصمان ، فإن عضدت أباك أغضبت أمك ، وإن عضدت خالك أغضبت أباك ، فإن كانا موجودين فالأولى لك أن تسعى بينهما بالصلح ، وإن قد سلفا فق ما ندبك إليه قول f,أبو أب

الله تعالى : (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم)

وأيضاً : فإن الحلاج سأله بعض الناس : ما الفتوة ؟ فلم يجبه ، فلما حكم الحكام بقتله ، فحين قتل الحلاج خرج دمه جلالات ، فرآه السائل في المنام ، وإذا هو في موقف العرض وغرماؤه جميعاً ، والحق تعالى يقول : هؤلاء غرماؤك فسل ما شئت نصنع بهم ، فقال :/ رب ، لا أسألك إلا أن تعفوا عنهم . ثم التفت إلى السائل فقال له : هذه الفتوة ، كأنه أراد أن يكون الجواب بالفعل لا بالقول .

وقال رضي الله عنه : نوه الحق جل وعلا بفضل نبينا r على سائر النبيين ، بأن ناداه في جميع القرآن بيا أيها النبي يا ايها الرسول ، يا أيها المزمل يا أيها المدثر ، ونادى سائر النبيين بأسمائهم ، فقال تعالى : (يا موسى أقبل ولا تخف – يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي – يا إبراهيم أعرض عن هذا) ثم من لطفه سبحانه وتعالى أنه نادانا في الكتاب العزيز بيا أيها الناس ، يا بني آدم ، يا أيها الذين آمنوا ، ولم يقل يا ايها الذين كفروا إلا في موضع واحد ، وذلك إنما هي حكاية عنهم يوم القيام (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون) وذلك معاملة لهم باللطف وعدم التنفير ، (والله يريد أن يتوب عليكم) ، (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً) ثم أمر رسوله r أن يعاملهم بذلك فقال : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وذلك لأن الصيد إذا نفر عسر صيده .

ثم أمرنا تعالى أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم ، لأن حرف الاستثناء بمعنى الاستدراك ، وهو قوله تعالى : (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) أي لكن الذين ظلموا منهم ، وأما غير الظالمين فهم الذين أمنوا منهم ، وقد صاروا إخواننا .

ثم بين سبحانه وتعالى كيف يكون الجدال بالتي هي أحسن ، فقال سبحانه وتعالى : (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واجد ونحن له مسلمون)

وقال : رضي الله عنه : في قول الله سبحانه وتعالى : (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أتى سبحانه وتعالى بلفظ : أقيموا ولم يقل : صلوا ، وذلك لأن الصلاة كالأعضاء وسائر الجسد ، والخشوع روحها ، فإذا حصل الخشوع والحضور مع الحق جل وعلا صارت قائمة ، لأن الشئ لا يقوم إلا إذا كان له روح ، وأما إذا لم يكن له روح فهو ملقى هناك، مرمى لا روح له يقوم به ، بل لا يقدر على الحركة

وقوله : (وآتوا الزكاة) ومثله قوله : (مالك يوم الدين) (والأمر يومئذ لله) مع أنه جل وعلا ملك الآخرة والأولى ، وله الأمر في الابتداء والانتهاء ، لكنهم لما ادعوا أن لهم في الدنيا ملكاً ، ولهم فيها أمراً سلم لهم على دعواهم ، سبحانه ما ألطفه تبارك وتعالى ساجلهم سبحانه وتعالى على دعواهم ، لأنهم ادعوا أن لهم مالاً ، فقال : سلمنا وعليكم منه الزكاة ، وهو العشر أو نصف العشر ، أو ربع العشر ، مع أنه قد قال سبحانه وتعالى : (وأتوهم من مال الله الذي أتاكم) ولهذا لم يملك الأنبياء شيئاً لعلمهم أن ليس لهم شئ ، فما في أيديهم جميعه لله ، هم وغيرهم فيه سواء

قيل : إن أحمد بن حنبل والشافعي كانا قاعدين ، إذ مر شيبان الراعي ، فقال أحمد ابن حنبل : إني أريد أن أسأل شيبان سؤالاً ، فقال له الشافعي : لا تفعل ، قال : لابد ، قال : دونك وإياه ، فقال أحمد بن حنبل : يا شيبان في كم الزكاة من الغنم ؟ فقال : على مذهبكم أم على مذهبنا ؟ فقال : أو هما مذهبان ؟ قال : نعم ، قال : أفتني بهما ، فقال : أما على مذهبكم ففي الأربعين شاة ، وأما على مذهبنا فلا يملك العبد مع سيده شيئاً ، فالجميع حق الله تعالى .

