(7) الرسالة المسماة بالقواعد

لسيد العارفين وقطب المحققين سيد أحمد بن ادريس رضى الله عنه :

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.

اما بعد فالامر الجامع والقول السامع والسيف القاطع فى طريق الله تعالى ان العاقل الذى يريد نجاة نفسه من جميع المهالك ويحب ان يدخله الله فى سلك المقربين فى جميع المسالك اذا اراد ان يدخل فى امر من اموره قولا او فعلا فليعلم ان الله تعالى لابد ان يوفقه بين يديه ويساله عن ذلك الامر فليعد الجواب صوابا وسدادا يرتضيه الحق تعالى ويقبله منه فليدخل فى الامر فعاقبته محمودة دنيا واخرى واما ان راى ان ذلك الجواب لا يقبله الحق تعالى منه ولا يرتضيه فليشرد من ذلك الامر اى امر كان فانه وبال عليه ان دخل فيه وهذه القاعدة هى اساس الاعمال كلها والاقوال فمن تحقق بها ورسخ فيها كانت احواله كلها مبينة على السداد ظاهلرا وباطنا لا يدخلها خلل بوجه من الوجوه وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم " حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وزنوها قبل ان توزن عليكم "

القاعدة الثانية : ان لا يفعل فعلا ولا يقول قولا حتى يقصد به وجه الله تعالى فان صحح القصد فيه لوجه الله تعالى وغسل قلبه من كل شائبة لغير الله ورسخ فى هذه القاعدة قلبه صار لا يتكلم ولا يفعل فعلا الا عن تثبت وتان وصارت اعماله كلها خالصة لا مخالطة فيها بوجه من الوجوه وهذا معنى قول خالقنا جل وعلا لرسوله الاعظم وحبيبه الاكرم صلى الله عليه وسلم : " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشى يريدون وجهه" اى لا غيره فى جميع اموره ، وقال عز وجل "وما لا حد عنده من نعمة تجزى الا ابتغاء وجه ربه الاعلى ولسوف يرضى "

القاعدة الثالثة : ان يوطن قلبه على الرحمة لجميع المسلمين كبيرهم وصغيرهم ويعطيهم حق الاسلام ممن التعظيم والتوقير ، فان رسخ فى هذه القاعدة واستقام فيها قلبه افاض الله سبحانه وتعالى على سائر جسده انوار الرحمة الالهية واذاقه حلاوتها فنال من الارث النبوى حظا وافرا عظيما من قول الله عز وجل ك" وما ارسلناك الا رحمة للعالمين " وهذا معنى قول  رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ان لله عز وجل ثلاث حرمات فمن حفظهن لم يحفظ الله له شيئا حرمة الاسلام وحرمتى وحرمة رحمى " وفى هذا المعنى قول النبى صلى الله عليه وسلم لابى بكر الصديق رضى الله عنه " لا تحقرن احدا من المسلمين فان صغير المسلمين عند الله كبير "

القاعدة الرابعة : مكارم الاخلاق التى بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمامها ، وهو قول النبى صلى الله عليه وسلم : " انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق " وهذه القاعدة هى زبدة الدين ، وحقيقتها ان يكون العبد هينا لينا مع اهل بيته وعبده ومع جميع المسلمين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اهل الجنة كل هين لين سهل قريب واهل النار كل شديد قبعثرى ، قالوا وما قبعثرى يارسول الله ؟ قال :" الشديد على الاهل الشديد على الصاحب الشديد على العشيرة " وقال مولانا العظيم " وقولوا للناس حسبنا " اى لا قبحا ، وقال عز وجل " وقل لعبادى يقولوا التى عى احسن " ولاحسن هو الذى جمع الحسنى وزيادة ، وبالجملة فالذى تحب ان يواجهك الناس به من الكلام الطيب والقول الحسن والفعل الجميل فافعله مع خلق الله تعالى ، وما تكره ان يعاملك العباد به من الكلام الخبيث والقول القبيح والفعل الكريه فاتركه فان الله يعامل العبد بوصفه وخلقه الذى يعامل الخلق به فان المجاراة على الوصف بالوصف سيجزيهم وصفهم ، جزاء وفاقا ، فمن كان للخلق جنة ورحمة وظلا ظليلا يستريحون فيه كان الله له كذلك ، فمن اكرم عبداً لمراعاة سيده فانما اكرم السيد ، وكذلك جاء فى الحديث: " عن الله عز وجل انه يقول للعبد يوم القيامة : جعت فلم تطعمنى واستسقيتك فلم تسققنى ومرضت فلم تعدنى فيقول العبد كيف تجوع وانت رب العالمين وكيف تمرض وانت رب العالمين وكيف تستقى وانت رب العالمين فيقول له سبحانه وتعالى مفسرا لذلك : اما انه مرض عبدى فلان فلو عدته لو وجدتنى عنده ، وجاع عبدى فلان فلو اطمعته لو وجدت ذلك عندى واستسقاك عبدى فلان اما انك لو سقيتهم لو وجدت ذلك عندى ،، مفسرا سبحانه نفسه غى قوله جعت ومرضت واستسقيتك بقوله جاع عبدى فلان ومرض عبدى فلان واستسقاك عبدى فلان ، فمعاملة العبد لملاحظة سيده هى معاملة السيد بلا شك فمن رسخ قدمه فى هذا المقام صارت معاملته مع الحق جل جلاله فى كل شئ فلا يراقب غير الله تعالى ومجمع مكارم الاخلاق مع الله تعالى ومع عباده قول النبى صلى الله عليه وسلم : " اكرموا الله ان يرى منكم ما نهاكم عنه ، وهوان لا يراك سبحانه حيث نهاك ولا يفقدك حيث امرك " والامر الذى يبعث العبد على الحياء من الله تعالى هو ان يعلم علم حضور ان الله تعالى على كل شئ رقيب وعلى كل شئ شهيد وهو قوله تعالى : " واعلموا ان الله يعلم ما فى انفسكم فاحذروه " ، فاذا شغل العبد قلبه بهذه المراقبة واستعملها حتى اعتادها والفها لزمه الحياء من الله تعالى ان يقول قولا او يفعل فعلا لا يرضاه الله ولا يليق بجلاله وهو حاضر القلب ( وهو معكم اينما كنتم ) فان الله تعالى معه وناظر اليه فان العبد اذا اراد ان يرنى مثلا او يسرق والناس ناظرون اليه لا يقدر ان يقدم على ذلك مع علمه بنظر الناس اليه فانه يستقبح ذلك من نفسه ويستخبثه فاذا كان الحال هكذا مع المخلوق الذى لا يملك ضرا ولا نفعا والحامل له على ذلك كله مخافة ان يسقط من اعين الناس ويحط قدره عندهم ، ولا شك انه اذا كان حاضر القلب عند الشروع فى الفعل الذى لا يرضاه الله تعالى ترك ذلك الفعل قطعا ، وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الاحسان " ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك " فمن كان بهذه الحالة لزمه ان يحسن تلك العبادة ويتقنها على قدر قوة علمه ان الله ناظر اليه ، وبالله التوفيق ، وصلى الله على مولانا محمد وآله وسلم فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.

انتهت 6666رسالة القواعد ويليها رسالة الاساس