وسأله – أيضاً – عن المصلى إذا سها في الصلاة بزيادة أو نقصان بم يصلحها ؟

فقال : على مذهبنا أو على مذهبكم ؟ فقال : أجبني على كلا المذهبين ، فقال : على مذهبكم يجبر بالسجود ، وعلى مذهبنا هذا قبل غافل يجب تأديبه ، فخر أحمد مغشياً عليه

وسئل :

رضي الله عنه : عن الجلسة قبل القيام من وتر في الصلاة وهي التي يقال لها جلسة الاستراحة ؟

فأجاب :

فقال : هي السنة ، فمن لم يأت بها فقد خالف السنة ، لأنه قد ثبت عنه r في الصحيح . وقال تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) وقال r : " صلوا كما رأيتموني أصلي "

وأورد رضي الله عنه أحاديث عن النبي r هي حقيقة أن تكتب بسواد العيون

الحديث الأول : " ثلاثة يرضاهن الله لكم ورسوله : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ن وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاء الله عليكم ، وثلاث يكرههن الله منكم ورسوله : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال "

الحديث الثاني : " ثلاثة حق على الله أن يعينهم : رجل تزوج امرأة ثقة بالله وتوكلاً عليه ، ورجل استدان ديناً ثقة بالله وتوكلاً عليه في قضائه ، ورجل فك رقبة ثقة بالله وتوكلاً عليه " هذا اللفظ أو معناه

الحديث الثالث : " ثلاثة يزوجهم الله من الحور العين ما شاءوا : رجل أؤتمن أمانة شهية خفية ، فأداها مخافة الله تعالى ، ورجل قرأ في دبر كل صلاة قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ، ورجل عفا عن قاتل " يعني يكون العفو من المقتول أو من الولي

وقال رضي الله عنه : كل مقدم في القرآن هو الأهم ، بدليل قول رسول الله r - لما رقي الصفا – أبدأ بما بدأ الله به (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فإن تأخر الأهم فلنكتة .

وقال رضي الله عنه : في العناية من الله سبحانه وتعالى ببعض عبيده : لما قال الكهنة والمنجمون لفرعون : إنه يكون خراب ملكك على يد ولد من بني إسرائيل . فأمر بذبح الأبناء ، فلما ولدت أم موسى ألقته في البحر خوفاً عليه من الذبح فالتقطته امرأة فرعون ، وقالت له : (قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً) فقال فرعون : قرة علين لك ، فلو سكت لكان قرة عين لهما

ثم لما أخذته امرأة فرعون أبى أن يقبل ثدي مرضعة ، وذلك قوله سبحانه وتعالى : (وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت – لهم أخته – هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) فرده الله إلى أنه ن وكانت نفقتها عليه ، وتربية موسى على يد فرعون .

وأما السامري فلما خافت أمه عليه من الذبح ألقته في كهف في جبل ، فتولى تربيته جبريل عليه السلام ، وصار بعد كافراً ، وفي ذلك يقول الشاعر :

فموسى الذي رباه جبريل كافر ** وموسى الذي رباه فرعون مرسل كذلك سحرة فرعون جاءوا في أول النهار يريدون أن يدحضوا حجة الله بالباطل ، وهذا شر أي شر ن فما غربت شمس ذلك اليوم إلا وقد صاروا في أعلى مراتب الإيمان ، فإنه لما بعث فرعون في المدائن حاشرين ، ليأتوه بكل سحار عليم ، فلما جاء السحرة قالوا لفرعون : (أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين) أجرى الحق سبحانه وتعالى ذلك على لسان فرعون ، وهو أنه وقع لهم الأجر من ربهم ، وكانوا عنده من المقربين ، قال لهم موسى (ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) فلما رأي موسى عليه الصلاة والسلام ذلك خاف كما في آية طه (فأوجس في نفسه خيفة موسى) وذلك الخوف ليس هو من ذلك السحر ، وهو كون الحبال والعصي صارت حيات ، ولكن خاف أن يلتبس الأمر على من لم يعرف ، فقال سبحانه وتعالى : (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى)

ليس أنها ازدردت الحيات التي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى وهي الحبال والعصي ، إذ لو كان كذلك لكان لهم مدخل في قدح الحجة ، بأن يقولوا سحره أعظم من سحرنا ، فالتقمت عصاه حبالنا وعصينا

كما أن بعض أنواع الحيوانات يأكل بعضها بعضاً ، فإن الحوت الكبير يأكل الصغير ، وكذلك الطير ، ولكنها أبطلت السحر ، فإذا الحبال والعصي ملقاة هناك لم تتحرك ، بل حبال وعصي على أصلها ، فلم يبق لهم عذر ولحقهم الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد لما صارت كذلك ، فما بقي إلا أن ألقى السحرة سجداً ، أي ألقاهم الله سبحانه وتعالى (قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فرطنا) أي وعلى الذي فطرنا ، وقدم البينات – هنا – على الذي فطرنا لكونها السبب (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى) ولم يقولوا : والآخرة خير وأبقى أو الجنة خير وأبقى ، وذلك لقوة إيمانهم ، قد تعلقت قلوبهم بالله سبحانه وتعالى ن فانظر كيف جذبتهم يد العناية في أسرع وقت ، اللهم عناية من عندك يا رب العالمين

وقال رضي الله عنه : أعظم الرزايا على هذه الأمة ثلاث :

الأولى : لما اشتد المرض على النبي r قال : " ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده " فما فعلوا ، وكثر منهم اللغط عنده r ، فعوقبوا بأن قال لهم : " قوموا عني "

الثانية : (أن النبي r لما جاء رجل إليه فقال : ألست تحدث نفسك أنك خير هؤلاء ؟ يعني الصحابة قال : " بلى " ثم ذهب ذلك الرجل فقال رسول الله r : " من يقوم فيقتله " ؟ فقام أبو بكر رضي الله عنه فوجده قد خط خطاً وصلى ، فقال : لا أقتل رجلاً يصلي ، هو يناجي ربه ، ثم قال : " من منكم يقوم إلى الرجل فيقتله ؟ فقام عمر رضي الله عنه فقال : أنا يا رسول الله ، فمضى فوجده يصلي فقال : إن أرجع فقد رجع عنه من هو خير مني ، لا اقتله وهو يصلي ، فهلا سمع قول النبي r : " من يقوم فيقتله " بعد أن قال أبو بكر هو يصلي ، فقال : " أيكم يقتل الرجل " فقال على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه : أنا يا رسول الله ، فقال : " أنت له إن وجدته ، وما أظنك تجده " فجاء فلم يجده ، فقال النبي (ص) : " لو قتلتموه لكانت أول فتنة في الإسلام وآخرها وما اختلف في أمتي اثنان " وذلك الرجل هو رأس الخوارج "

الثالثة : (جاء النبي (ص) يعلمهم بليلة القدر فتلاحي اثنان من اصحابه ، فقال : " إني خرجت لأعلمكم بليلة القدر ، لكن لما تلاحى فلان وفلان رفعت ، وعسى أن يكون خيراً لكم ، وقال : لما اختلف اثنان من أمتي رفع علمها ، وبقيت خافية في العشر الأواخر من رمضان "

وسئل

رضي الله عنه : أن إبليس يجئ للإنسان بوساوس يشغله بها في أمر دينه وربما جاء في الصلاة ؟

فأجاب :

فقال : لا يضره ذلك ، فإن التسلط هو أن يفسد على الإنسان دينه ، ليس التسلط مجرد الوسواس ، فإن الصحابة – رضي الله عنهم – شكوا إلى النبي (ص) فقالوا : يا رسول الله ، إن الشيطان يوسوس لأحدنا ما نتعاظم أن تكلم به ، فقال النبي (ص) : " أوقد وجدتموه " قالوا : نعم . قال : " ذلك محض الإيمان " وذلك لأن إبليس كاللص ولا يتسور اللص إلا على البيت العامر ، أما على الخراب فلا يرجى فيه شيئاً يأخذه (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)

وسئل :

رضي الله عنه : عن التوكل ؟

فأجاب :

فقال : قال الله سبحانه وتعالى : (الذي قال لهم الناس إن الناس قد جموعا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يسسهم سوء) وذلك أنهم علموا أن النصر لا يكون غلا من الله تعالى : (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) فوكلوه وفوضوا ولم يعترضوا ؛ لأن الموكل لا يعترض على الوكيل ؛ إلا لأحد أمرين : إما أن يكون منهما للوكيل بنوع خيانة ، أو إنه ليس عالماً بالمضار من العدو فيدفعها ، أو غير عالم بجلب المنافع لموكله فيجلبها ، وكل ذلك غير مجوز على الله ، تعالى الله علواً كبيراً ، فلما صدقت الوكالة له جل وعلا لم يتكلوا على كثرة ، ولا اكترثوا من قلة ، فنجاهم من عدوهم ونصرهم عليهم .

وفي يوم حنين يقول الله تعالى فيهم : (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تعن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) ولك لأنه أصابهم ما أصابهم لأنهم اتكلوا على أنفسكم ، فوكلهم الله إليها فانهزموا ولم يبق إلا الرسول (ص) فعمت المصيبة جميع الصحابة ، ولم يتكلم بتلك الكلمة إلا البعض ، وهي قولهم : لن نغلب اليوم من قلة فانظر إلى هذه المصيبة أصابتهم من الله سبحانه وتعالى ، لكنها في الحقيقة من أنفسهم (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ثم انظر إلى الحسنة ما تكون إلا من عند الله سبحانه ابتداء ، فإنك إذا فعلت الحسنة فمن أقدرك
عليها ؟

لك الحمد يا ربي على كل نعمة ** ومن أعظم النعماء قولي لك الحمد

وقال رضي الله عنه :

من لطف الله تعالى وحسن خطابه لعبيده يقول لهم في الجنة : (كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية) (كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون) وجميع ما أسلفوا هو نعمة من الله – سبحانه وتعالى – لكن لما كان الخطاب بأنه مقابل لما أسلفوا ارتفع المن ، وكأنهم هم الذين جلبوا لنفوسهم تلك النعمة بما أسلفوا ، وذلك من تمام نعمته – سبحانه وتعالى – فإن الإنسان إذا حصلت له نعمة يرى أن سببها سعيه ، عظمت لذتها عنده ، فما امتن – سبحانه وتعالى – عليهم في هذا والمنة له ، فما أكرم هذا – الرب تبارك وتعالى – فذلك قوله – سبحانه وتعالى - : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) مع أن المعنى غير مقطوع ، بل على حاله . والله أعلم

وقال رضي الله عنه :

لما كان يوم بدر نصر الله – سبحانه وتعالى – رسول الله (ص) وجنوده ، وشاور النبي (ص) أصحابه في أمر الأسرى ؛ لأن الله أمره بقوله : (وشاورهم في الأمر) فأجمع الصحابة – رضي الله عنهم – على أخذ الفداء إلا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فإنه أشار بقتلهم ، فعاتب الله رسوله (ص) بقوله : (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) والنبي (ص) ما عمل بمشورتهم ، إلا بأمر الله – سبحانه وتعالى – حيث قال : (وشاورهم في الأمر) وقد أجمع رأيهم على الفداء إلا عمر – رضي الله عنه – ثم هو مأمور بالعفو : (فاعفوا عنهم واصفح) وهو من خلقه – عليه الصلاة والسلام – المجبول عليه والله – سبحانه – أمسك الوحي في تلك الحالة ؛ ليقضي أمره .

ثم بعد نزلت آية العتاب ، ثم بعدها : (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) والكتاب الذي سبق هو قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وهو – سبحانه وتعالى – لا يخلف الميعاد ، ثم لنتيجة قوله – تعالى – لأهل بدر : " اعلموا ما شئتم فإني قد غفرت لكم "

ثم لما سبق في قضائه من سعادة العباس وعقيل ومن أسلم منهم ، فلما كملت آية العتاب قال تعالى : (فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم) تابعهم – سبحانه وتعالى – على حسب مرادهم ؛ لأن الغنائم فيما سبق كانت تنزل نار من السماء تأخذها ، فأحلها الله لهذه الأمة من ذلك الحين ، والغنائم أحلت لهذه الأمة إن الله جعل زينته والطيبات من الرزق في الدنيا وفي يوم القيامة للذين آمنوا ، فاغتصب الكفار عليهم من التي في الدنيا ، والمغتصب عليه له أن يأخذ حقه أينما وجده ، إما بتسلق أو جهاراً أو خفية ، كذلك ما اغتصبه الكفار على الذين آمنوا فلهم أن يأخذوه بأي وجه ، هو لمن سبق إليه ، وأما ما كان في يوم القيامة فهي للذين آمنوا لا يقدر عليها غاصب ، ولا يشاركهم فيها مشارك ، قال سبحانه وتعالى : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا فلي الحياة الدنيا) فهي لهم في الدنيا لا لغيرهم ثم قال : (خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون)

وسئل :

رضي الله عنه : عن النوم ألا يكون في الجنة ، مع أنه معدود من اللذات في الدنيا ؟

فأجاب :

إن لوجوده في الدنيا نعمتين ، ولعدمه في الجنة نعمتين ، فنعمتا وجوده في الدنيا : أنه جعله سباتاً ، والسبات ربطة للعقل ، لأن المجنون الذي قد ذهب عقله لا ينام

النعمة الثانية : الراحة من النصب ، فإذا نام ذهب التعب

وأما اللتان في الجنة عند عدمه : فإن أهل الجنة قد شاركوا الحق في البقاء ، كما جاء أنه يكتب إليهم .

" من الحي الذي لا يموت إلا الحي الذي لا يموت ، أما بعد : فإني أقول للشئ كن فيكون ، وقد جعلتك اليوم تقول للشئ كن فيكون "

وهو – سبحانه وتعالى – لا تأخذه سنة ولا نوم مع أن السنة هي أول النوم ، فقد يتوهم أن الباري تبارك وتعالى منزه عن الاتصاف بالقليل ، ولا يكون له إلا الشئ الكثير من الأوصاف ، فقال : (ولا نوم) هذه فائدة قوله : (ولا نوم)

والثانية : يفوتهم عند النوم من النعيم العظيم ما لا مزيد عليه ، وذلك غبن ، فتأمل . هذا والله الموفق .,


 

  .